عرض/كامبردج بوك ريفيوز
روبرت فيسك الصحفي البريطاني المخضرم الذي صنع لنفسه اسماً وهو يكشف الكثير مما لا تريد له المؤسسات الرسمية أن يكشف, يضع اليوم بين أيدينا خلاصة تجاربه ورؤاه وانتقاداته لأركان السياسة الدولية المعاصرة.

من تغطيات أيرلندا الشمالية والجيش الجمهوري هناك, إلى بيروت وحربها الأهلية ثم الاجتياح الإسرائيلي للبنان, ومن فلسطين وانتفاضاتها وبطش الجيش الإسرائيلي بالفلسطينيين إلى بغداد وحروبها ثم احتلالها من قبل الأميركيين, من أفغانستان خلال الاحتلال السوفياتي, ثم حروب "المجاهدين الأفغان", إلى الجزائر وحربها الأهلية, وإلى الشيشان وسواها وفيسك يكتب بلا هوادة, معاكساً التيار بجرأة ظل يحسده عليها كثيرون.

في كتابه الأخير ذي العنوان الطويل وربما الغريب يجمع كل حكاياته ومشاهداته الميدانية خلال تغطياته الصحفية (ما عدا تجربته في لبنان التي خصص لها كتابا نشره قبل سنوات طويلة).

اسم الكتاب ينطوي على تهكم وسخرية واضحة, وجزء من ذلك العنوان, كما يقول المؤلف, "الحرب الكبرى من أجل الحضارة", كان منقوشاً على ميدالية عسكرية مُنحت لأبيه الذي شارك في الحرب العالمية مع القوات البريطانية.

ويقول فيسك إن الحروب الكبرى التي طحنت ملايين من الناس كانت ترفع شعار الحضارة, وتقول إنها تخوض المعارك من أجل هدف نشر الحضارة. وكذا هي الحرب الأميركية في العراق تعيد استخدام نفس الشعار القديم, كما يقول.

- عنوان الكتاب: الحرب الكبرى لأجل الحضارة.. غزو الشرق الأوسط
- المؤلف: روبرت فيسك
-
عدد الصفحات: 1366
-
الناشر: فورث إيستيت
-
الطبعة: 2005

التوقف عند ألم الضحايا

الكتاب الذي بين أيدينا ضخم بكل المعايير, وإن كان ثمة شيء يميزه فهو مقدار المعاناة والألم والدم التي تحتويها صفحاته, والتي يصر فيسك على سردها وتصويرها بالتفصيل الذي تقشعر أحياناً له الأبدان.

فهو يغرق في وصف الضحايا, من لبنان, وأفغانستان, إلى ساحات قتلى الحرب بين العراق وإيران, وغيرها. يتوقف عند عربة مصفحة ويلقي النظر على الجثث المتفحمة ويصفها, ويبحث عن هويات المقتولين.

بين السطور إدانة قوية لعبثية الحرب, وإدانة أقوى لبطش قوى الحرب الجبروتية التي لا يهمها أن تدوس من تدوس في سبيل مصالحها، والإدانة التي لا تتوقف في صفحات الكتاب موجهة للغرب وسياساته المدمرة إزاء العالم العربي والإسلامي على وجه التحديد, لذلك فإن فيسك لا يتردد في الانحياز لجانب الضحية وإدانة الجلاد.

هذه الإدانة لا تأتي من أي صحفي أو كاتب, يسطر آراءه من وراء مكتب مريح في عاصمة من عواصم الغرب، فروبرت فيسك ليس أي غربي, لا من ناحية الموقف ولا من ناحية الممارسة والاطلاع الدقيق والميداني.

إنه يدرك ما فعله الغرب من تدمير وسياسات استعدائية في أكثر من منطقة في العالم, لذلك فإن أي شتيمة يتعرض لها في المغرب, أو لبنان, أو العراق, أو فلسطين, أو حتى محاولة اعتداء من قبل من لا يعرفونه إنما هي مفهومة بالنسبة إليه لكون المستهدف من ورائها هو الغرب السياسي, غرب التوحش, وليس الفرد الغربي نفسه, وخاصة عندما يكون هذا الفرد روبرت فيسك أو من هو في موقعه.

في استعراضه لمواقف الغرب عموماً, والولايات المتحدة على وجه الخصوص, إزاء قضايا العرب والمسلمين, لا يتردد فيسك في إدانة تلك المواقف, وتحميلها مسؤولية تراكم العداء العربي الإسلامي للغرب وتسعيره.

وهو يذكر في أكثر من موقع أنه كان سيشعر بنفس العداء ويتبناه لو كان في موقع العرب والمسلمين.

وعندما يتحدث عن الانحياز الفاضح تجاه إسرائيل من قبل الغرب وأميركا, فإنه يقول إن كل الغضب الفلسطيني والعربي والإسلامي ضد الغرب يغدو مفهوما.

"
الإدانة التي لا تتوقف في صفحات الكتاب موجهة للغرب وسياساته المدمرة إزاء العالم العربي والإسلامي على وجه التحديد, لذلك لا يتردد فيسك في الانحياز لجانب الضحية وإدانة الجلاد
"
في أفغانستان

ربما يكون من المفيد التوقف بتفصيل عند واحدة من الحلقات التي يصف فيها فيسك ما كان يتعرض له في الميدان, وذلك لأخذ انطباع عن مضمون الكتاب وروحه العامة.

في سياق سرده لتغطياته للحرب الأفغانية, يصف فيسك زيارته لكابل عام 1980 أثناء الغزو والسيطرة السوفياتية، فيقول إن كابل كانت تعج بالخبراء السوفيات الذين تم تعيينهم مستشارين في الوزارات الأفغانية, وعمليا كانوا الوزراء الفعليين. كانوا, بالإضافة إلى الخبراء العسكريين والمستشارين السياسيين في القيادة الأفغانية العليا, يتنقلون بسيارات ليموزين سوداء مميزة, كان الأفغان ينظرون إليها بامتعاض.

ويقول فيسك كيف أن مرافقه الأفغاني, من حزب خلق الماركسي, أسر له وهما في مصعد الفندق أن الوضع سيئ وأن الناس يريدون مغادرة السوفيات، وأنه إذا صح أن أفغانستان تحتاج إلى مساعدة السوفيات, فإن الأفغان سيقتلون من يطيل البقاء في البلد بما في ذلك السوفيات.

وكانت القاعدة العسكرية بغرام تحتضن طائرات الهيلوكبتر التي تقوم بجزء أساسي من مهمة القتال ضد "المجاهدين".

ويصف فيسك حجم الترسانة السوفياتية التي خصصت لحرب المجاهدين, ويقول إنها في المجمل تذكر بتلك التي استخدمتها الولايات المتحدة ضد فيتنام، وفيتنام, القصة والاسم, صارت كثيرة التردد في أفغانستان نفسها, مع توعد المجاهدين بنسخها ولكن ضد السوفيات هذه المرة.

بيد أن السوفيات لم يكونوا يعانون من حرب التنظيمات الجهادية التي سرعان ما بدا عليها أثر الدعم الأميركي العسكري والفني والمادي.

فبالإضافة إلى ذلك كان الصراع الدامي بين الحزبين الأفغانيين المتنافسين, حزب الرئيس بابراك كارمال حزب بارشام, والحزب المنافس خلق, يشل الحركة السياسية في أعلى القيادة الأفغانية, ويوفر للمجاهدين مسوغا آخر للاستمرار في حربهم.

ثم يصف فيسك رحلته بالباص إلى قندهار حيث كان يلبس الثياب الأفغانية، ويقول إن المزاج الناقم على السوفيات في طول البلاد وعرضها كان يدفع بالأفغان إلى الترحيب الشديد به حال تعريفه بنفسه وبجنسيته لهم.

وفي الصباح الوحيد الذي قضاه في قندهار, تعجب من انطلاق صوت الأذان, الله أكبر, في التاسعة صباحا إذ لم يكن وقت صلاة.

لكنه انتبه إلى أنه ليس الآذان التقليدي, بل مجرد بدايته, الله أكبر, وأن الناس يصعدون إلى سطوح بيوتهم ويرددون النداء بأعلى صوتهم, محولين سماء وفضاء المدينة إلى صيحات الله اكبر متداخلة.

كانت تلك طريقتهم للتعبير عن الاحتجاج السياسي, والنقمة على السوفيات، لكن هؤلاء السوفيات, وخاصة الجنود الصغار, لم يكونوا أعداء ولا شيوعيين بحسب المنطق التقليدي. فقد كان يندهش الأفغان عندما يرون كثيرا من أولئك الجنود وقد أزالوا النجمة السوفياتية الشهيرة من على قبعاتهم العسكرية.

ثم عرف بعد ذلك أن الجنود القادمين من الجمهوريات الإسلامية لا يتعاطفون مع الجيش المفترض أن يحاربوا في صفوفه, وأنهم غير مستعدين عاطفيا ووجدانياً لخوض حرب ضد أشقائهم الأفغان, خاصة وأن كثيرا منهم ينسبون إلى الطاجيك وهي الإثنية الموجودة في أفغانستان كما هي موجودة في الجمهوريات الإسلامية السوفياتية المحاذية.

"
المراسل الميداني الحقيقي هو الذي يأخذ بالشك العميق مقولات المسؤولين والناطقين الرسميين, خاصة في حالات الصراع الدموية، ويشعر بأن من واجبه أن يبحث عن الحقائق, ويصل إلى قلب الحدث, ويميز بناء على الوقائع من هو الجلاد ومن هو الضحية فعلا
"
مهمة الصحفي: قول الحقيقة

ما يميز روبرت فيسك عن غيره من الصحفيين الميدانيين أنه يذهب ليرى الحقيقة بأم عينه ثم ينشرها ويروجها. وهو لا يقنع بمقابلة المسؤولين ليصفوا له الحدث, أو يقولوا له موقفهم.

يقول في هذا الكتاب كما يقول في أكثر من مقابلة أجريت معه في السابق, إن المراسل الكسول هو وحده الذي يقنع بالمقابلات المملة مع المسؤولين أو الناطقين الرسميين.

ويضيف "حين يغطي المراسل صراعا بين طرفين فإنه يظن أنه بمقابلته المسؤولين من الطرفين يكون متوازنا ويعطي القضية حقها من التغطية المنصفة، لكن في حقيقة الأمر إن أي صحفي في العالم يمكنه أن يقوم بذلك العمل من دون أن يتكبد عناء السفر والمخاطرة والذهاب إلى الميدان ليجري تلك المقابلات. يمكنه أن يقوم بذلك عبر الهاتف أو حتى الإيميل, ثم يسطر تقريراً يضمن فيه مقابلات تعكس "مواقف الطرفين", ثم يعتقد بأنه كان متوازناً ومنصفاً.

إن المراسل الميداني الحقيقي في رأي فيسك هو الذي يأخذ بالشك العميق مقولات المسؤولين والناطقين الرسميين, خاصة في حالات الصراع الدموية، ويشعر بأن من واجبه أن يبحث عن الحقائق, ويغامر, ويصل إلى قلب الحدث, ويميز بناء على الوقائع على الأرض من هو الجلاد ومن هو الضحية فعلاً كما هو في الميدان وليس كما تقول التصريحات الرسمية.

ويقول إنه عندما يقوم الجيش الإسرائيلي مثلاً بإغلاق منطقة ويحظر على الإعلام الوصول إليها فإن ذلك هو ما يجب أن يثير فضول الصحفي، فلو لم يكن هناك ما يريد الجيش التستر عليه لما أغلق تلك المنطقة, ومهمة الصحفي هي الكشف عن ذلك المستور.

الصحفي والمحلل السياسي
يقول فيسك إن كتابه هذا هو خلاصة تجربته الصحفية الغنية, وفي ما خلا تجربته في لبنان التي نشر عنها مسبقاً, فإن فيسك يطوف بنا في كل الأمكنة, عبر فصول كتابه الضخم هذا.

لكنه لا يسرد لنا الأحداث وتغطيته لها فحسب, بل يتسامح فيسك الصحفي المعني بملاحقة الحقيقة مع فيسك المحلل والسياسي فيترك له فسحة واسعة ومطولة ليحلل الأحداث, ويربطها ببعض, ويقدم آراءه السياسية إزائها ويتخذ مواقف ما كان بإمكانه تضمينها لتغطياته الصحفية التي تكون عادة مقصورة على تغطية الوقائع وكشفها.

من المغرب إلى أفغانستان, ومن إيران إلى العراق وحربهما الطاحنة الأولى, إلى البوسنة والجزائر, ثم إلى غزو العراق للكويت وما جره من حرب الولايات المتحدة ضد العراق, وما تلا ذلك من حصار طويل, ثم من حرب الولايات المتحدة الثانية على العراق, وفيسك يتابع ويكتب ويحلل من موقع الحدث.

"
الغرب يريد من المنطقة العربية نفطها وضمان أمن إسرائيل وضمان المصالح الإستراتيجية الغربية الكبرى, وبعدها ليحدث الطوفان
"
وفي كل مرة كان يسجل سبقا صحفيا وهو يخط تقاريره ساخنة مع شهود عيان, وفي كثير من الأحيان من وسط الخطر المحيق بحياته, وفي بعضها كان قريبا جدا من الموت وكاد يموت فعلا عندما هوجم من قبل غاضبين في أفغانستان بسبب كونه غربيا.

خلال كل ذلك, وفي فصول الكتاب, يسهب فيسك في إثبات نظرية أساسية تشبك كل آرائه بعضها ببعض في الكتاب ألا وهي تحميل الغرب المسؤولية الكاملة عن كل الدمار الذي حدث وما زال يحدث في العالم الإسلامي.

الغرب هو الذي قسم المنطقة إلى دول بحيث يضمن مصالحه المستقبلية, والغرب هو الذي دعم الأنظمة المستبدة, والغرب هو الذي دعم إسرائيل, والغرب هو الذي يطلق الحروب الدموية ويرعاها, ونتيجة ذلك كله يستمر وقوع الضحايا بلا هوادة في المنطقة.

الغرب يريد من المنطقة نفطها, وضمان أمن إسرائيل, وضمان المصالح الإستراتيجية الغربية الكبرى, وبعدها ليحدث الطوفان.

تقريبا, لا يخلو فصل أو جزء من الكتاب من دون تكرار هذه الإدانة, إلى درجة ربما ستثير بعض النقد إزاء فيسك المحلل.

وستكون هناك أصوات بالتأكيد تقلل من قيمة فيسك المحلل كما ظهر في الكتاب مقارنة بفيسك الصحفي الجريء الذي قدم الكثير مما لم يجرؤ على تقديمه كثيرون.

والحقيقة أن ضخامة الكتاب والتفاصيل الكثيفة المتعبة الواردة فيه وإن كانت تدعم نظرية فيسك بما لا شك فيه, وتدعم صورة فيسك الصحفي المبدع, فإنها لم تقدمه كمؤرخ أو محلل ذي باع, كما كان ربما يأمل من وراء هذا الكتاب.

المصدر : الجزيرة