عرض/ إبراهيم غرايبة
وجد المسلمون في البلقان أنفسهم عام 1878 أقلية مسلمة في دولة مسيحية بعدما كانوا جزءا من الدولة الإسلامية العثمانية الممتدة، وفي عام 1918 وجدوا أنفسهم جزءا من يوغسلافيا، الدولة الجديدة حتى خرجوا منها بثمن باهظ عام 1992، ولكنها تجربة فريدة وخاصة تستحق الدراسة، بدأت تسمى مؤخرا بـ "الإسلام الأوروبي".
 

- اسم الكتاب: الحكومة الإلكترونية





- اسم الكتاب: من دار الإسلام إلى الوطن ومن الوطنية إلى القومية (حالة البوسنة)
- المؤلف: محمد الأرناؤوط
-عدد الصفحات: 134
- الطبعة: الأولى 2004م

-الناشر:
الدار العربية للعلوم,
بيروت

من دار الإسلام إلى الوطن ومن العثمانية إلى الوطنية
تحولت البوسنة إلى جزء من الإمبراطورية النمساوية عام 1878 بعد عدة قرون من التبعية إلى الدولة العثمانية، والواقع أنه قبل ذلك بعقود عدة بدأت تتبلور القومية البوسنية، حتى أن البشانقة دخلوا في حرب مع السلطنة العثمانية من أجل الاستقلال في عام 1831، ثم تخلت الدولة العثمانية عن البوسنة بعد هزيمتها أمام روسيا، وبدأت البوسنة منذ ذلك التاريخ تتأورب، وبدأت في عام 1884 تصدر صحفا باللغة البوسنية، وبدأت اللغة التركية بالانحسار، وبدأت الهوية البوسنية تتأكد، وبخاصة في وجه موجة الهجرة الإسلامية التي كان يدعو إليها بعض البوسنة.
 
ويعتبر محمد بك قبطانوفيتش أفضل من يعبر عن تلك المرحلة في تاريخ البوسنة، فقد حاول من خلال موقعه السياسي والإداري والثقافي والأدبي في البوسنة أن يجمع بين الثقافة الإسلامية وبين الثقافة الأوروبية، وهي المحاولة التي انتجت القومية البوسنية أو البشنقة.
 
ولد قبطانوفيتش عام 1839 في أثناء الحكم العثماني، وعايش أيضا الانتقال إلى الحكم النمساوي، وقد عمل في الإدارة العثمانية قاضيا ونائبا في البرلمان، وكان من رواد الإصلاح في الدولة العثمانية، وبعد الحكم النمساوي عين مستشارا للحاكم المحلي في البوسنة ورئيسا لمجلس مدينة سيراييفو إلى أن توفي عام 1902.
 
ويبدو أن الرحلة الطويلة التي قام بها قبطانوفيتش عام 1869، وشملت الشرق والغرب جعلته يفكر في واقع المسلمين وتقدم الغرب، ويقارن بين النموذجين العثماني/ الشرقي، والنمساوي/ الغربي، ويبلور أفكاره الداعية إلى الإصلاح والمؤيدة للنمسا، ولم يخف ميوله نحو النمسا حتى وهو نائب في البرلمان العثماني.
 
وبدأ ينشأ جيل جديد في البوسنة منفتح على الثقافة الغربية، يعبر عنه كتاب قبطانوفيتش "بماذا يفكر المسلمون في البوسنة" الذي صدر عام 1886، وازدهرت الصحافة والترجمة، وبدأ الحديث عن الروابط الثقافية والمكانية بين المسلمين والمسيحيين السلاف في البوسنة باعتبارهم يتحدثون لغة واحدة، ولهم ثقافة واحدة وأرض واحدة، وربما يكون قبطانوفيتش أول مثقف مسلم يجعل الدين في المقام الثاني بعد الرابطة القومية.
 
وأصدر قبطانوفيتش عام 1893 كتاب "مستقبل أو تقدم المسلمين في البوسنة والهرسك"، وفيه يقدم خطابا قوميا للمسلمين وغير المسلمين في البوسنة، وأصدر في صيف عام 1891 مجلة البشناقي التي كانت المنبر الصحفي المروج لأفكاره وغيره من ممثلي الجيل الجديد للمثقفين المسلمين حول القومية البوسنية/ البشنقية.
 
الخيار اليوغسلافي للمسلمين في البوسنة
"
عقب الاحتلال النمساوي للبوسنة أصبح أمام المسلمين ثلاثة خيارات تتعلق بمستقبلهم, الخيار العثماني, والخيار النمساوي المجري, والخيار اليوغسلافي ومع نهاية الحرب العالمية الأولى ترجح الخيار الأخير
"
أظهرت المجريات والأحداث التي أعقبت الاحتلال النمساوي للبوسنة عام 1878 ثلاثة خيارات لدى النخب التقليدية/ الحديثة للمسلمين في البوسنة فيما يتعلق بواقع ومستقبل وجودهم.
 
الخيار العثماني الذي كانت تفضله النخبة التقليدية من العلماء، مثل المفتي علي جابيتش. الخيار النمساوي/ المجري، والذي كانت تفضله النخبة المتعلمة من الجيل الجديد، مثل محمد بك قبطانوفيتش. الخيار اليوغسلافي الذي فرضته التطورات الإقليمية والدولية، وأبرز ممثليه هو محمد سباهو.
 
ومع نهاية الحرب العالمية الأولى ترجح الخيار اليوغسلافي، فقد خسرت الدولة العثمانية جميع أراضيها في أوروبا، ولم يتبق لها سوى جيب صغير حول إسطنبول، وتوسعت دولتا الصرب والجبل الأسود، وتعرض وجود المسلمين في البلقان إلى تخلخل كبير، فقد تعرضوا للقتل والتهجير والتنصير.
 
وكانت المنطقة السلافية برمتها تمور في خلافات واتجاهات عدة أدت إلى اندلاع الحرب العالمية الأولى، عندما اغتيل ولي عهد النمسا عام 1914، وتمخضت هذه الحرب عن قيام الدولة اليوغسلافية التي تجاهلت المسلمين، واعتبرتهم وكأنهم غير موجودين.
 
لقد حملت تشكيلة الدولة اليوغسلافية في أحشائها الأزمة والكارثة التي حلت بالمسلمين في البوسنة عام 1992، فقد وجد البوسنويون أنفسهم في محيط غالب مختلف عنهم ثقافيا وقوميا ولغويا، ولا يشكلون في هذا الكيان سوى 11%، ودفعت البوسنة ثمن انتهاء الإمبراطورية النمساوية، وظل البوسنويون في معاناة طويلة مستمرة.
 
وفي هذه الظروف تشكل تيار بوسني جديد ذو اتجاه يوغسلافي أخذ مكان الاتجاه الصربي الذي كان غالبا والاتجاه العثماني، وكان من رواد هذا الاتجاه مجموعة من المثقفين البوسنيين، مثل محمد سباهو، وخالد هرسنيستا، ومصطفى دينشيتش، ومحمد رتشفيتش، وضياء رضا أفنديتش، وحفظي مفتيتش، ولأن البوسنة تتكون من ثلاث قوميات صربية وكرواتية والمسلمين فقد آلت حكومة البوسنة إلى أغلبية صربية وكرواتية، ولكن هذه الدولة اندمجت بعد فترة وجيزة مع صربيا، وبعد أسابيع قليلة من هذا الاندماج تعرض المسلمون إلى مذبحة كبيرة على يد الصرب الأرثوذكس.
 
الإسلامية والقومية في البوسنة
يعتبر إسماعيل بالتيش (1920- 2002) من الشخصيات البوسنية المخضرمة في القرن العشرين التي جمعت ما بين الثقافة المحلية البوسنية والأكاديمية الأوروبية والثقافة الإسلامية نظرا لظروف دراسته وحياته في الغرب وجولاته في العالم الإسلامي، مما يمكن اعتباره من الباحثين والمفكرين المتميزين فيما يتعلق بالبوسنة وثقافة المسلمين فيها وتراث المسلمين في أوروبا من القرون الوسطى إلى التحديات التي تواجه الإسلام والمسلمين في السنوات الأولى من القرن الحادي والعشرين.
 
"
يعتبر إسماعيل بالتيش من الباحثين والمفكرين المتميزين فيما يتعلق بالبوسنة وثقافة المسلمين فيها وتراث المسلمين في أوروبا من القرون الوسطى إلى التحديات التي تواجه المسلمين في السنوات الأولى من القرن 21
"
ولد بالتيش بعد سنتين من انتهاء الحكم النمساوي في البوسنة في موستار ذات الأغلبية الكرواتية الكاثوليكية، وبعد وصول الحزب الشيوعي إلى الحكم في يوغسلافيا عام 1945 فضل الهجرة إلى النمسا، واكتسب جنسيتها.
 
كان باليتش بحكم نشأته ميالا إلى الكروات ضد الصرب، ثم تخلى عن الكروتة إلى البشنقة منذ منتصف الخمسينات متأثرا بالقائد البوسني عادل ذو الفقار باشيتش، وأصدرا معا عام 1955 مجلة وجهة نظر بوسنية.
 
وبدأت فكرة البشنقة بالتبلور بعد رحلة طويلة من العثمانية والنمساوية واليوغسلافية والصربية والكرواتية لتعبر عن نفسها كلية إثنية مستقلة لا تعني الأسلمة، فالإسلام هو دين البوسنيين ومصدر لثقافتهم لكن البوسنة في الأساس قومية ولغة ومكان.
 
وقد كان كتابه "ثقافة البشانقة" الذي صدر عام 1973 من أهم الكتب وأكثرها انتشارا في البوسنة برغم الحظر الشيوعي عليه وتأسيسا للثقافة والقومية البوسنية، وعاد باليتش للمرة الأولى إلى البوسنة عام 1990 للمشاركة في مؤتمر عقد في سراييفو، وقدم فيه ورقة بعنوان "البشنقة في تراث الشرق/ القرون الوسطي".
 
ويعتبر عادل ذو الفقار باشيتش منظر القومية البوسنية الحديثة، وقد بدأ حياته السياسية في صفوف الحزب الشيوعي اليوغسلافي، ولكنه وجد نفسه بسرعة في حالة انشقاق مع الحزب الشيوعي، عندما حاول أن يواجه الانحياز الصربي في الحزب الشيوعي اليوغسلافي، ليهرب عبر الحدود عام 1946، وبدأ العمل في المهجر لأجل فكرة ومشروع البشنقة.
 
وعندما اعترف الحزب الشيوعي اليوغسلافي عام 1963 بالمسلمين في البوسنة باعتبارهم شعبا مستقلا من الشعوب اليوغسلافية عارض باشيتش الفكرة قائلا إن البوسنية لا تقتصر على المسلمين، لكنها تشمل جميع أبناء البوسنة، وهي المنطقة الممتدة حول نهر البوسنة، والذي اشتق اسم البلاد منه، مثل الدولة الأردنية التي استمدت تسميتها من نهر الأردن.
 
وفي عام 1990 أنشأ مع علي عزت بيغوفيتش برغم الخلاف بينهما "حزب العمل الديمقراطي" لكنهما افترقا بسرعة بسبب النزعة الدينية الإسلامية لبيغوفيتش والتي لا تتفق مع الاتجاهات والميول الليبرالية لدى باشيتش، واعتزل باشيتش الحياة السياسية عام 1999.
 
تجربة علي عزت بيغوفيتش
يمثل بيغوفيتش الموروث العثماني للبوسنة من خلال العائلة والإسلام التقليدي، فقد خدم جده في الجيش العثماني، وتزوج من تركية، وأما أبوه فقد خدم في جيش الدولة النمساوية، وقد مارست أمه المتدينة تأثيرا كبيرا عليه.
 
"
 قال هولبروك المبعوث الأميركي إلى البلقان "إن ما قام به علي عزت بيغوفيتش لأجل البوسنة كان مهما إلى الحد الذي يمكن القول إنه بدون بيغوفيتش ما كانت البوسنة الحالية أن تكون موجودة
"
وأسس مع رفاق له جماعة الشبان المسلمين، التي كانت امتدادا لجماعة الإخوان المسلمين والشبان المسلمين في مصر، فقد ركزت على إنشاء جيل جديد من المسلمين الملتزمين بالقيم والتعاليم والشعائر الإسلامية، وكانت تجاوزا على الاتجاه التقليدي الموروث من العهد العثماني، ثم تحالفت الجمعية مع جمعية الهداية التي أسسها محمد خانجيتش الشاب الأزهري العائد من القاهرة عام 1937، لكن بيغوفيتش غادر الجمعية في تلك الأثناء، واعتقل عام 1946 لمدة ثلاث سنوات، ثم درس المحاماة، وعاود نشاطه الإسلامي في الستينات، وأصدر عام 1970 كتاب "البيان الإسلامي"، واعتقل عام 1983 في سياق صعود القومية الصربية بقيادة سلوبودان ميلوسوفيتش بعد وفاة تيتو عام 1980، وفي هذه الأثناء صدر كتابه الشهير "الإسلام بين الشرق والغرب" (يعتبره الدكتور عبد الوهاب المسيري أهم الكتب الإسلامية في القرن العشرين).
 
وخرج من السجن عام 1988 ليواجه عام 1989 خطر الفاشستية الصربية، فتولى قيادة البوسنة في مواجهة الصرب إلى أن استقلت البوسنة، وأجريت انتخابات شعبية حملته إلى الرئاسة.
 
وخاضت البوسنة بقيادته حرب الاستقلال (1992 – 1995)، ولكن هذه الدولة البوسنية لم تكن التي ينشدها البوسنيون، وإنما محصلة الحرب والدبلوماسية والمؤامرات، فقد كانت أقرب إلى التقسيم الثلاثي بين البشانقة والكروات والصرب، وإن حقق البشانقة قوميتهم وهويتهم، واستردوا اسمهم التاريخي، وواجهوا الاحتلال والتذويب والتجاهل.
 
انسحب بيغوفيتش من الحياة السياسية عام 2000، ثم توفي بعد ثلاث سنوات، وكان الحال كما وصف هولبروك المبعوث الأميركي إلى البلقان خلال التسعينات بعد زيارته لبيغوفيتش في الأيام الأخيرة قبل وفاته "إن ما قام به بيغوفيتش لأجل البوسنة كان مهما إلى الحد الذي يمكن القول إنه بدون بيغوفيتش ما كانت البوسنة الحالية (على الرغم من أنها ليست الدولة المنشودة. ووصف بيغوفيتش اتفاقية دايتون التي انبثق عنها قيام دولة البوسنة بأنها مثل السم الذي لا بد من تجرعه لأجل البقاء على قيد الحياة) أن تكون موجودة، فقد نجت البوسنة من التقسيم الأسوأ، واحتفظ البشانقة بهويتهم القومية المميزة التي كافحوا طويلا للحفاظ عليها خلال القرن العشرين.



المصدر : الجزيرة