عرض/ علاء بيومي
من الصعب على أي عرض -مهما بلغت كفاءته- أن يغني القارئ الجاد المهتم بفهم خصائص ونفوذ تيار المحافظين الجدد عن قراءة كتاب "ثورة المحافظين الجدد.. المثقفون اليهود وتشكيل السياسة العامة" الصادر في مايو/ أيار الماضي عن مطابع جامعة كامبريدج العريقة للناشط والمؤرخ اليهودي الأميركي موري فريدمان.

فالكتاب يختلف كثيرا عن غالبية الكتب المطروحة بالأسواق الأميركية عن المحافظين الجدد، وذلك لعدة أسباب، أولها أن مؤلف الكتاب –كما يذكر في مقدمة دراسته– متعاطف مع أفكار المحافظين الجدد ما يجعله مدفوعا لشرح أفكارهم وتاريخهم وتأثيرهم وإيضاحه كل ما سبق للقارئ بعكس الكتابات الأخرى الناقدة للمحافظين الجدد التي تنشغل بالنقد عن الفهم والشرح والتحليل.


- الكتاب: ثورة المحافظين الجدد.. المثقفون اليهود وتشكيل السياسة العامة
- المؤلف: موري فريدمان
- عدد الصفحات: 310
- الناشر: مطابع جامعة كامبردج (كامبردج يونيفيرستي برس)
- الطبعة: الأولى/ مايو 2005
السبب الثاني هو انتماء الكتاب لفئة المؤلفات المعنية بتتبع تاريخ الأفكار وتاريخ الحركات الفكرية والسياسية، فالكتاب يقدم المحافظين الجدد كحركة فكرية وسياسية ذات بصمة متميزة بدأت تتطور في أميركا على مدى النصف الثاني من القرن العشرين تطورا بطيئا هادئا متشابكا مع مختلف التطورات التي مر بها المجتمع الأميركي عبر تلك العقود.

لذا يخرج بنا الكتاب عن حيز الكتب المشغولة بالكشف عن مؤامرة المحافظين الجدد التي تحكي في غالبيتها قصة مجموعة (عصابة) صغيرة غامضة من المحافظين الجدد الأشرار الساعين لاختطاف سياسة الرئيس جورج دبليو بوش الخارجية من الداخل.

السبب الثال هو أنه في مقابل الرؤية السابقة يتحدث الكتاب عن تيار المحافظين الجدد كتيار يضم عشرات -وإن لم يكن مئات– المفكرين والمطبوعات والسياسيين المترابطين مع مختلف فئات وطبقات وأفكار المجتمع الأميركي الذين تحولوا إلى أفكار المحافظين الجدد تحولا طبيعيا نتيجة لأفكارهم وللظروف التي مر بها المجتمع الأميركي خلال القرن العشرين والتحدي الذي مثلته تلك الظروف لعقائدهم الفكرية.

فالكتاب يشعرك بأن أفكار المحافظين الجدد منتشرة في أوساط أعداد كبيرة من الأميركيين لارتباطها بأفكار وسياسات أميركية مركزية يصعب على أي قارئ رفضها كلها.

ومن ثم يجد القارئ نفسه -خلال قراءة هذا الكتاب– أمام سيل من الأفكار والشخصيات والأحداث والظروف المترابطة مع تيار المحافظين الجدد بشكل يجعل من قراءة الكتاب من الغلاف إلى الغلاف ضرورة لكي يتمكن القارئ من الوعي بالتفاصيل العديدة والهامة لقصة صعود المحافظين الجدد بالولايات المتحدة.

صراع على اليهود الأميركيين

"
نجاح اليهود الفكري والثقافي جعل منهم أقلية ثقافية متميزة خارج الأقلية البيضاء البروتستانتينية المسيطرة على مقاليد الثروة والحكم في أميركا، مما جعلهم في النهاية من قادة التحول نحو الليبرالية العلمانية "
نقطة انطلاق الكتاب هي نظرة المؤلف إلى تيار المحافظين الجدد على أنه صراع بين اليهود الليبراليين واليهود المحافظين على السيطرة على وجهة يهود أميركا الأيديولوجية، لذا يبرز فريدمان في مقدمة كتابه حقيقة أن غالبية اليهود الأميركيين ديمقراطيون ليبراليون، كما يبرز في المقابل حقيقة أن غالبية قيادات المحافظين الجدد هم من اليهود، ويتساءل حول مغزى ذلك على المستقبل الأيديولوجي لليهود الأميركيين.

وهنا يعبر فريدمان عن اعتقاده بأن التيار الليبرالي هو تيار دخيل نسبيا على اليهود الأميركيين، فهو يرى أن غالبية اليهود الأميركيين كانوا محافظين حتى عشرينيات القرن الماضي، وأن أول رئيس ديمقراطي يحصل على غالبية أصوات يهود أميركا كان ويدرو ويلسون في العام 1916، لذا يتهم فريدمان الباحثين الأميركيين بإهمال دراسة تاريخ الحركات اليمينية بشكل عام وتاريخ المحافظين اليهود بشكل خاص، حيث يرى فريدمان عبر كتابه أن هذا الإهمال نابع من سيطرة النخب الليبرالية على مؤسسات الفكر والثقافة في أميركا خلال العقود الأخيرة ما أضعف من قدرة هذه المؤسسات على تتبع تطور الفكر اليميني وحركته السياسية داخل المجتمع الأميركي.

ويقول فريدمان إن هجرة اليهود الأميركيين إلى الليبرالية في ثلاثينيات وأربعينيات القرن العشرين جاء نتاجا لتغيرات مجتمعية كبيرة مثل الكساد الكبير الذي أشعر المجتمع الأميركي عامة والمهاجرين اليهود خاصة بفشل الرأسمالية والسوق الحر والحاجة لتدخل الدولة، وحاجة اليهود الأميركيين للاندماج في المجتمع الأميركي حتى ولو جاء ذلك على حساب هويتهم الدينية ما جعلهم ينادون بالعلمانية ويهملون هويتهم اليهودية، هذا إضافة إلى صعود المفكرين والمثقفين اليهود بعد الحرب العالمية الثانية التي أعطتهم فرصة أكبر للاندماج في المجتمع الأميركي خاصة بعد هجرة عدد من أكبر مفكري وعلماء يهود ألمانيا وأوروبا للولايات المتحدة، حتى أصبحت نيويورك -مركز تجمع اليهود بأميركا- عاصمة أميركا والعالم الثقافية.

ويذكر فريدمان أن نجاح اليهود الفكري والثقافي وعدم اندماجهم الكامل في المجتمع جعل منهم أقلية ثقافية متميزة خارج الأقلية البيضاء البروتستانتينية المسيطرة على مقاليد الثروة والحكم في أميركا، وهو أمر زاد من اغتراب اليهود الأميركيين عن الهوية اليهودية سعيا نحو الاندماج في المجتمع الأميركي، ما جعلهم في النهاية من قادة التحول نحو الليبرالية العلمانية في الولايات المتحدة خاصة مع خشية اليهود من صعود اليمين في الولايات المتحدة بعد تجربتهم المريرة مع اليمين الأوروبي.

"
مساعي اليهود نحو الاندماج بأميركا دفعت بعضهم لرفض اغتراب المهاجرين اليهود عن أميركا ومطالبتهم بمزيد من الاندماج وتقدير أميركا وتقدير الحياة بها ورفض التقدير الذي تحمله بعض الفئات اليهودية للشيوعية وللاتحاد السوفياتي
"

بداية التحول نحو اليمين
ولكن كيف أمكن لبعض اليهود –في مثل هذه الظروف– التحول نحو اليمين؟

يقول فريدمان في هذا الأمر إن البداية كانت في الثلاثينيات من القرن العشرين مع صعود التيارات اليهودية المعادية للشيوعية، حيث يرى فريدمان أن مساعي اليهود نحو الاندماج بأميركا دفعت بعضهم لرفض اغتراب المهاجرين اليهود عن أميركا ومطالبتهم بمزيد من الاندماج وتقدير أميركا وتقدير الحياة بها ورفض التقدير الذي تحمله بعض الفئات اليهودية للشيوعية وللاتحاد السوفياتي.

فمجلة كومنتاري التي بدأت في الصدور عام 1945 عن اللجنة اليهودية الأميركية سعت إلى ربط المثقفين اليهود بعضهم ببعض، وطالبت المهاجرين اليهود بالتركيز على مزايا أميركا والتوقف عن النظر لأميركا على أنها منفى، حتى إن كومنتاري –كما يرى فريدمان– لم تنتقد جوزيف مكارثي بشكل كاف.

كما طالب مفكر مثل ليو ستراوس -الذي هاجر من ألمانيا هروبا من النازية واستقر في أميركا– بالتركيز على التراث الغربي والمسيحي ورفض الجماعات الغربية المعادية للحضارة الغربية، كما دعا لبناء أميركا كقوة عالمية كبرى تحارب الشر في العالم.

ولكن موري فريدمان يرى أن إرهاصات الحركات المحافظة في أوساط اليهود الأميركيين قبل خمسينيات القرن العشرين لم تكن قوية بما يكفي، فقد كانت ضعيفة ومنعزلة عن التيارات الفكرية السائدة بالمجتمع الأميركي بشكل عام وداخل اليهود الأميركيين بشكل خاص.

فترة التحولات الكبرى
في المقابل ساعدت الحركات الفكرية والسياسية الكبرى التي مر بها المجتمع الأميركي خلال عقدي الخمسينيات والستينيات من القرن العشرين على تشكيل بيئة خصبة لنمو أفكار المحافظين الجدد وتبلور تيارهم الفكري والسياسي، ومن أهم هذه التحولات ما يلي:

أولا: صعود اليسار الأميركي الجديد ونقده اللاذع لأميركا وللحياة الأميركية وثورته على المؤسسات التقليدية بالمجتمع الأميركي، وهو أمر رفضه المحافظون الجدد حيث رأوا أن رفض اليسار الجديد لأميركا هو موقف مبالغ فيه كما أنه يقوض المؤسسات التقليدية بالمجتمع الأميركي ما يضعف الروابط والضوابط الاجتماعية والثقافية داخله.

"
ساعدت الحركات الفكرية والسياسية الكبرى التي مر بها المجتمع الأميركي خلال عقدي الخمسينات والستينات من القرن العشرين على تشكيل بيئة خصبة لنمو أفكار المحافظين الجدد وتبلور تيارهم الفكري والسياسي
"
وهنا يرى فريدمان أن معاداة المحافظين الجدد لثقافة اليسار الأميركي الجديد ومواقفه الاجتماعية والأخلاقية كانت نقطة تلاق واضحة وهامة بين المحافظين الجدد والجماعات اليمينية المحافظة، وإن كان هذا التقارب لم يحدث سريعا بل وقع بمعدلات بطيئة وعلى فترة زمنية طويلة نظرا للشكوك والمخاوف العديدة التي امتلكها كل طرف تجاه الآخر.

ثانيا: مع أوائل الخمسينيات زاد إيمان الجيل الأول من المحافظين الجدد بمشاكل الشيوعية والاتحاد السوفياتي كما برزت في وحشية ستالين في التعامل مع الأقليات الدينية بالاتحاد السوفياتي بما في ذلك اليهود السوفيات، وتصعيد الاتحاد السوفياتي لصراعه مع الغرب، ما دفع المحافظين الجدد للربط بين الشيوعية والنازية.

وهنا يرى فريدمان أن تصاعد الحرب الباردة ساهم بشكل مباشر في نمو وتقوية تيار المحافظين الجدد، وذلك لأن العداء للشيوعية ورفض تقارب اليسار الأميركي منها كان يعد بمثابة أحد ركائز فكر المحافظين الجدد، ومع استمرار الحرب الباردة زاد شعور المحافظين الجدد برفض الشيوعية والاتحاد السوفياتي وزاد شعورهم بالسلبية تجاه موقف النخب الليبرالية الأميركية المتعاطفة مع الاتحاد السوفياتي والرافضة لتصعيد الحرب الباردة، وزادت رغبتهم في البحث عن حلفاء أميركيين جدد أكثر رغبة في مواجهة الخطر الشيوعي.

ثالثا: هزيمة اليمين الأميركي التقليدي خلال سلسلة انتخابات فيدرالية عبر الخمسينات وأوائل الستينات وظهور جيل جديد من الناشطين المحافظين وعلى رأسهم ويليام بكلي مؤسس ومحرر مجلة ناشيونال ريفيو، وهو جيل رفض الجماعات اليمينية العنصرية وسعى لتطوير الخطاب الرأسمالي الأميركي وتحديثه بشكل قرب بين المحافظين الجدد واليمين الأميركي الجديد مع دخول السبعينيات.

رابعا: ظهور ونمو المحافظين الجدد أنفسهم بمفكريهم ومطبوعاتهم وكتبهم وعلى رأسهم إيرفينج كريستول الذي يوصف بأنه الرب الروحي للمحافظين الجدد وبول بودهوريتز محرر مجلة كومنتاري والسيناتور هنري مونيهان، وغيرهم.

وهنا يرى المؤلف أن الصحافة الأميركية والمؤرخين الأميركيين لم يركزا بدرجة كافية على نمو التيار الأميركي المحافظ داخل الجامعات والمؤسسات الفكرية الأميركية، حيث يرى موري فريدمان أن بداية من منتصف الستينيات بدأ اليمين الأميركي المعدل والمحافظين الجدد في بناء شبكة واسعة من الجماعات الفكرية النشطة بالجامعات والمؤسسات البحثية الأميركية.

خامسا: امتلك المحافظون الجدد فلسفة اقتصادية واجتماعية متميزة ساعدتهم على التقرب من اليمين الأميركي على المستويات الاقتصادية والحقوقية والابتعاد عن اليسار على نفس المستويات، إذ رفض المحافظون الجدد عداء اليمين التقليدي للدولة ولكنهم رفضوا في نفس الوقت تدخل الدولة في الاقتصاد وفي برامج محاربة الفقر ودعم الفقراء ومكافحة التمييز، إذ رأي المحافظون الجدد أن مثل هذه البرامج يجب أن تكون مسئولية المجتمع ومسئولية النظام الرأسمالي الذي أيده المحافظون الجدد مبدين تقديرهم لمهارة وإبداع رجال الأعمال.

الديمقراطي تركهم وعثروا على ريجان

"
شعر المحافظون الجدد بأن الحزب الديمقراطي تركهم، بل شعروا بأن اليسار الأميركي الجديد يسير بالليبرالية الأميركية في الطريق الخطأ، لذا عندما عثر المحافظون الجدد على ريغان لم يجدوا صعوبة تذكر في مساندته والتصويت له والعمل في إدارته
"
يقول موري فريدمان أن عوامل الشد والجذب السابقة استمرت على مدى الخمسينات والستينات، وخلال هذه الفترة نظر غالبية المحافظين الجدد لأنفسهم على أنهم ليبراليون وإن لم يكن ديمقراطيين، وخلال السبعينات بدأت علاقة الحزب الديمقراطي واليسار الأميركي بالمحافظين الأميركيين تزداد توترا حتى انقطعت صلة الطرفين خلال حكم جيمي كارتر والذي تبنى أجندة اليسار الجديد وعارض فكرة التصعيد ضد السوفيت ورفض مطالب المحافظين الجدد بتوظيف بعضهم في إدارته.

لذا شعر المحافظون الجدد بأن الحزب الديمقراطي تركهم، بل شعروا بأن اليسار الأميركي الجديد يسير بالليبرالية الأميركية في الطريق الخطأ، لذا عندما عثر المحافظون الجدد على ريجان والذي أمن بفكرة التصعيد ضد السوفيت ورفض نقد اليسار لأميركا على المستوى الثقافي، لم يجد المحافظون الجدد صعوبة تذكر في مساندته والتصويت له والعمل في إدارته التي فتحت أبوابها أمامهم.

وبهذا نكون قد وصلنا لمرحلة تبلور المحافظين الجدد كتيار فكري سياسي ترك بصمة على الجدل السياسي الأميركي العام، وهي بصمة حرص موري فريدمان على شرحها وشرح جذورها ومعانيها وعلاقتها بالتطورات التي مر بها المجتمع الأميركي خلال القرن الماضي لدرجة شغلت فريدمان عن الاهتمام بدرجة كافية بشرح نفوذ المحافظين الجدد داخل حكومة جورج دبليو بوش وعلى سياسة أميركا الخارجية في الفترة الحالية.

المصدر : الجزيرة