إبراهيم غرايبة
يناقش الكتاب السياسة الأميركية قبل أحداث 11 سبتمبر/ أيلول وبعدها والتي تتعارض مع أولويات الشعب الأميركي ومواطني العالم من خلال تحليل للأحداث التاريخية، ويدعو إلى مقاومة النظام العالمي الجديد الإمبريالي الذي يدمر الحضارات القديمة ويركز طاقة الإنسان على الإنتاج والتوزيع والإعلان والتسوق، ويدعو إلى السعي نحو العدالة والمساواة لأنها تبقى دائما الموضوع النبيل الذي يوحد أشخاصا مختلفين، والمشاركة بفاعلية لصنع تاريخهم الخاص.

التخلي عن الجمهورية

- الكتاب: الإمبراطورية الاستباقية.. الدليل إلى مملكة بوش
- المؤلف: سول لانداو
- تقديم: جورج مككفرن (مرشح الحزب الديمقراطي للرئاسة سنة 1972)
- تعريب: ليلى النابلسي
- عدد الصفحات: 224
- الناشر: شركة الحوار الثقافي، بيروت
- الطبعة: الأولى/2005
يبين الكاتب أن السياسات التي تصدر عن أميركا في عهد بوش هي عبارة عن نتائج أحلام عصبة يمينية متطرفة بعيدة عن المجتمع الأميركي، سيطرت على جورج دبليو بوش وهو ابن عائلة ثرية أرستقراطية، ويبين الكاتب ردة فعل إدارة بوش تجاه أحداث 11 سبتمبر/ أيلول حيث تصرفت من دون تفكير، ورفضت كل الدراسات التحليلية لأسباب حدوث الهجمات أو ماذا يريد الإرهابيون؟ وانطلقت لضرب العراق من أجل أهداف لا أساس لها من الصحة، واستعملت التهديد بالإرهاب ذريعة للاعتداء على الحريات التي يصونها الدستور.

ويبين الكاتب أيضا أن وكالة الاستخبارات المركزية ومكتب التحقيقات الفدرالي أخفق في منع هجمات 11 سبتمبر/ أيلول، وأقر الكونغرس دون مناقشات كافية قانون "توحيد أميركا وتعزيز أميركا عن طريق توفير السبل الضرورية لمحاربة الإرهاب"، وهو قانون يمكن موظفين رسميين غير منتخبين من ممارسة رقابة بيروقراطية متزايدة نتج عنها انتهاك الحريات والخصوصية الفردية، وركزت وسائل الإعلام على التعاطف مع الضحايا، وتصعيد القلق والتوتر ولم تلق بالا بفقدان المواطنين حرياتهم.

ويشير الكاتب إلى أن حجة "احتياجات الأمن القومي" استخدمها جميع رؤساء أميركا ذريعة لكل النشاطات والجرائم مثل الإطاحة بحكومات وإشعال حروب مجهولة، ويعتبر الكاتب أن بوش يفتقر إلى الرؤية العالمية الواسعة المستقبلية حيث إن اقتراح بوش بخفض الضرائب يجعل الأغنياء أكثر غنى، ويقلص أموال الخزينة العامة، ويقلل برامج الرعاية الاجتماعية والصحية.

وبعد ضغط كبير من أهالي الضحايا في أحداث 11 سبتمبر/ أيلول عين بوش كيسنجر مهندس السياسة الخارجية الأميركية رئيسا للجنة تحقيق عن أحداث 11 سبتمبر/ أيلول بدل التحقيق معه بسبب الإرهاب، ويعتبر الكاتب كيسنجر الرجل الذي يستعبد الحقيقة وهو ذو شهرة عالمية بنشر الرعب والإرهاب والكذب ودعمه في عدة بلدان، لكن كيسنجر قدم استقالته بعد أسبوع واحد من توليه منصبه الجديد.

وقد عين بوش عند توليه الرئاسة أشخاصا في مناصب سياسية عليا أسهموا في مؤامرات مسببين موت الألوف من الأشخاص ولهم تهم سابقة بإعاقة الكونغرس وتقديم معلومات زائفة، وأثبتوا احتقارهم لحياة الأميركيين المنحدرين من أميركا الوسطى والكونغرس والدستور الأميركي نفسه، مثل أليوت أبرامز في مجلس الأمن القومي، وجون بوينديكستر رئيس مكتب المعلومات، وجون نيغروبونتي المندوب الدائم للولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة، وأوتو ريش مبعوث الولايات المتحدة في أميركا اللاتينية.

الإمبراطورية ترد على الضربات

"
الحضارة الوحيدة التي يتصورها بوش هي حضارة السلع والاستهلاك الكبير للطاقة والموارد، وتعميم هذا النموذج على جميع شعوب العالم، فنظرته للسلطة تعتمد على الثروة الهائلة والقوة العسكرية
"
كانت خطة الأمن القومي التي طرحها البيت الأبيض في سبتمبر/ أيلول 2002 قد وضعت "ميثاق الحريات" في المرتبة الثانية، وهذه الخطة ليس لها علاقة بالأمن ولا بالجمهورية، وتقلصت مفاهيم المساءلة والانفتاح القديم.

والحضارة الوحيدة التي يتصورها بوش هي حضارة السلع والاستهلاك الكبير للطاقة والموارد، وإخضاع هذا النموذج على جميع شعوب العالم، فنظرته للسلطة تعتمد على الثروة الهائلة والقوة العسكرية.

وتتوافق رؤية بوش مع شارون ومع أصحاب النظريات الذين يدعمون بوش مثل جري فالويل وبات روبرتسون بأن تهزم إسرائيل الشرق الأوسط وتسوده.

وبالنسبة للصراع العربي- الإسرائيلي فتركز على "الإرهاب الفلسطيني" والتفجيرات الفدائية، ويخشى السياسيون وأقطاب وسائل الإعلام إعلان الحقيقة الواضحة وهو احتلال إسرائيل ووحشيتها تجاه الشعب الفلسطيني.

يتحدث المؤلف عن دعم أميركا للإرهاب من خلال وكالة الاستخبارات الأميركية في تشيلي قبل انقلاب 1973 وبعده، وعن عملية اغتيال ليتيليية، وعن غزو كوبا من قبل 1500 شخص من الكوبيين المناوئين لنظام كاسترو الذين قاموا بغزو خليج الخنازير الكوبي بدعم من وكالة الاستخبارات المركزية، ويتحدث عن محاولة الانقلاب الفاشلة في فنزويلا الذي قامت به الطبقات الثرية -بدعم من واشنطن ووسائل الإعلام- ضد الرئيس شافيز المنتخب الذي أنفق على تعليم الفقراء وسعى إلى زيادة نصيبهم من ثروات البلاد، وعارض نظام السوق الحرة.

ويرى المؤلف أن السياسة الأميركية تجاه كوبا كانت انهزامية وغير عقلانية، وقد قاومت كوبا سيطرة الولايات المتحدة، وصمدت في وجه العولمة الشاملة، فقد حاول عشرة رؤساء جمهورية أميركيين على مدى أكثر من أربعة عقود عزل فيدل كاسترو وشن حرب نفسية عليه.

وحاولت الولايات المتحدة خنق اقتصاد كوبا عن طريق فرض الحظر والحصار عليها، بينما قدم الاتحاد السوفياتي المساعدات والتسهيلات التجارية، وكانوا يتوقعون زوال نظام كاسترو بعد انهيار النظام السوفياتي لكنه صمد، بالإضافة إلى أن اقتصاد كوبا تعرض لانعكاسات خطيرة بسبب تدني السياحة إثر أحداث 11 سبتمبر/ أيلول، وبسبب إعصار قوي ضرب البلاد، وانخفاض سعر السكر والنيكل، واستمرار الحظر الأميركي على التجارة والسياحة, ورغم ذلك تفتخر كوبا بنسبة وفيات الأطفال المنخفضة لديها، فهي تبلغ نصف نسبة الوفيات في واشنطن العاصمة، فهي تتمتع بالصحة الممتازة والتعليم الجيد.

ما فعله شعب كوبا لم يفعله أي شعب آخر من شعوب دول العالم الثالث، فقد صنعوا التاريخ في جنوب أفريقيا وأميركيا اللاتينية، وأنتجوا فنانين وعلماء ورياضيين.

العولمة والنموذج الاقتصادي الأميركي

"
العولمة وشعارات التجارة الحرة والليبرالية الجديدة والسوق الحرة هي تغطية للنموذج الاقتصادي الأميركي الذي يعتمد على السرقة والفساد والصفقات المشبوهة ليصبح الأغنياء أكثر غنى والفقراء أكثر فقرا
"
أصبحت العولمة تعني تحويل أجزاء من دول العالم الثالث إلى قطع يكمّل بعضها بعضا في النموذج العالمي للإنتاج والتوزيع والاستهلاك، وفرض النموذج الأميركي وانتقال حضارة أميركا التجارية ونظرية السوق الحرة إلى معظم دول العالم، ولم يقدم هذا النظام إلى معظم دول العالم الثالث في آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية الفوائد التي بشر بها مؤيدوه الليبراليون الجدد المتمثلون في مؤسسات مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، ولا حتى عشرات الملايين من مواطني الولايات المتحدة وأوروبا، فقد خسر العمال الأميركيون وظائفهم لأن الشركات التي تبحث عن العمالة الرخيصة والتشريعات البيئية المتساهلة نقلت مصانعها إلى بلدان العالم الثالث، والحقيقة أنه منذ طرح بوش الأول هذا "النظام العالمي الجديد" سنة 1991 –وفق إحصائيات البنك الدولي والأمم المتحدة– ارتفعت أرقام البطالة والأمراض وانخفضت معدلات الدخل ومتوسط الأعمار في العالم الثالث.

يعتبر الكاتب أن العولمة وشعارات التجارة الحرة والليبرالية الجديدة والسوق الحرة هي تغطية للنموذج الاقتصادي الأميركي الذي يعتمد على السرقة والفساد والصفقات المشبوهة ليصبح الأغنياء أكثر غنى والفقراء أكثر فقرا، وتسبب ضررا حضاريا لمعظم فقراء العالم، وتفرض الفردية وتدمر المجتمع، وتجمع الثروة بوساطة السرقة والاحتيال أمر متأصل في التقاليد الأميركية.

ففي المكسيك التي قامت بتطبيق اتفاقية التجارة الحرة لأميركا الشمالية انتقل منذ الستينيات نحو 30 مليون شخص من الريف إلى المدن ليعملوا في مصانع التجميع التي يمتلك معظمها شركات أجنبية.

تمتاز هذه المصانع بالأجور المنخفضة والإنتاجية العالية للعمال، وتوفر للصناعات المسببة للتلوث قوانين بيئية متساهلة، وضرائب ورسوما منخفضة، وتضمن عدم تدخل اتحادات نقابات العمال، وقد أفاد من هذه التجربة المستثمرون والمدراء التنفيذيون لشركات متعددة الجنسيات.

وسافر المؤلف إلى المكسيك فوجد العمال يعملون بشروط سيئة ورواتب ضئيلة، وبعض المصانع يستعد للانتقال إلى الصين التي تدفع أجورا أقل لأشخاص تحولوا من فلاحين إلى عمال، وارتفعت نسبة البطالة بسبب انتقال أكثر من 500 مصنع إلى الصين.

وتحول الناس من مجتمعات تحكمها التقاليد إلى نهج حياة لا ينظمه مجتمع، فمثلا خلال السنوات الثماني السابقة عثر على أكثر من 250 جثة لنساء تم اغتصابهن ثم قتلهن وتشويه جثثهن، وجميعهن كن يعملن في مصانع التجميع، وانزلق كثير من الشباب والفتيات إلى مهاوي المخدرات والدعارة والانحراف، بالإضافة إلى النمو العشوائي الواسع للأحياء التي تتوفر فيها أساسيات البيئة الصحية الأولية، وإلى مخلفات الصناعة التي لوثت الهواء والمياه.

ويتحدث المؤلف عن تجربة الأرجنتين في عهد حكومة كارلوس منعم 1989-1999 التي طبقت وصفة صندوق النقد الدولي لجذب الاستثمارات الأجنبية، وقامت الأرجنتين تحت إشراف وزير المالية لديها دومينيكو كافالو بخصخصة الثروة العامة.

سعى صندوق النقد الدولي بالدرجة الأولى إلى تأمين الاستقرار من أجل المستثمرين الأجانب، لذا نصح الأرجنتين بالاقتراض، وتراكمت على حكومة الأرجنتين أقساط غير مسددة بفوائد عالية جدا.

ولكي يضمن صندوق النقد الدولي عدم خسارة المستثمرين لأموالهم نصح قادة الأرجنتين بربط سعر عملتهم (الييزو) بالدولار الأميركي، ولكن سعر الييزو كان أقل من سعر الدولار، وعندما تم ربطه بعملة أعلى منه وقعت الكارثة، بمساهمة من الصندوق، الذي أدى إلى رفع أسعار السلع المستوردة وجعل صادرات الأرجنتين كذلك غالية الأسعار، بالإضافة إلى عمليات الفساد حيث لا يوجد في الأرجنتين أنظمة سياسية تتوفر فيها المساءلة الواضحة.

وهكذا قطعت الحكومة الدعم المالي عن الطبقة العاملة وقدمت مغريات لتجذب المستثمرين، وأخذ العمال يكدحون أكثر وأكثر ولا يحصلون إلا على القليل، وهكذا وقعت حوادث شغب واسعة من قبل العمال في الأرجنتين ضد صندوق النقد الدولي وضد التجارة الحرة، كما حدث في كثير من دول العالم الثالث.

إمبراطورية النفط تجوس خلال الشرق الأوسط

"
الولايات المتحدة تتفوق على العالم كله بأسلحة الدمار الشامل، وهي الدولة الوحيدة التي هددت باستخدام الأسلحة الذرية في ضربات استباقية ضد الشعوب التي تعتبرها خطرا محتملاً على أمنها
"
قام الكاتب بزيارة العراق مع فريق بعد أن أعلن الرئيس بوش بوضوح أنه يعتزم المضي إلى الحرب فلم يلاحظ أي تهديد وشيك ومباشر للولايات المتحدة، أما قوته العسكرية التي ضخمها بوش الأب فقد انحدرت إلى أقل من خمس ما كانت عليه خلال حرب الخليج، وليس لدى العراق أي قوة بحرية أو سلاح جوي وطائراته قديمة ومستهلكة، ولم يقدم بوش أي حقائق تثبت أن صدام يشكل تهديدا لجيرانه أو المنطقة أو الولايات المتحدة.

ولم يقدم دليلا واحدا على وجود صلات بينه وبين الارهايبين الذين نفذوا هجمات 11 سبتمبر/ أيلول، وقدم بوش معلومات زائفة عن قيام صدام بتجميع أسلحة دمار شامل، وأعلن عن مبدأ الحرب الاستباقية.

إن الهدف من وراء شن الحرب على العراق هو السيطرة الشمولية بالإضافة إلى رفع احتمالات فوز بوش في الانتخابات، مع رفع أسعار النفط، وإبعاد فضائح الشركات الكبيرة، والمشكلات الاقتصادية، وبرامج الرعاية الصحية القاصرة عن عناوين الأخبار وعن تصدّر الصفحات الأولى في الصحف.

بدأت القوات الأميركية بغزو العراق في 19 مارس/ آذار2003 مستهينة بالقانون الدولي والأمم المتحدة والرأي العام العالمي، ونسبة كبيرة من الشعب الأميركي قد اقتنعت بأن صدام الذي استخدم الغاز السام ضد شعبه هو الذي دبر كارثة 11 سبتمبر/ أيلول.

ولكن الولايات المتحدة تتفوق على العالم كله بأسلحة الدمار الشامل وقصفت أهدافا في دول متعددة من بلدان العالم الثالث، وتتفرد باستخدام الأسلحة الذرية، وأجرت مؤخراً تجارب على قنبلة جديدة أسمتها (أم القنابل)، وهي الدولة الوحيدة التي هددت باستخدام الأسلحة الذرية في ضربات استباقية ضد الشعوب التي تعتبرها خطراً محتملاً لأمنها.

وتبين السجلات التاريخية أن الإدارات الأميركية قد تعاونت مع صدام في السبعينيات والثمانينييات من القرن الماضي عندما كان ذلك يتوافق مع مصالحها، وأسهم رمسفيلد في تسهيل حصول العراق على الأسلحة الكيماوية والبيولوجية.

وتبين أن كثيرا من موظفي الإدارة الأميركية تربطهم علاقات قوية بالشركات التي سوف تستفيد ماديا من الحرب، مثل نائب الرئيس ديك تشني المدير السابق في شركة Halliburton التي سوف تربح بلايين الدولارات من إعادة اعمار العراق.

المصدر : الجزيرة