عرض/سكينة بوشلوح

تبارى الكتاب والباحثون في الحديث عن الحضارة الغربية والصراع القائم بينها وبين غيرها من الحضارات، في ظل نظام دولي جديد يحكمه الاعتقاد بأحقية الذات في الاستمرار ونفي وجود الآخر ومحاولة إبادته إن هو أكد بقاءه وحيويته.

 

هذا الكتاب يحاول من خلاله الأستاذ الجامعي الدكتور غيات بوفلجة تحليل الوضع العالمي وانعكاساته على الواقع المحلي والإقليمي من منظور عربي إسلامي، إذ يرى أن الأحداث السياسية التي طبعت العالم بعد أحداث 11 سبتمبر/أيلول 2001 كفيلة بإبطال المقولة التي مفادها أن عصر الحروب واحتلال الدول والصراع العقدي والحضاري قد ولى.

 

-العنوان: بين حضارة القوة وقوة الحضارة
-المؤلف: الدكتور غيات بوفلجة
-عدد الصفحات: 140
-الناشر: دار الغرب للنشر والتوزيع، وهران-الجزائر
-الطبعة: الأولى 2004

وما انطلاق حرب أميركا على "الإرهاب العالمي" من خلال حربها على حكومة طالبان في أفغانستان وغزو العراق للإطاحة بنظامه بالقوة رغم معارضة مجلس الأمن، إلا تأكيد على ذلك.

 

في قالب كلاسيكي ينتقل المؤلف بين أربعة أبواب تضم اثني عشر فصلا، فضلا عن المقدمة التي جاءت ممهدة لأهم مواضيع الكتاب ومؤكدة للمنهج الاستقرائي الذي حاول من خلاله استقراء الواقع المعاش بعيدا عن المراجع النظرية الأكاديمية والآراء الغربية.

 

المواجهات الحضارية

بداية تناول المؤلف ديناميكية التطور الحضاري من خلال طرحه أسئلة عدة تمثل محاولات الإجابة عنها محورا مهما من محاور الكتاب. وأهم هذه الأسئلة: ما مفهوم الحضارة؟ وما هي شروط ظهورها؟ وما هي عوامل ظهور الأقطاب؟ وما الذي ساهم في إسقاط الاتحاد السوفياتي وظهور العولمة؟

 

وبالنظر إلى مضمون هذه التساؤلات يقرر المؤلف أن مفهوم الحضارة واسع يشمل كل العادات والأعراف والحرف والفنون وطرق العمل والصناعات ومظاهر القوة السياسية والعسكرية، فهي نتاج اتحاد عوامل متعددة كالمعتقد الديني والموقع الإستراتيجي والظروف الاقتصادية والفلاحية الجيدة.

 

والحضارة الغربية المعاصرة حسب رأيه هي نتيجة لتطور المذهب البروتستانتي في أوروبا وتطور الفلسفات المادية وازدهار التقنية الحديثة بها، إذ ربط التطور العلمي بمدى قدرة الإنسان على الطبيعة وعلى أخيه الإنسان.

 

"
تجلت في العراق المواجهة بين الإنسان "التكنولوجي" والإنسان "الاستشهادي" وانكشف ما تدعيه أميركا من دفاعها عن الحرية والديمقراطية وما يعانيه المواطن العراقي ميدانيا من ظلم يهضم إنسانيته وكرامته "
أما الهيمنة الأميركية بعد تفكك الاتحاد السوفياتي فقد تحققت بفضل سيطرتها على كل وسائل وآليات القوة والنفوذ (الحلف الأطلسي، الأمم المتحدة، مجلس الأمن، المنظمة العالمية للتجارة..)، في الوقت الذي يظل فيه العالم الإسلامي رغم ضعفه من الجوانب العسكرية والاقتصادية والسياسية يمثل أمة لها فكر وعقيدة وثقافة متميزة ترفض الولاء لغير الله، وذلك ما ترفضه أميركا التي تريد أن تطبع العالم بنموذجها في الحياة، واعتماد العولمة واقتصاد السوق والديمقراطية الغربية. وهذا ما أدى بها إلى اتخاذ موقف معاد للمسلمين بسبب تمسكهم بعقيدتهم التي لم يتمكن الغرب من زحزحتهم عنها رغم قوته وضعفهم.

 

ومن هنا احتدم الصراع بين هاتين الحضارتين الغربية والإسلامية على جبهات عدة، منها الجبهة السياسية ويتم ذلك عبر مختلف هيئات الأمم المتحدة خاصة مجلس الأمن، والجبهة الاقتصادية حيث تعمل الولايات المتحدة على استغلال اقتصاديات الدول الإسلامية والهيمنة على خيراتها، والجبهة الثقافية إذ يتم من خلالها فرض القيم الغربية والعولمة الفكرية وإشاعة حرية المعتقد والإباحية وحرية الإعلام وفق نموذج أميركي جاهز التنفيذ.

 

وأخيرا الجبهة العسكرية وهي الجبهة المفتوحة على مصراعيها في فلسطين بدعمها التام لإسرائيل، وفي أفغانستان وسوريا وباكستان والعراق باعتماد سياسة "من ليس معنا فهو ضدنا".

 

ويؤكد الدكتور بوفلجة أن الحرب على العراق ما هي إلا حرب "صليبية مسيحية ضد الشرق الإسلامي" تم التخطيط والإعداد لها مسبقا. هذه الحرب رافقتها جملة من الاتهامات بالإرهاب ضد دول وأفراد وجمعيات تجمعها رابطة الإسلام.

 

ورغم أن الحرب الأميركية على العراق لم تنته بعد فإن نتائج تفاعلاتها الأولية بدأت في الظهور، فأميركا وجدت نفسها في مستنقع حروب العصابات الذي فضحها وأثبت فشلها من الناحية الإستراتيجية، وبهذا تجلت المواجهة بين الإنسان "التكنولوجي" و"الإنسان الاستشهادي" وانكشف واقع ما تدعيه أميركا من دفاعها عن الحرية والديمقراطية وما يعانيه المواطن العراقي ميدانيا من ظلم يهضم إنسانيته وكرامته وحقوقه الأساسية.

 

إمكانية التفاعل الحضاري

في هذا الإطار يدعو المؤلف إلى ضرورة التعاون بين دول الشمال والجنوب لغرض تدعيم السلم والتسامح ابتداء بتخلي دول الشمال عن روح الاستعلاء ونظرة العداء تجاه أبناء المستعمرات القديمة وفتح مجال التعاون الاقتصادي والثقافي بينهما.

 

كما ينبه إلى ضرورة تعزيز المنظومة التربوية بالقيم الإنسانية التي توجه الأجيال الصاعدة نحو الحوار وحسن الاستماع للآخر واحترامه والقبول بالاختلاف الحضاري والتمايز الثقافي، وهو في ذلك لم يميز بين الدول الغربية والدول الإسلامية لأن الوقوف في وجه العولمة الأميركية لا يمكن أن تحققه الدول الأوروبية بمفردها، إذ لابد لها من دعم إستراتيجي واقتصادي وبشري، وهو ما يمكن العثور عليه في دول جنوب البحر المتوسط المتمثلة في الدول العربية.

 

وبناء على ذلك يرى صاحب الكتاب أنه يمكن إنشاء قوة متوسطية يحسب لها حساب بإمكانها أن تفرض على أميركا احترام حقوق الشعوب ومميزاتهم ومعتقداتهم، فتكون –أي هذه القوة- الضمانة من أجل الرخاء ونشر الأمن والوئام بين شعوب وحضارات البحر المتوسط.

 

المقاومة نتيجة حتمية

يعود المؤلف إلى الحديث عن الرغبة الأميركية في الهيمنة على العالم والعالم الإسلامي ليؤكد هذه المرة محورية القضية بالنسبة لكل المسلمين التي تجسدها قضية فلسطين، فوقوف أميركا إلى جانب إسرائيل ومدها بأسباب القوة يعد أهم عامل في توليد الشعور بالألم والحسرة والإهانة والظلم.

 

وتعزز هذا الشعور وتغذيه تلك المحن التي تعرفها الدول الإسلامية كالاعتداءات العسكرية على الإسلام، والحروب السياسية في المحافل الدولية، والحروب الاقتصادية، والممارسات اليومية والتصريحات التي يصدرها الكثير من الساسة والقادة الغربيين، والمضايقات ضد المسلمات المتحجبات في مجتمعات تدعي الديمقراطية. وهي تصرفات يتابعها المسلمون في كل أنحاء العالم ويشعرون أنهم مستهدفون بها بسبب أو بدونه، بل ويقتلون ويصادر مستقبلهم السياسي باسم الديمقراطية.

 

"
هناك صراع في المفاهيم والمصطلحات تغذيه وسائل الإعلام خاصة الأميركية، فيتصارع مفهوم التحرير مع مفهوم الاحتلال، والديمقراطية مع الشورى، والاستعمار مع الاستدمار
"
وهكذا يكون سخط المواطن المسلم مزدوجا على مقترفي الأحداث من جهة، ومن جهة أخرى على حكام الدول العربية والإسلامية الذين هم دون مستوى هذه الأحداث، والذين يمتنعون عن الشجب العلني الصريح ويمنعون المواطنين عادة من التعبير عن سخطهم وعدم رضاهم عن الأوضاع بدعوى حالات الطوارئ السائدة في غالبية الدول العربية والإسلامية، ومن ثم تصبح المقاومة رد فعل طبيعيا لما قد يتراكم في نفس المسلم من مثل هذا الشعور.

 

وبما أن الإسلام مجّد المقاومة والجهاد ورفع من مكانة الشهيد والشهادة فإن ثقافة المقاومة في المجتمعات الإسلامية ثقافة راسخة رسوخ العقيدة فيها، ورغم ضعف الإمكانيات المادية فإن المقاومة تتميز بالاستمرارية وحتمية النصر في النهاية.

 

ومن هذا المنطلق يمكن التفريق بين أن تهزم عدوك بالقوة، وبين أن تمتلك عناصر المقاومة وتهزمه بقوة البقاء والتحمل. كما أن استمرار الحضارة الإسلامية أكثر من خمسة عشر قرنا وبقاءها في وقت ظهرت فيه حضارات أخرى واندثرت، دليل على قوة هذه الحضارة وحركية هذه الأمة.

 

ويرى المؤلف أن هناك صراعا في استعمال مفاهيم الإرهاب والمقاومة والجهاد تغذيه وسائل الإعلام، خاصة تلك التي تهيمن عليها أميركا رغبة منها في الدفاع عن سمعتها بعد الذي حدث في أفغانستان والعراق، وهو ما يؤدي إلى حرب المصطلحات فيتصارع -حسب المؤلف- مفهوم القتل والانتحار والاستشهاد، كما يتصارع مفهوم التحرير مع مفهوم الاحتلال، ومفهوم الديمقراطية مع مفهوم الشورى، ومفهوم الاستعمار مع مفهوم الاستدمار، ومفهوم النصر مع مفهوم الهزيمة.

 

الدور الحضاري للجاليات المسلمة

اعتبر المؤلف الوجود الإسلامي في الغرب عنصرا أساسيا في حسابات التفاعل من تعايش وصراع حضارتين بين المسيحية واللائكية واليهودية من جهة والإسلام من جهة أخرى.

 

وقد أدى هذا الوجود إلى بروز مجموعة من الظواهر المستحدثة كتزايد عدد المساجد والمراكز الإسلامية والجمعيات الخيرية والمدنية التي حقق بعضها نجاحات كبيرة، حيث وصلت مصداقيتها إلى مستوى الجمعيات الدولية غير الحكومية.

 

وعن طريق التزاوج والاحتكاك اعتنق كثير من الغربيين الإسلام، وبهذا فتحت جبهة جديدة في التفاعل الحضاري بقيادة الجاليات المسلمة في الدول الغربية.

 

"
الجاليات الموجودة في الغرب تشكل أحد أبواب الانبعاث الحضاري للإسلام في ظل التطور العلمي والتكنولوجي الذي يشهده الغرب
"
ومن هنا يرى المؤلف أن هذه الجاليات تشكل أحد أبواب الانبعاث الحضاري للإسلام في ظل التطور العلمي والتكنولوجي الذي يشهده الغرب، غير أن هذا الباب تعتريه صعوبات مهمة أبرزها وأخطرها التهمة بالإرهاب.

 

ولكن الملاحظ في هذه النقطة بالذات إغفال المؤلف دور الدول والحكومات الإسلامية في الدفاع عن رعاياها إن هي فعلا أخذت دور المدافع.

 

ومن ثم تطرح التساؤلات التالية نفسها: هل ساهمت الحكومات في التعايش الحضاري من خلال وجود مواطنيها في الدول الغربية؟ ثم في ظل هذه الظروف المشار إليها هل يمكن الحديث عن التعايش في جانبه الإيجابي أم في جانبه السلبي؟

 

المستقبل الحضاري للإسلام

قبل أن يختم كتابه بتقديم رؤيته للمستقبل الحضاري للإسلام، يتحدث الدكتور بوفلجة -وبأسلوب مغاير لأسلوب الفصول السابقة- عن عوائق انتشار الديمقراطية في الوطن العربي، إذ صنفها في ثلاثة أنواع: أولها على المستوى الداخلي ويتمثل في انتشار الأمية والمشاكل الاقتصادية وعدم استقرار الأمن، وثانيها على المستوى الخارجي ويتمثل في الضغوط الأجنبية والتهديدات العسكرية.

 

أما النوع الثالث -وهو في نظر المؤلف أهم أنواع هذه العوائق- فيتجلى في رفض ممارسة الديمقراطية إما رفضا صريحا وهو موقف الإسلاميين "المتشددين"، أو رفضا خفيا وهو موقف الحكام السياسيين رغم تشدقهم بالديمقراطية لمجرد الاستهلاك الإعلامي.

 

ومن هنا تكون الأنظمة العربية فشلت في تحقيق تطلعات مواطنيها، مما أدى إلى ظهور مظاهر الإحباط والتذمر، ووصل الأمر في كثير من الأحيان إلى العنف والانتفاضة الشعبية والمعارضة السياسية.

 

وحتى يمكن نشر الديمقراطية يرى المؤلف وجوب اتخاذ إجراءات الإصلاح على مختلف الأصعدة والمجالات، كتوفير الشروط الملائمة للتطبيق وذلك بوضع قوانين واضحة للتداول على السلطة والسهر على سيولة الإعلام والاتصال وضمان حرية التعبير والمعتقد وتعميم الممارسات الديمقراطية في المجتمع.

 

خاتمة الكتاب ضمنها المؤلف رؤيته للمستقبل الحضاري للإسلام إذ يتوقع انتعاشا فعالا للدول الإسلامية لاعتبارات عدة أهمها القوة الكامنة في الإسلام التي لا يمكن ترويضها أو محوها، ثم الإمكانيات الاقتصادية من مواد خام وأموال وأراض خصبة وصناعات، وهذه -إن أحسن استغلالها- تشكل مصدرا مهما وفعالا في هذا الانتعاش.

 

"
لا بد من إيجاد منظومة تربوية فعالة تهدف إلى تكوين أفراد يؤمنون بالجد والعمل وتمدهم بقيم وعادات سليمة ومهارات علمية متطورة في مختلف المجالات
"
أما الإمكانيات البشرية فهي في نظره أكثر ما يخيف أعداء الإسلام، خاصة لما قد يحمله هذا الكم البشري الهائل من كفاءات وكوادر يمكن أن تبدع وتنجز إذا ما توفرت لها ظروف الإبداع والإنجاز، وهنا يذكر أن الشعور بالظلم كفيل بتفجير قوة قادرة على المواجهة والتحدي.

 

في المقابل ينبه المؤلف إلى وجوب بذل الجهد لأجل التمسك بالبعد العقدي في كل المجالات، فالعقيدة هي التي "حافظت على ما بقي من استقلالنا وتميزنا وهي مصدر قوتنا وعزتنا". وتمثل استقامة البعد التربوي أهم عامل تجب مراعاته لأجل تدعيم الحفاظ على البعد العقدي، وذلك بإيجاد منظومة تربوية فعالة تهدف إلى تكوين أفراد يؤمنون بالجد والعمل وتمدهم بقيم وعادات سليمة ومهارات علمية متطورة في مختلف المجالات.

 

ولأجل مواجهة واقع لا يرحم وتحديات دولية لا مكان فيها للضعفاء، يدعو الدكتور بوفلجة إلى اعتماد سياسة التكتل والتعاون، لأنه ربما لن يجد العرب والمسلمون خيرا من تضامنهم للحاق بركب الحضارة ومحاولة التأثير في إعادة صياغة النظام العالمي بما يخدم مبادئهم ومصالح شعوبهم.

المصدر : غير معروف