عرض/ إبراهيم غرايبة
يظهر كتاب "الحرب على العراق" كيف أرغمت الحكومة البريطانية على وضع خطط طارئة، في ظل معارضة شعبية، بغية الامتناع عن المشاركة في الهجوم الأميركي، قبل أيام معدودة من موعد الحرب على العراق، ويعود ذلك إلى الحركات المناهضة للحرب.

ويتطرق الكتاب أيضا إلى الشائعات الرسمية وإلى سوء عرض الإعلام للأحداث، وتظهر وثائق الكتاب كيف أفشلت واشنطن جهود مفتشي الأمم المتحدة لنزع السلاح بسلام من العراق، وفي النهاية ضربت بهذه المساعي عرض الحائط، وقد كان المفتشون على مشارف مرحلة جديدة وحاسمة من التفتيش، ويجد المؤلف أخيرا أن هدف الحرب لم يكن نزع السلاح ولا تغيير النظام ولكن اكتساب مزيد من القوة.

- الكتاب: الحرب على العراق: نظام لم يتغير، لماذا لم تغير الحرب على العراق شيئا؟
- المؤلف: ميلان راي
- تعريب: زينة مشورب
- عدد الصفحات: 480
- الناشر: الحوار الثقافي، بيروت
- الطبعة: الأولى/ 2005

أهداف الحرب على العراق
في شهر أغسطس/ آب 2002، أجري استطلاع للرأي شديد الأهمية، عن مجلس شيكاغو للعلاقات الخارجية، وقد أظهرت نتائجه أن 20% من المواطنين الأميركيين، يؤيدون فكرة حرب تشنها الولايات المتحدة منفردة، وأن 65% منهم أيضا، قد رفضوا شن الحرب، دون موافقة الأمم المتحدة، بالإضافة إلى دعم الحلفاء.

وأظهر التقرير أن الشعب -عندما أجاب بعفوية- لم يُِِِِبدِ إلا القليل من القلق تجاه العراق، وذلك عندما سُئل عن المشكلات الضخمة التي تواجهها المنطقة.

واعتبر 3% تقريبا من المواطنين الأميركيين أن العراق وصدام يمثلان مشكلة ضخمة من مشكلتين أو ثلاث مشكلات تواجه الولايات المتحدة، وذلك عندما طلب منهم تحديد هذه المشكلة.

وأوضح استطلاع وطني للرأي، أجري في شهر يناير/ كانون الثاني 2003، بشأن مواقف الولايات المتحدة تجاه حرب العراق أن 83% يؤيدون اللجوء إلى الحرب في حال موافقة أهم حلفاء الولايات المتحدة، مع الدعم الكامل من مجلس الأمن في الأمم المتحدة، وتنخفض هذه النسبة إلى 47% في حال أيدّ الحرب حليفان مهمان للولايات المتحدة وفي ظل غياب الدعم من مجلس الأمن، وتنخفض نسبة المؤيدين أيضا إلى 34% في حال قرّرت واشنطن التحرك وحدها، وفي ظل غياب دعم الأمم المتحدة.

وأوضح استطلاع آخر للرأي العام، أجري في شهر مارس/ آذار 2003، أن 77% من الشعب الأميركي يقول: نحن بحاجة ماسّة إلى الدعم البريطاني في الحرب على العراق.

سيطر قلق جدي في البيت الأبيض يوم الثلاثاء 11 مارس/ آذار 2003 لفكرة أن توني بلير الحليف القوي من الممكن ألا يحتمل تلك الأزمة السياسية في منطقته. ولقد حاول وزير الدفاع جيف هون إيضاح تلك المشكلات لرمسفيلد - وزير الدفاع الأميركي- في مكالمة هاتفية هدفها التوقف عند أصغر تفصيل يتعلق بخطة الحرب.

ويمكن القول إن العد العكسي للحرب قد بدأ في 11 سبتمبر/ أيلول 2001 وفقا لأخبار الـ(CBS) وأن وزير الدفاع رونالد رمسفيلد كان يعمل في مكتبه في وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) بينما يبذل رجال الإطفاء جهدهم لمعالجة ما خلفه الهجوم على مبنى التجارة العالمي.

"
إخفاق الولايات المتحدة في تفادي عودة المفتشين من جديد في شهر نوفمبر/ تشرين الثاني 2002 جعل لها عددا من الأهداف، فقد احتاجت إلى خلافات بين بغداد وبين المفتشين وإدانة مطلقة لعدم التعاون العراقي في تقرير رسمي للمفتشين
"

دخل الرئيس بوش البيت الأبيض وهو مصمم على قراره بالتحرك عسكريا ضد صدام، وقد تطرق في خطابه إلى عدة أمور توضح تصميمه على إبعاد صدام حسين عن السلطة في العراق، ولم يكن ذلك مجرد كلام، ففي السادس عشر من شهر فبراير/ شباط 2002 استهدفت طائرات أميركية من نوع (B-16) وطائرات بريطانية من نوع تورنادو، مواقع حول العاصمة بغداد، هي أبعد من حدود مواقع حظر الطيران، التي أمرت بها الولايات المتحدة وبريطانيا في جنوب العراق وشماله، كما استهدفت طائرات حربية أميركية بصواريخ جديدة من نوع (AGM- 130) وهي مزودة بخمسة رادارات ومراكز تشغيل موجهة بالقمر الصناعي بعض المناطق في الشمال: الشمال الغربي من بغداد وجنوبها.

قال جورج بوش في خطابه الأول الموجه إلى الشعب، عن القصف: إن على صدام حسين أن يفهم أنّا ننتظر منه الامتثال للاتفاقية التي وقعها بعد خسارته في حرب الخليج 1990، وسوف نعزز مناطق حظر الطيران في الجنوب والشمال.

وأشار ضابط سابق في وكالة المخابرات المركزية الأميركية الـ(CIA) لم يعلن عن اسمه، بعد أيام من هجمات 11 سبتمبر/ أيلول، إلى ما يلي: "الحقيقة أن أسامة بن لادن لا يحب صدام حسين، فصدام المتجرد من أي اعتبار قتل من الرجال المسلمين أكثر من الأميركيين، فليس لديهما أي شيء مشترك، ما عدا كرههما للولايات المتحدة".

وقد ربط وزير الخارجية الأميركية كولن باول بين النظام البعثي، وبين شبكة القاعدة الأصولية بشبكة إرهابية متمركزة في شمال العراق، يرأسها شخص يدعى أبو مصعب الزرقاوي، ويعرف عنه تعاونه وتعامله مع أسامة بن لادن وقادة القاعدة.

ومع عرض العراق غير المشروط، بقبول المفتشين من جديد، والقبول غير المشروط للقرار 1441، فلا يمكن بعد الآن تفادي الخوف الذي طالما هيمن من عودة المفتشين.

إن إخفاق الولايات المتحدة في تفادي عودة المفتشين من جديد في شهر نوفمبر/ تشرين الثاني 2002، جعل لها عددا من الأهداف، فقد احتاجت إلى خلافات بين بغداد وبين المفتشين، وإدانة مطلقة لعدم التعاون العراقي في تقرير رسمي للمفتشين، وأهمها تعاون المفتشين للخروج من العراق.

في 17 مارس/ آذار 2003 أمر الرئيس بوش الرئيس العراقي وولديه بمغادرة العراق، وقال: إن القوات الأميركية ستدخل العراق، حتى لو غادر القادة الثلاثة للعراق.

السيد فليشر قال ردا على السؤال الذي طرحه المتحدث باسم البيت الأبيض، إذا كان بوش قد أعطى خيارا لصدام حسين بمغادرة البلد مساء الغد، فهذا يعني أننا لسنا مهتمين بالقبض عليه؟ فماذا عن الجرائم التي ارتكبها بحق شعبه؟ إذن لن نعرف شيئا عنها، ولن يسلم إلى العدالة أبدا؟ قال الرئيس إنه يتمنى رحيل صدام حسين، وأنه يعطيه الوقت للقيام بذلك.

وعند سؤاله عن إرادة الولايات المتحدة ملاحقة القائد العراقي لجرائمه، حاول السيد فليشر مجددا تفادي القضية قائلا: إنها مسألة تتعلق بالمجتمع الدولي.

نظام لم يتغير
إن قصة الحرب على العراق، هي قصة الأسرار المفتوحة، التي لا تحفظها الرقابة الرسمية، بل الرقابة الخاصة بالإعلام، ولقد شهدنا حتى الآن مجموعة من الفضائح الضخمة المخبأة، بما فيها تعثر عملية "المهام الأساسية لنزع السلاح"، ومحاولة إعادة النازية إلى العراق خلال الشهر الأول من التحرير.

ومنذ شهر تموز/ يوليو سنة 2002 وصاعدا، كان هنالك تيار تسريبات مادية فائقة الأهمية عن خطط الحرب الأميركية على العراق.

"
قصة الحرب على العراق هي قصة الأسرار المفتوحة التي لا تحفظها الرقابة الرسمية، بل الرقابة الخاصة بالإعلام، ولقد شهدنا حتى الآن مجموعة من الفضائح الضخمة المخبأة
"

وهذه التسريبات نفسها، كانت جزءا من إستراتيجية التحضير للانقلاب، ففي شهر نوفمبر/ تشرين الثاني 2002، أشارت صحيفة الأوبزرفر إلى أقوال للمحللين عن التسريبات المتكررة عن خطط الحرب، التي تقوم بها مصادر الدفاع الأميركية والبريطانية، وأنها تمثل جزءا من إستراتيجية معينة للضغط على صدام ومؤيديه داخل الجيش العراقي.

وبرغم الحديث المتعجرف، فإن مخطط القوات الحليفة، التي ستنزل إلى ساحة القتال في المدن، حيث ستتحمل الخسائر الهائلة، قد أرعب مخططي الحرب.

وتحت عنوان "الولايات المتحدة تسعى إلى تدبير أم الانقلابات"، نقلت صحيفة الفايننشال تايمز في شهر فبراير/ شباط 2003: إن حدوث انقلاب سيكون شبيها بالحل السحري لكثير من المنكوبين في مأساة العراق، برغم إصرار الإدارة الأميركية، على أن أحد أهدافها هو نثر بذور التغيير الديمقراطي في العراق.

وكانت عروض المنفى مشابهة لشكل من أشكال الرمز، لتشجيع حدوث انقلاب عسكري. وقبل النظر إلى خطة الحرب، من المستحسن أن نتذكر الشعلة الأولى للحرب، ومحاولة العدوان على صدام حسين وولديه في الليلة الأولى من الحرب.

لقد طرأ هذا التغيير في الدقيقة الأخيرة على الخطة، كما ادعت الـ(CIA) أنها تملك معلومات استخباراتية وافية عن كل ما يتعلق بالقائد العراقي (لم تتم استشارة السيد بلير على مايبدو- خلال فبراير/ شباط 2001). وقد صرّح بذلك الأدميرال الأميركي جون سيكلر فقال يقبع معنى الحرب مخفيّا داخل محاولة القتل هذه، التي استعملت فيها حملة (الصواريخ). كانت حربا (لتغيير القيادة) وليس (لتغيير النظام). كانت حربا (للقتل) وليس (للديمقراطية).

تعد الحرب النفسية على العراق حملة حرب نفسية تدميرية، أكثر من كونها حملة عسكرية شرعية بهدف الفتوحات، حيث أشار مايكل إيفانز محرر الدفاع في صحيفة التايمز إلى أنه (منذ انطلاق عملية الحرية العراقية فكل عمل عسكري استهدف ركائز القيادة العراقية.. كان الهدف المشترك توجيه الضغط الأعظم نحو بغداد، رغبة في إحداث بلبلة في القيادة، وتحطيم معنويات ما يدعى بقوات النخبة، التي تدافع عن صدام في العاصمة. إنهم يعلمون ما هو الآتي، وحجم الضغوطات عليهم يكبر في كل ساعة).

وفي فبراير/ شباط 2002، علقت صحيفة الفايننشال تايمز قائلة: "تقدّر واشنطن أن الوضع المتأزم في العراق سيغير ميزان القوى في الشرق الوسط تغييرا أساسيا، وبخاصة إذا ما أدى ذلك إلى نشوء كردستان المستقلة، أما تركيا الحليف الوفي للولايات المتحدة، فستفقد استقرارها بسبب أزمتها مع أقليتها الكردية الممتدة، ويمكن لإيران أن تستغل الأمر".

وقال السير جون موبيرلي الذي شغل منصب السفير البريطاني لدى العراق بين 1982- 1985: "بعد حرب ضخمة، سيكون هناك عدم استقرار في المنطقة، مما يجعل أمر استبدال صدام بصدام آخر، أمرا محتملا جدا، رجل آخر، عسكري وصلب". واعتبرت الولايات المتحدة "عدم الأستقرار" بمنزلة "الاستقلال"، وهو خطر حقيقي.

كان هناك حماس في عراق مابعد الحرب، كما في أوروبا ما بعد الحرب، لمعاقبة العملاء والمستبدين. وبرغم عودة الفاشية إلى السلطة، فقد مرّت قصة المقاومة الشعبية عند إعادة النازية إلى العراق، مرور الكرام في الإعلام الغربي.

ما بعد الحرب
وبالنظر عبر المثلث المشّوه للصحافة البريطانية، فما زال ممكنا التقاط إشارات الغضب العظيم، الذي انبثق من أعماق المجتمع العراقي بعد نتائج الحرب، وأحيانا -كما في حالة أطباء بغداد- بدا الاعتراض ناجحا، وعلى ما يبدو، فقد سبق ذلك اعتراض باكر وناجح، من أطباء في مدينة البصرة، على المحاولات البريطانية لإعادة مديري الطب المحليين من النظام السابق إلى مراكزهم السابقة، وقد أصبح شكل السيطرة الشيعية واضحا خارج حدود بغداد.

وخلال زيارة كربلاء أخبر مدرس من السكان أحد الصحفيين البريطانيين أن الأميركيين لم يحركوا ساكنا بعد رحيل البعثيين، لذلك بدأ رجال الدين إدارة الامور. نحن نتبع ما علمنا إياه القرآن الكريم، ولا نحتاج إلى غرباء يقولون لنا ما ينبغي علينا فعله.

وفي الأيام الاولى لتسلم الشيعة السلطة، صرّح المتحدث باسم البيت الأبيض آري فليشر: أن الولايات المتحدة لن تدعم نظام "دكتاتورية إسلامية"، لا يحترم الفروقات الدينية بين الناس، هذا النظام ليس عادلا، إنه دكتاتوري، ينقصه الانفتاح. إنه لا يخضع لقانون أو نظام أو شفافية، ثم أضاف السيد فليشر: أعتقد -أنه من البديهي- أن يكون هناك قائد مسلم، إنه بلد إسلامي. ولكن يختلف الأمر عندما توجد دكتاتورية إسلامية.

كان الحدث الأبرز هو المذبحة التي جرت في المدينة السنية الكبيرة -الفلوجة- التي تقع على بعد 35 ميلا من بغداد، في أواخر أبريل/ نيسان 2003. وفي داخل الأراضي الشمالية السنية في بغداد، التي تعرف بالمثلث السني، جرت عدة أحداث، شوهت العلاقة بين قوات الاحتلال الأميركية والسكان المحليين.



كان باستطاعة الولايات المتحدة وبريطانيا، دعوة الأمم المتحدة إلى تشكيل إدارة انتقالية لدعم الانتخابات المحلية وإقرار الدستور، وتمويل هذا البرنامج، ثم تبدآن سحب قواتهما مباشرة، مع بدء وصول قوات حفظ السلام الخاصة بالأمم المتحدة.

المصدر : الجزيرة