عرض/علاء بيومي
مؤلف كتاب "الفرصة: لحظة أميركا المواتية لتغيير مسار التاريخ" الصادر عن مطابع بابليك أفاريز الأميركية في مايو 2005 هو ريتشارد هاس مدير التخطيط في وزارة الخارجية الأميركية خلال الفترة من أوائل عام 2001 وحتى منتصف يونيو 2003، حيث عمل مساعدا لوزير الخارجية الأميركي السابق كولن باول.

ويعمل ريتشارد هاس حاليا رئيس أحد أعرق مراكز الأبحاث الأميركية على الإطلاق، وهو مجلس العلاقات الخارجية الذي يصدر مجلة فورين أفيرز الأميركية المعروفة، وهي أهم مجلات العلاقات الدولية في الولايات المتحدة.

- الكتاب: الفرصة.. لحظة أميركا المواتية لتغيير مسار التاريخ
- المؤلف: ريتشارد هاس
- عدد الصفحات: 242
- الناشر: بابليك أفاريز، نيويورك
- الطبعة: الأولى/مايو 2005

أهمية الكتاب
أهمية هذا الكتاب تكمن في عاملين رئيسيين، أولهما هدف الكتاب وهو طرح مفهوم "الاندماج" كمفهوم إستراتيجي محوري يجب أن تصاغ السياسة الخارجية الأميركية حوله، كبديل للمفاهيم السياسية الكبرى كالاحتواء والمواجهة التي صيغت السياسيات الأميركية حولها خلال الحرب الباردة وبعدها.

ويرى هاس أن الولايات المتحدة يجب أن تنتهز الأوضاع الدولية الراهنة لصياغة نظام عالمي جديد يقوم على دمج دول العالم المختلفة في نظام من القواعد والسياسات الدولية التي تضمن السلام والأمن والنمو الاقتصادي عبر العالم تحت قيادة أميركية.

أما العامل الثاني فهو ريتشارد هاس نفسه ولغته السياسية التي تجمع بين المثالية والواقعية في آن واحد، فهو سياسي ودبلوماسي مرموق وواسع النفوذ أصر على أن يكتب كتابا خاليا من المفاجئات أو الخبطات الإعلامية والسياسية المثيرة حول طريقة صناعة السياسية الأميركية خلال عهد الرئيس جورج دبليو بوش.

ولم يسر على غرار الكتب العديدة التي صدرت خلال السنوات الخمس الأخيرة وحازت على اهتمام إعلامي وسياسي كبير داخل وخارج أميركا لمحاولتها كشف أساليب صنع السياسة الأميركية في عهد الرئيس جورج دبليو بوش والقائمين على صناعة تلك السياسية.

ريتشارد هاس رفض ذلك، كما أنه حرص على أن لا ينشر كتابه خلال فترة انتخابات الرئاسة الأميركية حتى لا يؤخذ كتابه كحجة مع الإدارة الأميركية أو ضدها، فهدف هاس هو الحوار السياسي والفكري الهادئ حول أفكاره بعيدا عن الإثارة الإعلامية والسياسية.

لذا يتضمن الكتاب أفكارا يصعب تصنيفها من حيث الانتماء إلى اليمين أو اليسار، أو إلى الديمقراطيين أو الجمهوريين، أو إلى المثالية أو الواقعية، فهو يدعو أميركا إلى رفض العزلة الدولية والعمل النشط على بناء نظام عالمي مستقر قائم على شبكة من القواعد والمؤسسات الدولية، ولكنه في نفس الوقت ينتقد مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة ويرى أنه لا يمتلك المشروعية الدولية الكافية.

ويدعو أميركا إلى العمل على تقوية تحالفاتها الدولية والإقليمية المختلفة كمصادر لإضفاء المشروعية على سياستها الدولية إضافة إلى الأمم المتحدة.

على صعيد آخر يطالب ريتشارد هاس بتقوية قدرة الدول الكبرى على حماية شعوب الدول ذات الحكومات الديكتاتورية في مواجهة ما قد تتعرض من مجاعات وحروب أهلية وحروب عرقية وإثنية بسبب فشل حكوماتها الوطنية، ولكنه يدعو أميركا إلى طمأنه روسيا والصين على أنها لا تسعى للتدخل في شؤونهم الداخلية - ومشاكلهم في الشيشان والتيبيت - بما يمكن أميركا من الحصول على تعاون الصين وروسيا في تقوية موقف أميركا الساعي للتدخل لحماية شعوب دول أخرى من حكوماتها.

على صعيد ثالث ينتقد ريتشارد هاس حرب العراق ويرى أنها أضرت بمصالح أميركا وبقدرتها على بناء نظام عالمي أكثر استقرارا، ويطالب الحكومة الأميركية بعدم المبالغة في التركيز على قضية نشر الديمقراطية في الشرق الأوسط.

المفارقات السابقة لا تعني بالضرورة أن أفكار ريتشارد هاس متناقضة أو هشة، ولكنها توضح مساعيه لبناء إطار فكري يجمع بين المثالية والواقعية في التعامل مع السياسات الدولية الصعبة والمعقدة.

"
القيادة الأميركية للعالم أمر واقع خلال الفترة الحالية، ولكن لا أحد يعرف بالضبط مسار هذه القيادة ولا حكم الأجيال القادمة عليها
"
عناصر الفرصة الدولية الراهنة
تدور الفكرة المحورية للكتاب حول إيمان ريتشارد هاس بوجود فرصة "هشة" أمام أميركا "للقيادة في عصر به قدر مناسب من السلام والرخاء والحرية" وخوفه من أن "أميركا لا تستفيد كل الاستفادة من هذه الفرصة"، وهو في ذلك يقصد الحكومات الأميركية منذ جورج بوش الأب، مرورا ببيل كلينتون، وإنتهاء بجورج بوش الابن.

ويعبر هاس عن خوفه من حكم الأجيال القادمة على أميركا وعلى دورها في صياغة النظام العالمي الراهن، فهو يقول إنه غير متأكد من مصير العالم في الفترة الحالية، فلا أحد يعرف إلى أين تقود أميركا العالم، فالقيادة الأميركية للعالم أمر واقع خلال الفترة الحالية، ولكن لا أحد يعرف بالضبط مسار هذه القيادة، وحكم الأجيال القادمة عليها.

فالفترة الدولية الراهنة -كما يرى هاس- هي مفترق طرق أو فرصة هشة لها ما يساندها وأمامها تحديات كبيرة، والفرصة الحالية تكمن في عوامل هامة مثل غياب الصراع بين الدول الكبرى خاصة على المستوى العسكري، وغياب الصراع الكلاسيكي بين القوى الكبرى على السيطرة وبسط النفوذ.

فالمشاكل الرئيسة التي يواجهها العالم اليوم من أمراض وإرهاب ومجاعات وحروب أهلية تأتي من الدول الصغيرة المنهارة أكثر مما تأتي من الدول الكبرى.

هذا إضافة إلى سيطرة أميركية غير مسبوقة تاريخيا، فميزانية الدفاع الأميركية تبلغ نصف ترليون دولار، وهي أكثر من ميزانية الدفاع في الصين وروسيا والهند واليابان وأوروبا مجتمعين، كما أن أميركا لا تخشى من هجوم قوة عظمى على أراضيها، ويبلغ إجمالي الناتج القومي الأميركي 11 ترليون دولار، أو ما يعادل أكثر من 20% من الإنتاج العالمي، كما أن أميركا أكبر سوق عالمي (تستقبل سنويا 18% من الواردات العالمية) وهو ما يعني أن أميركا تقود العالم اقتصاديا كما تقوده سياسيا وعسكريا.

ولكن الفرصة القائمة ليست بلا تحديات، فالقوة الأميركية -كما يؤكد هاس- لها حدود، ومن يشك في ذلك فعليه أن ينظر إلى ما يجري في العراق وأفغانستان حاليا، فمعارضة بعض دول العالم السلبية لأميركا تستنزف موارد أميركا.

كما أن أميركا لا تستطيع زيادة عدد جيشها بسبب قيود داخلية ورفض الشعب الأميركي للتجنيد الإجباري، كما تعاني من هشاشة في حماية أمنها الداخلي بسبب اتساع أرجائها وحرية التحرك داخلها ولكون الجيش الأميركي ليس مدربا على القيام بمهام حفظ الأمن الداخلي، فالحرب تعني تقليديا للجيش الأميركي الحروب الخارجية النظامية وليس عمليات حفظ السلام والأمن الداخلي.

أضف إلى ذلك حاجة أميركا للنفط وطبيعة المشاكل الدولية الراهنة كالأوبئة والإرهاب التي يصعب على دولة بمفردها مواجهتها وحدها، فاللحظة الدولية الحالية خليط من الفوضى والنظام، ومزيج من عناصر القوة وعناصر الضعف.

"
إستراتيجية الدمج كما يراها هاس تقوم على كسب موافقة وتعاون الدول الكبرى أولا على النظام العالمي الأميركي، على أن تأتي موافقة الدول المتوسطة والصغرى بعد ذلك
"
إستراتيجية الاندماج وأولويتها
لمواجهة الفرصة الراهنة وتحدياتها يدعو ريتشار هاس الولايات المتحدة إلى دمج دول العالم المختلفة في نظام عالمي أميركي، تحت قيادة أميركية لمواجهة تحديات العصر الراهن، وهي تحديات طبيعية تفرضها إلى درجة ما قوى العولمة.

لذا يطالب هاس أميركا بتبني مفهوم الاندماج كمفهوم رئيسي محرك للسياسة الأميركية بدلا من المفاهيم الإستراتيجية القديمة كالاحتواء أو المواجهة.

وتقوم إستراتيجية الدمج على عدة عناصر أساسية، أولها تقارب أميركا مع دول العالم الكبرى وسعيها للحصول على إجماعها على معايير النظام الدولي الأميركي.

أما العنصر الثاني فهو تحويل إجماع الدول الكبرى السابق إلى التزامات ومعاهدات وسياسات دولية معروفة، في حين يكون العنصر الثالث هو إشراك دول العالم المتوسطة والصغرى في هذا النظام.

فإستراتيجية الدمج كما يراها هاس هي إستراتيجية هيراركية، تقوم على كسب موافقة وتعاون الدول الكبرى أولا على النظام العالمي الأميركي، على أن تأتي موافقة الدول المتوسطة والصغرى بعد ذلك.

لذا ينصح هاس أميركا بطمأنة الدول الكبرى كروسيا والصين من أن أميركا حريصة على عدم التدخل في شؤونها، من أجل أن تكسب تعاون تلك الدول في مكافحة المشاكل التي تواجه الدول الصغرى والمتوسطة، كالمجاعات والحروب الأهلية.

كما يحدد هاس أربعة مبادئ رئيسية لإستراتيجية الاندماج وهي مكافحة الحروب الإثنية والعرقية، ومكافحة الإرهاب، ومكافحة انتشار أسلحة الدمار الشامل، وكسر الحواجز أمام التجارة الحرة.

سياسات بوش وإضاعة الفرصة
يقول هاس إن نشر الديمقراطية أمر هام، ولكنه لا يصلح أن يكون هدف أميركا الرئيسي، فالديمقراطية لكي تتحقق تحتاج فترة زمنية طويلة، والعالم لا يمكن أن يقف صامتا أمام مشكلات كالمجاعات والحروب الأهلية في انتظار حلول الديمقراطية في دول منهارة.

كما يرى هاس أن نشر الديمقراطية ليس شرطا ضروريا لتحقيق السلام، مشيرا إلى أن أميركا تمكنت من تحقيق السلام مع روسيا الديكتاتورية، كما أن إسرائيل أبرمت معاهدات سلام مع أنظمة شرق أوسطية غير ديمقراطية، لذا يطالب هاس بوش بعدم تعليق عملية السلام الفلسطينية الإسرائيلية على شرط بناء الديمقراطية الفلسطينية.

وفيما يتعلق بعملية السلام الفلسطينية الإسرائيلية على وجه الخصوص يقول هاس إن "الإدراك السائد في العالم العربي بأن أميركا تقوي إسرائيل هو المصدر الرئيسي لمشاعر العداء لأميركا"، كما ينتقد هاس إدارة بوش لأنها لا تعطي عملية السلام الأولية الكافية، ولإصرارها المبالغ فيه على قضية بناء الديمقراطية الفلسطينية كشرط لإحلال السلام.

"
حرب العراق تجسيد لفشل الإدارة الأميركية في التعامل مع الفرصة الدولية الراهنة، حيث إن الإدارة الأميركية فشلت دبلوماسيا في مساعيها للحصول على التأييد الدولي لشن الحرب، ولجهود إعادة بناء العراق بعد سقوط النظام العراقي
"
وفي الفصل الثالث من كتابه يرى هاس أن الحرب على الإرهاب لا تصلح لأن تكون الشغل الشاغل للإستراتيجية الأميركية، حيث أن تلك الحرب ليست لها ساحة محددة أو نقطة بداية ونهاية كالحروب التقليدية.

فالحرب على الإرهاب أشبه بالحرب على الأوبئة، حرب لا تنتهي بحكم استحالة القضاء على الأوبئة، هذا إضافة إلى أن الحرب على الإرهاب لا تتعامل إلا مع أحد الأخطار الرئيسية التي تواجه النظام العالمي الراهن.

ولهذا يتهم هاس الإدارة الأميركية الحالية بإهدار وقت وموارد وفرص لاستغلال الوضع الدولي الراهن، وبعدم وضوح مبادئ بوش الإستراتيجية وتضاربها.

ويرى هاس في حرب العراق تجسيدا لفشل الإدارة الأميركية في التعامل مع الفرصة الدولية الراهنة، حيث يرى أن الإدارة الأميركية فشلت دبلوماسيا في مساعيها للحصول على التأييد الدولي لشن الحرب، ولجهود إعادة بناء العراق بعد سقوط النظام العراقي.

خاتمة
في النهاية يرى ريتشاد هاس أن فشل أميركا في العراق أو في استغلال الفرصة الدولية الهشة القائمة لن يضر بأميركا وحدها وإنما سيضر بالعالم وبمصالح الدول الكبرى، إذ إن من مصلحة دول العالم الكبرى -بما في ذلك القوى الصاعدة سريعا كالهند والصين- الحفاظ على فترة طويلة من الاستقرار والسلام العالميين بما يضمن لها الاستمرار في النمو والتقدم الاقتصادي.

لذا يحث هاس في خاتمة كتابه دول العالم على أن تأخذ على يد أميركا وأن تساندها في انتهاز الفرصة الدولية الراهنة، على أن يحدث ذلك في أقرب وقت وبأكبر سرعة ممكنة قبل فوات الأوان.  

المصدر : الجزيرة