عرض/حسن السرات
الدستور المغربي -مثل أي دستور- جوهر الصراع السياسي أو التعايش السياسي، فيه تختصر الحياة السياسية وبه تجتمع أو تفترق. وقد عرف المغرب جولات مطولة من التدافع بين القوى السياسية بعد الاستقلال حول مكانة الملك في الدستور والصلاحيات الواسعة التي يتمتع بها والخصائص التي يتحلى بها بموجب أعلى وثيقة سياسية. والملك المغربي يكون في غالب الأحيان فوق الدستور لأنه منه المبتدأ وإليه المنتهى.

- الكتاب: الدستور المغربي ورهان موازين القوى
- المؤلف: عبد العلي حامي الدين
- عدد الصفحات: 236
- الناشر: سلسلة دفاتر وجهة نظر، الرباط
- الطبعة: الأولى 2005

الكتاب والكاتب
يجيب كتاب "الدستور المغربي ورهان موازين القوى" عن سؤال هام يراود السياسيين ورجال البحث الدستوري والقانوني بالمغرب وحتى خارجه ما دامت القضية الدستورية التي يسبر أغوارها تجمع بين الداخل والخارج.

ويضع الكاتب مجموعة من الأسئلة المتفرعة عن سؤال الدستور المغربي: ما مضمون الوعي الدستوري الذي حملته النخبة المغربية منذ الاستقلال إلى اليوم؟ وما هي طبيعة الأفكار والمفاهيم التي أطّرت المسألة الدستورية؟ وهل استوحت جذورها من الفكر السياسي الإسلامي أم من الفكر السياسي الغربي؟

وهل يمكن اعتبار "تطور" الخطاب الدستوري في المغرب نتيجة لتطور عميق في الأفكار السياسية للنخبة المغربية يعكس منظورا تجديديا لقضية الحكم والسلطة ويستمد جذوره من أيدولوجية حقيقية كما حصل في الغرب، أم أن هذه "التحولات" كانت تعبيرا عن موازين قوى بين المؤسسات الفاعلة في النظام السياسي المغربي أو نتيجة أحداث سياسية معينة أثرت في الخطاب الدستوري ودفعت به إلى البحث عن أسلوب معين لإدارة التوازن بين الأطراف السياسية المتصارعة، وبالتالي صعوبة الحديث عن نقلة تاريخية حقيقية.

بحثا عن أجوبة الأسئلة المتقدمة، يتابع الدكتور عبد العلي حامي الدين مواقف أطراف مغربية ثلاثة هي الملك والأحزاب السياسية والحركات الإسلامية، ومراحل الشد والجذب والتقارب والتباعد، والتأصيل والتغريب، والاحتواء والإقصاء بينها.

الكتاب جزء من أطروحة الدكتوراه الوطنية بجامعة محمد الخامس بالرباط تحت عنوان "المسألة الدستورية في الفكر السياسي المعاصر" التي ناقشها الباحث عام 2002 ونال بها ميزة مشرف جدا مع توصية بالطبع.

والدكتور عبد العلي حامي الدين الذي يعمل أستاذا للعلوم السياسية والقانون الدستوري بجامعة عبد الملك السعدي (كلية الحقوق) بطنجة، حاز هذا العام على جائزة الفاسي الفكرية التي تنظمها مؤسسة علال الفاسي عن بحثه "الإسلام والدولة في تاريخ المغرب: إرهاصات الدولة الدستورية الحديثة".

"
في قلب النظام السياسي المغربي يوجد رجل واحد هو الملك
"
الملك منطلقا ومرجعا
ينطلق الكتاب في تحليله لموقع المؤسسة الملكية بالمغرب من الدستور والحياة السياسية برمتها، من قول أحد الباحثين الفرنسيين المختصين في المغرب وهو الفرنسي ريمي لوفو، حين قال "في قلب النظام السياسي المغربي يوجد رجل واحد هو الملك".

والمقولة اختصار لكل شيء في تاريخ المغرب الحالي، خاصة في حكم العاهلين الراحلين محمد الخامس والحسن الثاني.

وفي المسألة الدستورية التي يتابعها الباحث سيرى القارئ والمحلل أن الملكين اتخذا سياسة واحدة، فالأول لما أحس بأن الحركة الوطنية بدأت تتحدث عن "الملكية الدستورية" أبدى تحفظه لاعتباره إياها مطلبا ثوريا "يصعب قبوله بسهولة من قبل شخصيات نافذة في المخزن".

ومع ذلك اضطر محمد الخامس لاستعمال المصطلح في خطاباته والحديث عن إمكانها، مع إفراغها من محتواها وملئها بالمحتوى الذي يراه ويرغب فيه.

ويرى الباحث في تحليله لخطاب محمد الخامس أنه كان مزيجا من عناصر المحافظة والتقليد بالإضافة إلى مستلزمات المعاصرة والتحديث، يتمسك بالبيعة كمصدر للمشروعية القانونية ومحل إجماع لا يترك أي منفذ للمعارضين والمتطلعين إلى السلطة، ويتمسك أيضا بالشورى أو التأصيل الإسلامي للديمقراطية، شورى معلمة لا ملزمة تجعل من هذه التوليفة "ديمقراطية مغربية" لا نظير لها.

وعلى المنهج نفسه -ولكن بوتيرة أعلى وأكثر دقة- سار الحسن الثاني، وفي "المسافة الفاصلة بين الميل إلى التفتح العالمي" و"الانجذاب إلى الواقع"، طور خليفة محمد الخامس منظوره الخاص لأهم المفاهيم السياسية التي روج لها في خطبه وتصريحاته، وفي جميع المناسبات الممكنة.

ويستشهد الكاتب بنماذج كثيرة من الخطب والتصريحات، مثل ما جاء في المحاضرة التي ألقاها الحسن الثاني يوم 9 مايو/أيار 1996 أمام أعضاء الجمعية الوطنية الفرنسية، إذ قال "هكذا تتطور الدساتير وتطبيقاتها، ليس من باب الرغبة في التغيير بل لأن الوقت يمر والمجتمع يتغير ولأن الحياة هي التأقلم، ولكن مع ذلك لا ينبغي أن نخطئ فنقول: إن بعضنا ينقل عن الآخر، ففي المجال الدستوري لا توجد طريقة صناعية لتوفير معامل تقدم مفاتيحها جاهزة للاستعمال، إذ مجرد التقليد سيكون شيئا عقيما".

وتحتل البيعة وإمارة المؤمنين الصدارة لدى الحسن الثاني ضمن المفاهيم الأساسية "للنظرية السياسية" التي دافع عنها.

وظل الملك الراحل يردد دائما أن الحل العلماني لا مكان له داخل التجربة الإسلامية لأن السياق الحضاري والتاريخي مختلف اختلافا كبيرا، والتجربة الأوروبية ليست ناجحة في نظره في ممارسة بعض الوظائف الأساسية. والمشكل على حد قوله "يكمن في أن الدولة في غياب الدين يتوجب عليها أن تضطلع وحدها بتكوين مواطنين حقيقيين، وهي رسالة لم توفق في أدائها ولن توفق".

"
اعتمد الحسن الثاني على أدوات إجرائية دستورية هي احتكار السلطة التأسيسية، ومنظور معين لمفهوم فصل السلطات، وإدخال صفة القداسة، ما جعله يبقى فوق المساءلة والنقد ويجعل كل من يمس بالملك ماديا ومعنويا معرض للعقاب
"
صلاحيات دينية ودنيوية
وعلاوة على مفهومي البيعة وإمارة المؤمنين التي عمق الحسن الثاني النظر فيهما وفي استخدامهما بشكل جامع بين الأصالة الإسلامية والحداثة المعاصرة، فإنه حرص حرصا شديدا -كما يبين الباحث- على تأكيد صلاحيات دينية له، فضلا عن الدنيوية.

وعلى رأس الصلاحيات الدينية "الأهلية العلمية في المجال الديني الشرعي والقدرة على تقمص دور الفقيه العالم أو الإمام المجتهد، ولم لا الداعية الحكيم الذي يملك الحق في تأويل النص الديني" بفضل نشأته الدينية وتكوينه الشرعي.

ويسجل الباحث عقب كل هذا مجموعة من الملاحظات حول استعمال الحسن الثاني المكثف لمفهوم إمارة المؤمنين وإدماجها في الفصل التاسع عشر من الدستور المغربي محملا إياها صلاحيات واسعة وفضفاضة، إذ يقول الفصل "الملك أمير المؤمنين، والمثل الأعلى للأمة ورمز وحدتها وضامن دوام الدولة واستمرارها وهو حامي حمى الدين والساهر على احترام الدستور وله صيانة حقوق وحريات المواطنين والجماعات وهو الضامن لاستقلال البلاد وحوزة المملكة في دائرة حدودها الحقة".

ولتنزيل كل هذا اعتمد الحسن الثاني على أدوات إجرائية دستورية هي احتكار السلطة التأسيسية، ومنظور معين لمفهوم فصل السلطات، وإدخال صفة القداسة، ما جعله يبقى فوق المساءلة والنقد ويجعل كل من يمس بالملك ماديا ومعنويا معرض للعقاب، وفي منأى عن سريان الأحكام القضائية، وبعيدا عن كل انتقاد أو تصوير غير لائق أو تشبيه كاريكاتيري، وكل قراراته ومواقفه وخطبه وظهائره سارية المفعول.

الأحزاب واقتسام السلطة
تكتلت بعض الأحزاب السياسية المغربية لتقوية مطالبها، خاصة مطالب العمل السياسي المصون بدستور واضح ينص على فصل السلطات واقتسامها ويجعل جميع الفرقاء السياسيين مسؤولين أمام القانون والشعب المغربي.

وكانت الكتلة هي الوعاء الذي تجمعت فيه أحزاب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية والاتحاد الاشتراكي والاستقلال والتقدم والاشتراكية ومنظمة العمل الديمقراطي ابتداء من 17 مايو/أيار 1992.

يقدم الكاتب سيرة مختصرة عن كل حزب من أحزاب الكتلة، متبعا مسارها حتى تكتلت فيما بينها. ويؤكد الباحث أن هذه الكتلة كانت تدرك أن مطالبها السياسية لن تتحقق إلا بإدخال تعديلات سياسية ودستورية جوهرية على النظام القانوني والدستوري المغربي، وهي التعديلات التي رفعت الكتلة بشأنها مذكرتين إلى الملك الراحل الحسن الثاني: الأولى في يونيو/حزيران 1992 والثانية في أبريل/نيسان 1996.

انصبت مضامين المذكرات الحزبية على خدمة أربعة أهداف أساسية هي: ملكية دستورية ذات طابع برلماني، وتوسيع صلاحيات البرلمان والحكومة، وتعزيز ثقافة حقوق الإنسان، وضمان نزاهة الانتخابات.

ويشير الكاتب إلى الأسلوب المتوازن الذي صيغت به المذكرات، بحيث لم تطمع في إدخال تغييرات بنيوية على نص الدستور، ما يعني أن ميزان القوى بقي في صالح المؤسسة الملكية، وأن الذين رفعوا المطالب كانوا يسعون للحصول على الرضا والقبول لا الدخول في الملعب السياسي المتحكم فيه، أي أن هناك معطيات سياسية أثرت في موقف الكتلة وأضعفتها، وذلك ما ليس من شأن الكتاب أن يتناوله على حد قول صاحبه.

وقد بدا كل هذا للعيان في التصويت بـ"نعم" على دستور عام 1996، حيث تقارب اليسار المعتدل مع النظام السياسي لقطع الطريق على الحركات الإسلامية المتنامية.

ويجدر التذكر أن سنة 1996 هي السنة التي توحدت فيها حركتا "الإصلاح والتجديد" و"رابطة المستقبل الإسلامي" في حركة واحدة هي حركة التوحيد والإصلاح، ثم انخرطت الحركة الوليدة المتحدة داخل حزب الحركة الشعبية الدستورية الديمقراطية، أي حزب العدالة والتنمية لاحقا.

"
النقاش حول المسألة الدستورية في المغرب سيظل مفتوحا ما دام الاتفاق على شكل الحكم والثوابت المؤطرة للدولة المغربية الحديثة حاصلا، رغم الخلاف على الأشكال المؤسساتية والآليات الدستورية
"
الحركات الإسلامية والملك
يحصر الدكتور عبد العلي حامي الدين الحركات الإسلامية في كل من جماعة العدل والإحسان وحركة التوحيد والإصلاح. وبعد تعريف موجز بالحركتين، يحلل الخطاب السياسي عند كل واحدة منهما حتى يصل إلى المسألة الدستورية.

ينطلق التصور السياسي عند حركة التوحيد والإصلاح من قراءة نقدية للتجربة السياسية عند المسلمين منذ الخلفاء الراشدين. وتعلن الحركة أن هذه القراءة تطمح إلى التحرر من النموذج المثالي الذي ظل راسخا في عقول المسلمين، والذي يبشر بعودة "الخلافة الراشدة" من جديد بعد انحراف الحكم.

وتحاول هذه القراءة تقديم نموذج واقعي يعتمد في أصوله على الخصائص الثابتة لهذا النموذج، منتقدا من جهة مطلب إقامة الدولة الإسلامية إذ يعتبرها قائمة، ومن جهة ثانية مفهوم الخلافة على منهاج النبوة، موضحا أن للخلافة خصائصها الثابتة وليس لها شكل واحد، وهذه الخصائص هي الرسالية والانتخاب والشورى وإقامة العدل وضمان الحقوق وحرية التعبير وحق الاعتراض.

وتعرب الحركة عن اعترافها بالملكية الدستورية بناء على عدة مبادئ، لكن الكاتب يتوقف عند هذه المبادئ وينتقدها ويصفها بأنها ليست على درجة واحدة من التماسك المنطقي. ومع ذلك يشيد الكاتب بتحفظات حركة التوحيد والإصلاح خاصة مفهوم القداسة والمسؤولية على ممارسة السلطة.

أما جماعة العدل والإحسان فيرى الكاتب أنها تقوم على منهج التجنيد والتعبئة على شعار "الخلافة على منهاج النبوة"، ويصف المنظومة الفكرية لزعيمها عبد السلام ياسين بالغموض والتعقيد أحيانا، وبالتداخل بين مجموعة من الأفكار أحيانا أخرى، وذلك باعتماد أسلوب يمزج بين الوعظ والتعبئة والإقناع الفكري، وبين استخدام الحجة العقلية والإقناع بواسطة النص (القرآن والسنة) داخل لغة أدبية تخترقها تقنيات السجع والبلاغة واعتماد أسلوب السخرية، وذلك ما يجعل الباحث أمام صعوبات حقيقية.

ويحدثنا الكاتب عن أهم الأفكار المعروضة في وثيقة "ميثاق جماعة المسلمين" التي طرحتها جماعة العدل والإحسان، ومنها البيعة الشرعية والخلافة على منهاج النبوة.

النقاش المفتوح
يصل الكاتب في خاتمة بحثه إلى أن النقاش حول المسألة الدستورية في المغرب سيظل مفتوحا ما دام الاتفاق حول شكل الحكم والثوابت المؤطرة للدولة المغربية الحديثة حاصلا، إلا أن الخلاف ما زال قائما حول الأشكال المؤسساتية والآليات الدستورية.

ويعرف كل الفرقاء أن أهم معركة في الساحة السياسية المغربية هي معركة الدستور، معركة خرجت فيها الملكية منتصرة في جميع الجولات السابقة، والكل يقدم رجلا ويؤخر أخرى بخصوص الجولة القادمة، وكل فريق يدقق في الحسابات ويفكك المعادلات في انتظار الجولة الحاسمة.

المصدر : الجزيرة