عرض/إبراهيم غرايبة 
يدور الكتاب حول سؤال يشغل المؤلف: كيف نفكر ونعمل عربا وبشرا في أزمنة الحداثة الجديدة وتحولاتها المتسارعة؟ وكيف نتوجه وبأي شكل نتغير للخروج من النفق الذي تقودنا إليه دعواتنا المستحيلة ومشاريعنا المدمرة وإستراتيجياتنا القاتلة؟
 
مقدمات التغيير وأزماته

-الكتاب: أزمنة الحداثة الفائقة: الإصلاح، الإرهاب، الشراكة
-المؤلف: علي حرب
-عدد الصفحات: 254
-الناشر: المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء
-الطبعة: الأولى 2005

تسيطر على المشهد العالمي حالة من التردد والتخبط بل التورط والتواطؤ، هذه حال الأكثرين، خاصة أصحاب العقول الإستراتيجية، ممن ينتدبون أنفسهم لقيادة العالم والسيطرة عليه، وهذه هي الحال بنوع أخص، لدى أصحاب المشاريع الأصولية، ممن يدعون امتلاك الحلول لإنقاذ البشر وإصلاح الأمم.
 
وإذا كانت الحال على هذا النحو من التأزم والتوتر على المسرح الكوني، فالوضع في العالم العربي هو الأكثر اضطرابا وتأزما، وربما يتجاوز ذلك نحو التردي والانحدار.
 
وما يحدث ليس قدرا قاهرا لا فكاك منه، فمن يفكر بحرية واستقلالية، ويحسن الاشتغال على معطيات وجوده، فهما وعقلنة أو عملا وبرمجة يملك القدرة على الزحزحة والإحالة أو على الصرف والتحويل، أيا كانت الظروف والأقدار.
 
وهذا هو التحدي فيما يتغير نظام العالم ومجرى الأشياء: تغير طريقة التعامل وإستراتيجية التدخل، بالكف عن لغة الاتهام والاستعداء وكسر منطق الانعزال والانكفاء للتعاطي مع الأفكار والهويات بلغة المبادرة والاجتراع، أو بمنطق الخلق والتحول، بحيث نثبت جدارتنا بالانتماء إلى زمننا والاندراج في حاضرنا، لكي نساهم في تغيير الألم وإدارة قضاياه، بابتكار صيغ جديدة لحياتنا وروابطنا داخل كل بلد عربي، وتشكل قواعد جديدة للعمل العربي المشترك، فضلا عن الانخراط في المناقشات العالمية، للمساهمة البناءة في بلورة قيم جديدة للشراكة البشرية التي أصبحت كوكبية ما دامت المخاطر التي تتهدد البشر تتهدد أيضا الحياة والبيئة والأرض.

"
من يفكر بحرية واستقلالية ويحسن الاشتغال على معطيات وجوده فهما وعقلنة أو عملا وبرمجة، يملك القدرة على  الصرف والتحويل أيا كانت الظروف والأقدار
"
اليوم تبدو قضية الإصلاح الشغل الشاغل في العالم العربي، خاصة بعد إثارتها من جانب الولايات المتحدة الأميركية، وكلها في النهاية عناوين يستدعي بعضها البعض، بقدر ما تتفاعل الأحداث أو تتغير الموازين، أو تتبدل الأدوار والتحالفات، أو تتصادم المواقف وتتصارع الإستراتيجيات، حول المصالح والمواقع أو حول الأفكار والمقاصد.
 
ثمة سبب آخر يتعلق بالسياق العالمي، ومفاده ما تخضع له المجتمعات المعاصرة في أوضاعها الراهنة، وفي الغرب بالذات، من انهيارات وتحولات تضع على محك النقد والمراجعة كل العناوين والقيم الحديثة التي شكلت أطر النظر ومحركات العمل، لدى حملة المشاريع وأصحاب الدعوات، كالعلمانية والعقلانية والاستنارة والتقدم والنزعة الإنسانية.
 
هنا أيضا يخشى أن تكون الشعارات قد فقدت جاذبيتها على يد حملتها الذين فقدوا المصداقية والمشروعية في ضوء ما لاقته المشاريع من المصائر البائسة على أرض الواقع المعيش.
ثمة من يرفض الإصلاح لأن أميركا تطالب به، أو لأنه يعتبر أن الإصلاح لا يتحقق أصلا من الخارج، وفي المقابل ثمة من يرى أن في الإصلاح المطلب المرجأ الذي لا قيامة للعرب من دونه وفي أي حال، فإن القضية فرضت نفسها في سوق التداول ولم يعد يجدي تجاهلها، وهذا هو الرهان: أن نتغير لنسهم في تغيير سوانا، أو في تحويل واقعنا، بقدر ما ننجح في تغذية العناوين المطروحة وتحويل المفاهيم السائدة في ضوء التحديات والمستجدات.

الإصلاح ورهاناته
"
لعل ما يفسر إخفاق مشاريع التغيير هو ادعاء حملتها أنهم هم الذين يقودون ويغيرون ويفكرون عمن سواهم، بينما الأجدى هو كسر منطق الوصاية، فمحاولات التغيير  تتطلب النظر إلى الناس بوصفهم شركاء "
لعل ما يفسر إخفاق مشاريع التغيير هو ادعاء حملتها أنهم هم الذين يقودون ويغيرون بقدر ما يفكرون عن سواهم، الأجدى هو كسر منطق الوصاية، فمحاولات التغيير، والإصلاح السياسي، أو التنمية الاقتصادية، تتطلب النظر إلى الناس بوصفهم شركاء أو وسطاء بقدر ما هم منتجون أو فاعلون، فإن أكثر من ينتهك المعنى والمثال هم الدعاة، بتشبيحاتهم المعرفية والخلقية، وبالعكس، فالعناوين والقضايا يمكن أن تتغذى من حيث لا نحتسب، أي من الهوامش المستبعدة أو العولمة السلفية، أو المناطق المجهولة.
 
ولا عجب، فالتهمش يعني أن صاحبه لا يستخدم عقله، أو لا يحسن استغلال طاقاته، أي هو رصيد رمزي أو مادي ينتظر من يشتغل عليه لصرفه واستثماره، فالحداثة لا تتحقق كما يحلم بها الذين ينتظرون حصول المعجزة، والذين يتعاطون مع القضايا بعقلية فردوسية، بقدر ما تستحوذ عليهم أطياف الحداثة الطوباوية وتهويماتها الأيديولوجية.
 
إن العالم لم يعد كما كان عليه بقواه وموارده وأدواته وأنظمته وعلاقاته وأفكاره، وإنما يعاد تجميعه وتركيبه على نحو جديد ومغاير، وبصورة لا سابق لها، مخالفة لكل التوقعات، كل ذلك بفعل الثورة التقنية والقنبلة الإعلامية والاقتصاد المعرفي والمشهد الميديائي، وسواها من وقائع العصر وفتوحاته، الأمر الذي يجعل البشرية تنخرط في موجة جديدة من موجات الحداثة، بقدر ما يتشكل مجتمع جديد ونظام للحياة والعمل جديد.
مثل هذا الفهم لعملية التغيير يقتضي كسر ثنائية المعرفة العلمية والمعرفة العامة، بحيث يعامل العاملون خارج قطاعات الإنتاج العلمي والثقافي، لا بوصفهم أصحاب خبرة، وذوي معرفة في مجالات اختصاصهم.
 
وما يفيدونه من المعارف الأكاديمية والنظريات العلمية يقومون باستثماره وتحويله إلى خبرات حية ومعيشة يمكن للمعرفة العلمية أن تنفتح عليها وتتغذى منها وتتفاعل معها, وهذا شأن المجتمع التداولي، فهو ليس مجتمعا نخبويا، وإنما هو مساحة لتبادل المعلومات والخبرات.
 
بهذا المعنى لا جدوى من التعامل مع العولمة، مثلا بوصفها مجرد نشاط اقتصادي أو إستراتيجية للهيمنة، بل هي ظاهرة مركبة وصيرورة متحولة، يمكن مقاربتها على غير مستوى وبأكثر من منهج وذلك بقدر ما يتداخل فيها أكثر من عنصر أو يشتغل أكثر من منطق.
 
المشهد العالمي وتحولاته
"
العالم لم يعد كما كان عليه وإنما يعاد تجميعه وتركيبه على نحو جديد ومغاير، وبصورة لا سابق لها مخالفة لكل التوقعات، كل ذلك بفعل الثورة التقنية والقنبلة الإعلامية والاقتصاد المعرفي والمشهد الميديائي
"
إذا كانت المجتمعات البشرية تواجه تحولات متسارعة تزداد معها المشكلات والأزمات، فمعنى ذلك أن إدارة العالم تحتاج إلى عقليات جديدة وإلى طريقة جديدة في التفكير، من قواعدها:
 
1- من يحسن أن يتغير بفكره عما هو عليه هو القادر على مواجهة المتغيرات بصورة فعالة ومثمرة.
2- الحلول لا تقوم على نفي الواقع والأعمال إنما هي عملية متواصلة من إعادة الصنع والبناء تحليليا وتركيبيا أو خلقا وتحويلا، بحيث يجري توظيف المكتسبات بقدر ما يجري كشف العوائق التي تولد العجز والأزمات من أجل اجتراح البدائل والمخارج.
 
3- فهم الحاضر مفتاح لتدبير الواقع وصناعة الحياة، عبر نظام من الوصل والفصل لا ينفك يتجدد باستثمار التراث من أجل الإعداد للمستقبل ومداهماته، ومن لا يحسن فهم حاضره لا يحسن توظيف الماضي من أجل الإعداد للآتي.
 
4- الأزمة الشاملة تحتاج إلى معالجات عالمية تقوم على الشراكة والمداولة، بقدر ما تعني إعادة النظر بالمشترك البشري من القيم لتجديد مصادر المشروعية وعناوين الوجود.
 
والإصلاح ليس عمل فرد منقذ يفكر عن الناس أو يقرر عنهم، وإنما هو عمل للفرد الذي يفكر ويعمل كمنتج وفاعل أو كخالق قادر أو كمنخرط ومشارك، وعلى النحو الذي يتيح له أن يصوغ مطالبه ويدير قضاياه أو يحسن شرطه ويوسع هامشه، أو يصنع حقيقته ويؤثر في مجتمعه، بما يخلقه في مجال من المجالات، ليس وحده بالطبع بل بمشاركته وتفاعله مع من سواه في خلق التوسطات والشبكات والآليات واللغات التي تسهم في بناء الفضاءات المشتركة وصوغ القيم الجامعة، في وقت تتخذ فيه المشكلات المحلية والإقليمية طابعها الكوكبي وتزداد الخبرات المشتركة بين الناس.
 
إن ما نحتاج إليه عربا وبشرا، هو أن نصنع صورة جديدة لأنفسنا، بأن نفكر بطريقة مختلفة وأن نعمل بخلقية مغايرة وأن نتمرس بعقل جديد من مفرداته: التعدد والتنوع، التواصل والتبادل، التركيب والتجاوز، الخلق والتحول، سياسة الاعتراف المتبادل، الفضاء المفتوح والوحدات المركبة، الإستراتيجيات المتحركة والقوة الهادئة.
 
"
الأزمة الشاملة تحتاج إلى معالجات عالمية تقوم على الشراكة والمداولة، وتعنى بإعادة النظر بالمشترك البشري من القيم لتجديد مصادر المشروعية وعناوين الوجود
"
فالغرب قياسا علينا هو أفضل من حيث علاقته بالقيم أو هو أقل انتهاكا لها، فالأصوليات على اختلاف نسخها تقدم نفسها بوصفها الدواء والعلاج، فيما هي الداء والآفة، وهذا شأن الأصوليات، كانت دينية اصطفائية أم قومية عصرية، مآلها إلحاق الدمار بالذات قبل الغير عاجلا أم آجلا، وهذا ما تفعله بشكل خاص الأصوليتان الإسلامية واليهودية على مرأى من الأصولية البروتستانتية.
 
فإدارة العالم تحتاج من الرؤى والمفاهيم، والقيم والسياسات والإستراتيجيات التي تتوسل مفردات المفاوضة والتسوية أو التعاون والشراكة أو التبادل والتداول، نحتاج إلى تشكيل ثقافة جديدة، وإلى التمرس بعقلانية مغايرة تداولية لبناء مشروعية عالمية يدار معها الشأن الكوني بمنهجية سلمية، إيجابية بناءة، إنها سياسة فكرية أساسها عقلية الشراكة والمداولة والإحساس بالمسؤولية المتبادلة على المصائر، ومفرداتها: عقل تواصلي وفكر تركيبي، منهج تعددي ومعيار تبادلي، منظور مستقبلي وأفق كوكبي، لغة وسيطة وهوية مفتوحة وهجينة، أما ثقافة التطرف والتعصب والكره والخوف والعداء والصدام والقتل والانشداد إلى الوراء وعبادة الأسماء والأفكار، فمآلها عربيا وعالميا إلى تفخيخ العلاقات بين البشر، والانتقال من مأزق إلى سواه، ومن صدمة إلى أخرى، ومن خسارة إلى أخرى أكثر فداحة.
 
الأحرى أن نتعامل مع أنفسنا كمبدعين فاعلين لنا هويتنا المفتوحة المتحركة، التي نجدد بها فكرنا ونتحول عن عقولنا ونحول أنظمتنا، لكي نمارس علاقاتنا بوجودنا معرفة أو دراية أو غنى وقوة، فالهوية الغنية والقوية الراهنة هي قدرتنا على الفعل والتأثير بقدر ما هي طاقتها على أن تحول الغير والعالم بما تحققه من الاختراعات والإنجازات، أو بما تبتكره من المفاهيم والصيغ والقيم والطرائق، وحده المتفوق والمبدع يحظى باعتراف الناس ويكون محط النظر والتقدير، حتى من جانب الذين هم معه على خلاف أو خصام أو عداء خلقي أو سياسي أو ديني وعرقي، وإلا فكيف نفهم أننا نحصد المزيد من الانهيار والتراجع والإخفاق؟ ألا يعني أن ما نفكر فيه وننشغل به لا صلة له بالتفكير الحي الذي يثمر قدرة وحرية واستحقاقا وازدهارا؟ ولا عجب أن تكون الثمرة الاستبداد السياسي والعمى الأيديولوجي أو النزف الوجودي والانهيار الحضاري.
 
الإنسان وصوره
"
دفاعنا عن المبادئ والثوابت يجعلنا أكثر محافظة من المحافظين الجدد وأكثر أصولية من بوش، والمجدي هو إخضاع عدتنا الفكرية ومهمتنا الوجودية للدرس والتحليل
"
أن ندافع عن المبادئ والثوابت وهو ما نفعل الآن، يجعلنا أكثر محافظة من المحافظين الجدد وأكثر أصولية من أصولية بوش، والمجدي هو إخضاع عدتنا الفكرية ومهمتنا الوجودية للدرس والتحليل إن تسريحا وتفكيكا، بتغيير أنماط الرؤية ومعايير العمل.
 
لم تعد المسألة هي "تحقيق الإنسان لإنسانيته" أو البكاء على أطلال الإنسانية، بل العمل على نقد المركزية البشرية وتفكيكها، فالرهان هنا على إعادة النظر في المشترك البشري السائد من القيم والمبادئ أو النماذج والتماثلات، في ضوء الإخفاقات والانهيارات المتلاحقة، بحيث نسعى إلى التحرر أو التخفف من أثقال وأوهام وقيود المقدسات واليقينيات والحتميات والمركزيات وعلى نحو يتيح لنا "تجديد أشكال المصداقية والمشروعية" بقدر ما يفتح لنا فضاء جديدا لعمل بشري مشترك، نسيجه نظام من الوصل والفصل بين أمكنة العالم وأزمنته وصعده وعناصره وثقافاته ودوله، ولا ينفك يتجدد ويتغير اتساعا وغنا وتراكبا، عبر عملية متواصلة من البناء والصياغة، لاجتراح بدائل وتركيب حلول تكون أقل كلفة وتسلطا أو عنفا وخرابا أو عبثا وجنونا.

المصدر : الجزيرة