عرض/سكينة بوشلوح
المعركة التي تدور بين الدول الصناعية الكبرى وهيمنتها على الدول الفقيرة هي معركة السيطرة على الصورة بشتى أشكالها ومختلف معانيها، بدءا بالصورة التلفزيونية المباشرة عن طريق الأقمار الصناعية، وصولا إلى الصورة في مجال الإشهار وكتب الأطفال.
 

- الكتاب: سيميائية الصورة.. مغامرة سيميائية في أشهر الإرساليات البصرية في العالم
- المؤلف: قدور عبد الله ثاني
- عدد الصفحات: 403
- الناشر: دار الغرب للنشر والتوزيع، الجزائر
- الطبعة: الأولى2005
هذه المعركة ليست محايدة فهي تحمل أهدافًا ورسالة، فهل النخب العربية والإسلامية واعية بهذه المعركة وما يستتبعها من تحولات كبرى؟

بهذه المقدمة استهل الأستاذ قدور عبد الله ثاني أستاذ سيميولوجية الصورة بكلية علوم الإعلام والاتصال في جامعة وهران (الجزائر) دراسته بعنوان "سيميائية الصورة.. مغامرة سيميائية في أشهر الإرساليات البصرية في العالم"، وعزا سبب فقدان الصورة بلاغتها وسلطتها في مجتمعاتنا العربية والإسلامية إلى سيادة ما يسميه علماء الاتصال بالثقافة اللفظية أو الشفوية، رغم هيمنة الصورة على حياتنا المعاصرة وتوجيهها لأهم إستراتيجيات التواصل الإنساني.

مفهوم السيميولوجيا
تذكر المعاجم اللغوية أن السومة والسيمة والسيمى والسيماء والسيمياء تعني العلامة، ويعرف المعجم الوسيط علم السيمياء بأنه علم يبحث دلالة الإشارات في الحياة الاجتماعية وأَنظمتها اللغوية.

ويورد الباحث عدة تعريفات لهذا العلم، من بينها أنه "نظام الشبكة من العلامات النظمية المتسلسلة وفق قواعد لغوية متفق عليها في بيئة معينة"، أو "دراسة الأنماط والأنساق العلاماتية غير اللسانية"، أو "علم الإشارة الدالة مهما كان نوعها وأصلها"، وهو باختصار "علم خاص بالعلامات".

"
 المقاربة السيميولوجية تعد خطوة هامة في الكشف عن القيم الدلالية والعلامات لأن السيميولوجيا جاءت لتقريب العلوم الإنسانية من حقل العلوم التجريبية وإعادة المعنى غير المرئي للصورة والإنسان والتاريخ
"
يهدف علم السيمياء (السيميولوجيا) إلى دراسة المعنى الخفي لكل نظام علاماتي، فهو يدرس لغة الإنسان والحيوان وغيرها من العلامات غير اللسانية باعتبارها نسقا من العلامات، كعلامات المرور وأساليب العرض في واجهة المحلات التجارية والخرائط والرسوم البيانية والصور وغيرها.

فهو يدرس العلامات في كنف الحياة الاجتماعية، وقد يشكل فرعا من علم النفس الاجتماعي، ومن أبرز باحثيه ومؤسسيه دي سوسير وشارل بيرز.

وما يبرر مشروعية البحث السيميائي للرسالة البصرية ذلك الاكتساح الملفت الذي فرضته الصورة بتجلياتها وأشكالها المختلفة في حياتنا اليومية، فهي في البيت تدخله دون استئذان وفي الشارع والمؤسسة والأسواق.. والثقافات السائدة في المجتمعات تقوم بتطبيع البعد الرمزي والثقافي والأيديولوجي للصورة.

واللجوء إلى المقاربة السيميولوجية يعد خطوة هامة في الكشف عن القيم الدلالية والعلامات لأن السيميولوجيا جاءت لتقريب العلوم الإنسانية من حقل العلوم التجريبية -أي أنها رياضيات العلوم الاجتماعية والإنسانية- وإعادة المعنى غير المرئي للصورة والإنسان والتاريخ.

كما أن مجمل الدلالات التي تثيرها الرسالة البصرية ليست وليدة مادة تضمينية دالة ومعانٍ قارة ومثبتة في أشكالٍ لا تتغير، وإنما هي أبعاد أنثروبولوجية واجتماعية وفطرية إنسانية.

ولهذا فالألوان والأشكال والخطوط تتسرب إلى الصورة محمَّلة بدلالتها السابقة، فالأشكال الهندسية -مثل المربع أو المثلث أو المستطيل أو الزوايا- لها دلالات أخرى غير التشكيل الهندسي لفضاءات مقتطعة من كون لا حد له، فالمخاطب الثقافي هو الذي يحول الوجه والإيماءة والعضو إلى بؤرة لإنتاج الدلالات وتحديد أنماط استهلاكها.

منهجية التحليل السيميائي

"
القاعدة الأساسية التي يتبعها السيميائي تكمن في تركيب الصورة بدءا بشكلها وتنظيمها الداخلي والجمالي، ثم انتهاء باستخدام الألوان وعمق الصورة
"
يشير الباحث إلى أننا بحاجة إلى معارف كثيرة لإدراك كل الإيحاءات التي تثيرها صورة إيماءة عجلى أو نظرة متوسلة أو ابتسامة معلقة على شفاهٍ حزينة.

وإذا كان المستوى الأول من القراءة يرتبط بإدراك الرسالة البصرية في أبعادها الفنية والتشكيلية والتقنية وينحصر في التعامل مع ظاهرية الصورة في استقلالٍ عن فاعلها، فإن المستوى الثاني يرتبط بالتدليل أو التأويل، أي الحديث عن قيم دلالية تعد الصورة مهدا لها، أو تقديم الصورة من أجل التمثيل لقيمة ما.

وبالتالي فالقاعدة الأساسية التي يتبعها السيميائي تكمن في تركيب الصورة بدءا بشكلها وتنظيمها الداخلي والجمالي، ثم انتهاء باستخدام الألوان وعمق الصورة.

ويرى الأستاذ عبد الله ثاني أن افتراض منهجية متكاملة لتحليل الرسائل البصرية الثابتة بمختلف أنواعها (الصورة الفوتغرافية، اللوحة الفنية، الكاريكاتير، اللوحة الإشهارية، الشعار وغيرها) تبدو معقدة وصعبة وتتطلب من القارئ أن يكون مجهزا بترسانة من الأدوات الإجرائية التي تمكنه من اكتشاف خبايا الصورة الفوتغرافية -مثلا- من خلال المقارنة السيميولوجية الحديثة التي تتطلب البحث عن المدلولات الإيحائية للوصول إلى النسق الأيديولوجي الذي يتحكم في هذا النوع من العلامات.

ويضيف أن أحداث 11 سبتمبر/أيلول 2001 أعادت بعث الصورة والحدث معا من جديد، فالصورة استهلكت الحدث بامتصاصه ثم عرضه للاستهلاك، إذ إن انهيار برجي التجارة العالمية كان أمرا غير قابل للتصور. لكن هذا لا يكفي من أجل الحديث عن حدث واقعي من حيث تأثير وجاذبية الصورة لاحقا، حيث يقوم الإعلام بدور الدعاية ويتم توجيه الرأي العام باستثارة الحساسية الجمالية للمتلقي، وتنفجر أكبر ثورة للمعلومات عبر شبكات النقل الكوني للصور البصرية.

ومن الأمثلة على ذلك صورة سيناريو الانهيار العراقي التي سيذكرها الباحث فيما بعد كنموذج عملي يطبق فيه منهجيته في تحليل الرسائل البصرية.

والعمليات التكوينية للصور لا تخرج في جملتها عما يلي:

- الاختيار من الواقع المنظور.
- استخدام العناصر المشكلة للصورة.
- تركيبها في نسق منتظم ينتج دلالة ما.

من هنا اعتبر الباحث أن الصورة من الوجهة السيميولوجية باعتبارها علامة دالة تعتمد على منظومة ثلاثية من العلاقات بين الأطراف التالية:

- مادة التعبير وهي الألوان والخطوط والمسافات.
- أشكال التعبير وهي التكوينات التصويرية للأشياء والأشخاص.
- مضمون التعبير ويشمل المحتوى الثقافي للصورة من ناحية وأبنيتها الدلالية المشكلة لهذا المضمون من ناحية أخرى.

"
افتراض منهجية متكاملة لتحليل الرسائل البصرية الثابتة بمختلف أنواعها تبدو معقدة وصعبة وتتطلب من القارئ أن يكون مجهزا بترسانة من الأدوات الإجرائية
"
ويقترح الأستاذ عبد الله ثاني في ضوء دراسته لمناهج التحليل لدى متخصصين في علم السيمياء أمثال رولان بارث في بحثه "بلاغة الصورة"، ولوران جرفيرو في كتابه "انظر كيف نفهم تحليل الصورة"، والعالمين بيروتات وكوكيلا في كتابهما "دلالة الصورة".. يقترح شبكة تحليل للرسالة البصرية الثابتة تتلخص في ما يلي:

1. وصف الرسالة، ويتضمن:
- المرسل (مبدع الرسالة).
- الرسالة (نوعها وتاريخها).
- محاور الرسالة.

2. مقاربة نسقية، وتشمل:
- النسق من الأعلى (الرسالة البصرية).
- النسق من الأسفل (الدعاية).

3. مقاربة إيكونولوجية، وتشمل:
- المجال الثقافي والاجتماعي.
- مجال الإبداع الجمالي في الرسالة.

4. المقاربة السيميولوجية، وتشمل:
- مجال البلاغة الرمزية في الرسالة.
- المعنى التقريري الأول والمعنى التضميني الثاني (تفسير الرسالة البصرية).
- حوصلة وتقييم شخصي.

سقوط بغداد سيميائيا
خصص الباحث الباب الثالث والأخير من دراسته للجانب العملي إذ طبق شبكته المقترحة للتحليل السيميائي على نماذج عن أشهر الرسائل البصرية في العالم، فحلل صورة فوتغرافية لسقوط بغداد وهي ما سنعرضه في هذا المقال، وصورة استشهاد الطفل محمد جمال الدرّة، والصورة التي أبهرت العالم عن المجاعة في السودان التي التقطها المصور كيفن كارتر يوم 26 مارس/آذار 1993، ولوحة الموناليزا للرسام الإيطالي ليوناردو دافينشي، واللوحة الإشهارية للفيلم الصيني "البطل" (Hero)، وشعار قناة "الجزيرة" الفضائية.

وفي ما يلي ملخص التحليل السيميائي لصورة سقوط بغداد:

أولا- وصف الرسالة:
- المرسل: القناة الأميركية سي.أن.أن.
- الرسالة: عنوانها "سقوط بغداد".
- تاريخها: يوم 9 أبريل/نيسان 2003، وعرضت على مختلف القنوات والجرائد والمجلات العالمية وشبكة الإنترنت.
- نوع الرسالة: صورة فوتغرافية ذات بعد سياسي، وهي عبارة عن إطار مربع أفقي مساحته (17.5×15.6) سم2.
- محاور الرسالة: تحمل الصورة أربعة مشاهد هي:
الأول: جندي أميركي بزيه العسكري ينظر إلى تمثال الرئيس السابق صدام حسين.
الثاني: تمثال صدام وهو في حالة السقوط ومربوط بحبل استعمل لسحبه من الرأس.
الثالث: الأشخاص المتجمهرون أمام التمثال من فئات المجتمع العراقي.
الرابع: المسجد وبجانبه مجموعة من أشجار النخيل، وكل هذه العناصر جزء من ساحة الفردوس التي تتوسط العاصمة العراقية بغداد.

ثانيا- مقاربة نسقية:
أ. النسق من الأعلى (أسباب التقاط الصورة):
- التقطت هذه الصورة كإعلان عن سقوط بغداد واستعملت كدلالة قوية على سقوط النظام العراقي وقبول العراقيين للاحتلال الأميركي.
- مرسل الصورة قناة سي.أن.أن المعروف عنها أنها الدعامة الإعلامية للسياسة الأميركية.
- هدفها الترويج للسياسة الخارجية الأميركية وقرارات البيت الأبيض.

ب. النسق من الأسفل:
- البث: تم بث ونشر هذه الصورة في فترة التقاطها أي أثناء نهاية القصف الجوي على بغداد.

- التأثير: ويتمثل في الصدمة التي أحدثتها على مستوى الشارع العربي الذي لم يفهم موقف العراقيين الذين أسهموا في إسقاط تمثال صدام حسين.

ثالثا- مقاربة إيكونولوجية:
أ. المجال الثقافي والاجتماعي:
الهوية الفنية لهذه الرسالة تنتمي إلى الصورة الفوتغرافية الملونة، وقوة الصورة تتضح جليا في العناصر التي شملتها كالتمثال والمسجد والجمهور الغفير. والعنصران الأول والثاني يعكسان الحالة النفسية لملتقط الصورة وناشرها، وذلك نظرا لما كان يمثله عنصرا التمثال والمسجد والحالة التي آلا إليها.

ثم يقدم الباحث خلفية عن تاريخ العراق المعاصر ابتداء من حربي الخليج مرورا بالحصار الاقتصادي المفروض عليه وانتهاء بالحرب الأميركية على الإرهاب التي بدأت بغزو أفغانستان وإسقاط نظام طالبان ثم غزو العراق بدعوى امتلاكه أسلحة الدمار الشامل، مشيرا إلى أن الرئيس الأميركي جورج بوش استخدم تعبير "الحرب الصليبية" في وصفه الحرب على الإرهاب، ما عرضه لانتقادات غاضبة في أرجاء العالم الإسلامي.

ب. مجال الإبداع الجمالي في الرسالة، ويشمل:
- سنن الأشكال والألوان، إذ يمكن تقسيم الصورة بخط عمودي واحد: الجزء الأيسر خاص بالتمثال والمسجد، والجزء الأيمن خاص بالجندي الأميركي. وتتحقق الوحدة الجمالية في انسجام الألوان وترابطها، ما يساعد في قراءة واضحة للصورة.

- السنن التشكيلية، إذ التكوين الجيد هو الذي لا يشتت العين من خلال توازن العلامات التي تحتويها الصورة الفوتوغرافية وتكامل معانيها. وتشكيل الصورة (الجندي الأميركي ثم تمثال صدام وهو يسقط والأشخاص المتجمهرون أمام التمثال ثم المسجد) يوحي إلينا معنى تمكن قوات الاحتلال من دخول العراق وإسقاط نظامه باستخدام فئة من شعبه والدوس على كرامته ومقدساته.

"
المعركة التي تدور بين الدول الصناعية الكبرى وهيمنتها على الدول الفقيرة هي معركة السيطرة على الصورة بشتى أشكالها, فهل أصبحت النخب العربية والإسلامية واعية بهذه المعركة
"
رابعا- مقاربة سيميولوجية:
أ. مجال البلاغة والرمزية في الصورة، وتشمل:
1- العلامة البصرية التشكيلية وتفصيلها كالتالي:
- الجندي الأميركي علامة بصرية مشكلة لعامل القوة.

- سقوط تمثال صدام علامة إسقاط القوة المسيطرة وإذلالها.

- الجمهور المتعدد علامة بصرية مشكلة لمعنى ضم جميع فئات الشعب العراقي ورضاهم عن الاحتلال.

- المسجد علامة بصرية مشكّلة لأحد مقومات العراق العقائدية وركيزة من ركائز هويته الوطنية.

2. العلامة البصرية الإيقونية، إذ ضمت الصورة الفوتغرافية عدة أوجه بلاغية منها الكناية والمجاز.

3. وفي تقدير المؤلف وتقييمه الشخصي أن هذه الصورة ذات بعد إعلامي وسياسي أرادت بها الولايات المتحدة تبرير الاحتلال وتعويضه بمصطلح التحرير، ويرى أن ذلك لم يتحقق لعدة أسباب منها:

- لا يمكن حمل الديمقراطية إلى الشعوب على متن الدبابات والطائرات.
- لا يمكن تخليص العالم من أسلحة الدمار الشامل ثم استعمال نفس الأسلحة في إبادة الشعوب.
- كما أن هذه الصورة من حيث تأثيرها لا ترقى إلى صور المباني المهدمة والأشلاء المتناثرة من جراء القصف، أو صورة السوق الشعبي الذي دمرته قوات الاحتلال الأميركي.

بمثل هذه "المغامرة السيميائية" كما سماها في عنوان دراسته، يواصل الأستاذ قدور عبد الله ثاني تحليله لمختلف أشكال الرسالة البصرية الثابتة، ويبقى سؤاله المطروح في مقدمة الكتاب عن مدى الوعي العربي والإسلامي بخطورة معركة السيطرة على الصورة.. ينتظر الإجابة.

المصدر : الجزيرة