محمد المنشاوي
يأخذنا أنتوني شديد في كتابه "الليل يقترب" إلى رحلة مشوقة تجوب أرجاء العراق على أنغام أغنية عبد الحليم حافظ "سواح" التي ترددت ألحانها ونغماتها كثيرا هربا من ليل طويل لا ينجلي ونهار لا يبدو أنه يقترب.
 
ويقدم الكتاب نقدا لاذعا لفشل إدارة الرئيس جورج بوش في الإعداد بشكل دقيق لعراق ما بعد الاحتلال، وكذلك لخطواتها وحساباتها الخاطئة عقب الإطاحة بنظام صدام حسين.

- الكتاب: الليل يقترب!! الشعب العراقي في ظل الحرب الأميركية
- المؤلف: أنتوني شديد
- عدد الصفحات: 424
- الناشر:هنري هولت وشركاه - أميركا
- الطبعة: الأولى/2005
ويجيء حساب المؤلف موضوعيا، حيث أن مراسل صحيفة واشنطن بوست اختار ألا يبقى خلف الحواجز الأمنية الأميركية داخل المنطقة الخضراء ببغداد، ورفض أن يرافق إحدى الوحدات العسكرية المقاتلة كما فعل غالبية المراسلين الأميركيين.

فضل شديد أن يبقى مع مواطني الشعب العراقي، يتفاعل معهم مباشرة ويكتب عنهم وعن أحوالهم قبل وأثناء الغزو الأميركي مما أعطاه ميزات فريدة لم يتمتع بها غالبية الصحفيين الأميركيين.

وفي حين يركز الإعلام الأميركي على خسائر الولايات المتحدة في حربها في العراق من جنود وأموال.. ينقل لنا أنتوني شديد كما فعل في كتاباته السابقة وجها آخر من الصراع يركز فيه على حياة الشعب العراقي الذي طالما عانى من حكم صدام حسين ويعاني حاليا من تبعات الاحتلال وعدم الاستقرار في العراق.

جديد أنتوني شديد

"
يذكر المؤلف تواريخ الحوارات التي أجراها والأحداث التي عاصرها في العراق باليوم والساعة علاوة على درجة الحرارة كي يعطي للقارئ الأميركي إحساسا بلهيب الوضع هناك
"
قابل شديد الكثير من العراقيين الذين لم يكن لديهم أي شيء جيد يذكر عن فترة حكم صدام حسين، بينما كان لديهم الكثير ضد الوجود والممارسات الأميركية في العراق. ويذكر شديد الكثير من الحوارات التي كان قد أجراها مع عدد من أفراد الشعب العراقي.. فينقل عن صاحب محل اسمه محمد حياوي قوله "ماذا ستفعل معنا الآن الولايات المتحدة.. الأول كانت معاناتنا من صدام حسين والآن معاناتنا من أميركا".

ويتحدث شديد عن العراقيين قبل غزو الولايات المتحدة للعراق وعن تقاسيم وجوههم مع سماع صوت أزيز الطائرات وانفجار القنابل وصفارات الإنذار مع بدء المعارك، ويتحدث شديد عن تفاصيل ارتفاع أسعار الغذاء والبنزين وطول الطوابير، ورد فعل العراقيين عند رؤيتهم للضحايا وجثث القتلى في الشوارع.

ويذكر شديد تواريخ الحوارات التي أجراها والأحداث التي عاصرها باليوم والساعة علاوة على درجة الحرارة لكي يعطي للقارئ الأميركي إحساسا بلهيب الوضع في العراق خاصة مع غياب الخدمات الأساسية كالكهرباء بعد الغزو الأميركي للعراق.

نجح شديد في أن يخلق ثقة بينه وبين من يتحدث معهم من المواطنين العراقيين، فقد كان يخشى كما ذكر في مقابلة صحفية مؤخرا من الاتصال بمن سبق له أن قابله حتى لا يلفت له الأنظار أو يعرضه للخطر.. هذا على الرغم من استمراره في الاتصال بعائلة "كريمة" التي سنتحدث عنها فيما بعد.

كذلك يتعرض الكاتب لقصص إنسانية لبعض أفراد الجيش الأميركي العاديين، ذكر معظمهم أنهم في العراق تنفيذا للأوامر وحسب. وهناك حالة الجندي الأميركي تشارلز بولارد من ولاية بنسلفانيا الذي قال "أنا لا أثق في العراقيين، لا أحد منهم على الإطلاق.. أنا لا أريد أن أبني صداقات معهم، أريد فقط أن أعود لبيتي ووطني. وأنا هنا لتنفيذ الأوامر وحسب".

بغداد الجميلة التي كانت
يرى أنتوني شديد أن بغداد -التي تعرضت للغزو 15 مرة في تاريخها- أصبحت مدينة مختلفة. مدينة تواجه عاصفة منذ عدة سنوات، وتحتوي مشاعر متضاربة تجمعت معا: عواطف وحماسة وانتقام ويأس، بعد سنوات من الصمت والقيود. فمع سقوط نظام صدام حسين، بدأ مدنيون مسلحون في بغداد في كسر احتكار العنف الذي كانت تمارسه الحكومة في الماضي ثم القوات الأميركية حاليا.

كما أسرع آلاف من السكان لسرقة كل شيء من الشاحنات إلى الأنابيب النحاسية والأسلاك الكهربائية في المباني العامة. وتعرضت المستشفيات والمؤسسات العامة كذلك للنهب بالإضافة إلى الوزارات ومقار حزب البعث. وتركت هذه الخبرة المؤلمة أثارا سيئة على المدينة حتى يومنا هذا.

ويتعرض شديد كثيرا لمكانة وخصوصية بغداد عند العرب، ويكتب عن رد فعل الشارع العربي الذي تمثل في مظاهرات جامعة القاهرة "بالروح والدم نفديك يا بغداد". ويتحدث شديد أيضا عن صديقه المصري حمزة هنداوي مراسل وكالة أسوشيتد برس في بغداد عشية سقوط بغداد الذي قال "إن بغداد ليست الدوحة، ولا الرياض ولا هي حتى دبي.. بغداد في قلب العرب كل العرب مثل القاهرة ودمشق".

"
يرى المؤلف أنه مع حلم الأميركيين بعراق ينعم بالحرية والديمقراطية، يرى العراقيون ضرورة أن يحكم العراق بعدالة, والعدالة في نظرهم هي العدالة الإسلامية التي لا تتقاطع خطوطها مع الحرية الأميركية
"

حرية أميركية أم عدالة إسلامية؟
يري شديد أن مفهوم الحرية عند الأميركيين يتناقض ويتعارض مع مفهوم العدالة عند العراقيين. ويقول شديد إن إعلان الأمم المتحدة الرسمي في 22 مايو/ أيار 2003 الذي منح الولايات المتحدة وبريطانيا سلطة رسمية كقوى محتلة في العراق وفر إجابة للسؤال الذي طرحه العراقيون حول ما إذا كانت القوات الأميركية قوات احتلال أم قوات تحرير.

فمصطلح "احتلال" يستحضر في العقلية الأميركية ما تلا الحرب العالمية الثانية ورؤية تزعمتها الولايات المتحدة، تتعاون فيها مع شعوب مماثلة ويجمعها بهم مصير مشترك.

أما بالنسبة للعراقيين، وغالبية العرب، فتثير كلمة احتلال في وجدانهم ذكريات بغيضة للاحتلال البريطاني والفرنسي الذي جثم على صدورهم لعقود طويلة، وتذكرهم بسجل إسرائيل في منطقة الشرق الأوسط، واحتلال فلسطين، والاحتلال الإسرائيلي للجنوب للبنان.

ويرى شديد أنه مع حلم الأميركيين بعراق ينعم بالحرية والديمقراطية، يرى العراقيون ضرورة أن يحكم العراق بعدالة. والعدالة في نظرهم هي العدالة الإسلامية التي لا تتقاطع خطوطها مع الحرية الأميركية.

والإسلام يوفر بوتقة جيدة للمقاومين للاحتلال الأميركي، خاصة مع تزايد الأخطاء الأميركية في التعامل مع المحافظات السنية الغربية في العراق، (ذكر رمسفيلد وزير الدفاع الأميركي أن هؤلاء مجموعة من المجرمين والبعثيين السابقين.. في حين يراهم شديد أناسا يستخدمون ويستغلون لغة مقبولة من مواطنيهم مثل الاحتلال الأجنبي، والكفرة، والمسلمين والصليبيين، والشرق ضد الغرب، والإسلام وأعدائه). هذا في الوقت الذي يرى فيه الأميركيون عالما آخرا تماما.

ويقول شديد إن الأميركيين لا يفهمون رؤية العراقيين أنفسهم للوضع داخل بلدهم قبل الغزو العسكري. ويرى أن الكثيرين في واشنطن اعتقدوا أن العراق دولة بلا تاريخ ولا تراث ومن الممكن أن يتم بناء دولة جديدة حديثة على هذه البقعة من العالم بسهولة.

ولم يفهم الأميركيون أثر الحرب العراقية الإيرانية (أطول حروب القرن العشرين) على الشعب العراقي، لم يفهم الأميركيون عسكرة المجتمع في العراق نتيجة لتاريخ حروبهم المتتالية.

ويشرح شديد التباعد التام بين ثقافة العراق وجهل القوات الأميركية بهذه الثقافة، ويعدد حالات يدخل فيها الجنود الأميركيون بيوت العراقيين لتفتيشها، ويتم ذلك غالبا في غياب وجود رجل البيت.

ويطلب الجنود من النساء أن يروهم منازلهم ويتم التفتيش عن الأسلحة، ويقول شديد إنه وفي بعض الأحيان يتبول الجنود الأميركيون علنا في الشوارع أمام العراقيين.

عائلة كريمة ويوميات أمل
يرى شديد أن عائلة كريمة سالمان الفقيرة تمثل الوضع في العراق خلال الأعوام الثلاثة الماضية. وكريمة أرملة لديها ثمانية أطفال، وهي شيعية وتسكن في منطقة الكرادة. وتعكس حالة عائلة كريمة تجارب إنسانية متكررة في جميع أنحاء العراق للمعاناة والحلم والتحدي. كذلك تمثل رؤية كريمة -المرأة البسيطة- للحرب في العراق والعلاقات مع الولايات المتحدة نظرة الأغلبية الصامتة من العراقيين.

تقول كريمة لشديد "إن الحرب خسارة للجميع.. العراق يعاني وسيعاني أكثر وأكثر والحرب كلها بلا معنى" وتضيف كريمة "إن الجنود الذين سيدفع بهم في هذه الحرب هم غالبا في العشرينات من أعمارهم لا حول ولا قوة لهم". وتتساءل لماذا يجب أن يقتلوا؟ وتعود كريمة وتقول "لا أحد يكره الأميركيين، نحن على العكس نريد أن نعيش في سلام واستقرار. الأميركيون أيضا عندهم أمهات وعائلات، وكلنا مثل بعضنا ولدنا متساويين".

ويمضي شديد بتفصيل حياة عائلة كريمة، فتمثل أحدى بناتها "أمل" التي تبلغ من العمر 14 عاما أحد أركان الكتاب الهامة من خلال عرض شديد ليومياتها التي كتبتها منذ بدء الحرب وسردت فيها مشاعرها ورؤيتها للأحداث علاوة على خبراتها الجديدة المتمثلة في رؤية الجنود الأميركيين في شوارع بغداد والتعامل معهم أحيانا.

وتغيرت أوضاع عائلة كريمة مع مرور الوقت. فقبل عام واحد تمكنت كريمة أخيرا من العثور على عمل في فندق بالم مقابل 33 دولار شهريا. كما عثر "علي" الابن الأكبر لها والذي كان جنديا في السابق على عمل في مكتب للعقارات. ويعمل "علي" من الساعة التاسعة صباحا إلى السادسة مساء. ويكسب ما يقترب من دولار يوميا. أما محمد (20 سنة) فهو عاطل عن العمل منذ فترة طويلة. ويمضي معظم وقته يزرع الشوارع وتشك أسرته في قيامه بعمل غير شرعي.

ومحمود 11 سنة، يبيع مشروبات غازية في الشارع خلال الصيف. ولا يحصل على أكثر من دولارين في اليوم في أحسن الأحوال. ويذكر شديد أن تجربة محمود في الشارع في سنه الصغيرة منحته نضجا مبكرا.

"
يخطئ الأميركيون باعتقادهم أن الشرق الأوسط بأكمله يجمعه ثقافة واحدة. ويركز الأميركيون بصورة مخيفة على اللحظات الحالية في الشؤون الدولية, ولا يبالون كثيرا بحقائق التاريخ ولا بثوابت الجغرافيا
"

في الختام أمل.. وفشل لابد منه
يقول شديد "لم تكن هناك أبدا خطة حقيقية لعراق ما بعد صدام، ولم تكن هناك أبدا نظرة واقعية لما قد يحدث بعد السقوط. لقد كان هناك أمل تحول إلى أوهام قاتلة". ويرى شديد أنه مع وضع ثقة الأميركيين في العراقيين المنفيين أمثال أحمد الجلبي، افترض المسؤولون الأميركيون، بسذاجة، "أن كل شيء سيوضع في محله بعد رحيل صدام".

وكانت النتيجة أن عدداً قليلاً جدا من القوات قد أخذ على عاتقه مسؤولية تحقيق النصر، ثم تبعت ذلك عمليات السلب والنهب وانعدام القانون والفوضى. وحتى بعد شهور من سقوط صدام، كان لا يزال العديد من العراقيين يفتقدون الخدمات الأساسية لمعيشتهم مثل الكهرباء والماء، كما ازدادت الأسعار وزادت البطالة، وتحولت الحياة اليومية للعديد من الناس إلى حقل ألغام خطر.

ورغم ذلك، يرى شديد أن الانتخابات التي أجريت في يناير/ كانون الثاني 2005 كانت بارقة أمل. في هذا اليوم شعر سكان بغداد أنهم أنفسهم وسيلة التغيير وليس الأجنبي المحتل أو الحاكم الجائر، هم فقط الذين يختارون مصيرهم. كان ذلك شعورا جديدا، للمرة الأولى يشعر به الكاتب في العراق سواء قبل الغزو أو بعده.

كان العراقيون يريدون لأصواتهم أن تسمع، إلا أن هذا الإحساس كان قصيرا ولفترة محددة كما يرى الكاتب. وكانت عملية الانتخابات علامة تشير إلى رفض بعض العراقيين بعناد "تسليم بلادهم لقوى العنف والفوضى".

ولكنه يلاحظ أن "الانتقام باسم الدين، والتسلح المتنامي، والطائفية المتصلبة، والتعصب، كل هذا عاد إلى الساحة مرة ثانية عقب الانتخابات. ويذكر أنه كثيرا ما يندد بقوات الشرطة والأمن العراقي لتواطئها وخيانتها، وأن الناس الأكثر وعياً وموضوعية في المجتمع العراقي، يتوارون وراء بوابات من حديد أو يختارون المنفى".

يري شديد أنه ومنذ البداية، والحكومة الأميركية والجيش الأميركي والإعلام الأميركي جميعهم يعملون في العراق في إطار عام من الجهل بهذا البلد وخلفياته. غزت الولايات المتحدة العراق عمياء والآن تبحث عن مخرج مناسب للهروب من العراق.



ويخطئ الأميركيون باعتقادهم أن الشرق الأوسط بأكمله يجمعه ثقافة واحدة. ويركز الأميركيون بصورة مخيفة على اللحظات الحالية في الشؤون الدولية, ولا يبالون كثيرا بحقائق التاريخ ولا بثوابت الجغرافيا.

المصدر : الجزيرة