عرض/ كامبردج بوك ريفيوز
بعد كتابه الكبير والمهم "الجهاد" يُصدر جيل كيبيل الباحث الفرنسي المعروف المختص بشؤون الحركات الإسلامية في المنطقة هذا الكتاب الجديد والمهم.

- اسم الكتاب: المعركة من أجل عقول المسلمين.. الإسلام والغرب
- المؤلف: جيل كيبيل
- عدد الصفحات: 327
- الطبعة: الأولى 2004
- الناشر: بليكناب, هارفارد 2004

في المقدمة والخاتمة يربط كيبيل بين الكتابين حيث يرى أن الأحداث التي مرت وما تزال تمر على عوالم الإسلام والمسلمين في العقود القليلة الأخيرة تتراوح بين قطبين هما: الجهاد والفتنة، فإذا كان الجهاد يُقصد به غير المسلمين ويتوجه من يمارسه إلى "الخارج" والأعداء فإن الفتنة هي وقوع الحرب والاحتراب في ديار المسلمين أنفسهم وفيما بينهم.

وبالتوصيف المعاصر ذي العلاقة بالحركات الإسلامية التي يناقش برامجها وأساليبها كيبيل, فإن الفتنة هي حرب تلك الحركات ضد الأنظمة القائمة, وأحياناً ضد خصومها الداخليين.

وتمتد تلك الفتنة إلى خارج الفضاء الجغرافي الإسلامي التقليدي لتصل إلى أماكن تجمع المسلمين ووجودهم في الغرب وحيث تقطن جاليات كبيرة منهم.

هناك أيضاً تترعرع فتن داخلية بين مسلمين متشددين في داخل تلك الجاليات وبين الغالبية المعتدلة منها، إذ أن المتشددين يريدون للغالبية أن تعلن الحرب على المجتمعات الغربية التي تعيش فيها وأن تنعزل عنها, شعورياً وعملياً، بينما الغالبية تريد صوغ معادلة تعايش لا حرب فيها ولا انسلاخ عن الجذور.

وهكذا فالفتنة التي يعيشها المسلمون اليوم, وكما يرى جيل كيبيل, تتسع وهي عريضة الخارطة وخطيرة النتائج.

بين انهيار أوسلو وصعود المحافظين الجدد
جيل كيبيل يحاول في الكتاب أن يرصد منحنى التطرف المتصاعد الذي غلف المنطقة والسياسة فيها في السنوات الأخيرة, وبالتالي صعد من دعاوى الجهاد وعمق من الفتنة.

"
الأمل الصغير الذي بعثته أوسلو قد تم وأده بيد المتطرفين من قبل أطراف ثلاثة هم الليكود الإسرائيلي والمتطرفون الفلسطينيون والمحافظون الجدد
"
وهو في هذا السياق يعطي أهمية كبيرة لانهيار اتفاقيات أوسلو في إشاعة مناخ اليأس والتطرف ليس فقط في أوساط الفلسطينيين بل وفي الأجواء العربية عامة.

فعلى عكس ما ساد عشية التوقيع على أوسلو من أمل في إحداث انفراج في المنطقة وخاصة القضية الأهم فيها, فإن ما حدث فيما بعد وخصوصا بعد الانتفاضة الثانية قد شطب كل تلك الآمال.

ويرى كيبيل أن ذلك الأمل الصغير قد تم وأده بيد المتطرفين من قبل أطراف ثلاثة هم الليكود الإسرائيلي, والمتطرفون الفلسطينيون, والمحافظون الجدد.

وهو يرى أن إسقاط أوسلو كان هدفاً لدى هؤلاء جميعاً وأنهم نجحوا في ذلك وأن النتيجة هي ما نعيشه حالياً.

وعلى مستوى أوسع, يرى كيبيل أن ثمة هدفاً آخر توافق عليه المحافظون الجدد مع "الجهاديين القاعديين" وهو إسقاط الأنظمة في المنطقة، وإن كان كل طرف يعلن أسبابا مختلفة وراء السعي لتحقيق ذلك الهدف.

غير أن ذلك الاتفاق فاقم من عمق المناخ المتطرف وأخذه إلى أبعاد جديدة، وهنا يتوقف كيبيل ليفصل الشرح والتحليل في البنية التأسيسية والفكرية لكل من الطرفين, المحافظين الجدد والقاعديين.

المحافظون الجدد, بجذورهم المسيحانية الصهيونية, نظروا بتشكك وكراهية إلى أوسلو مؤمنين بأنها في غير صالح إسرائيل وأن الاحتمالية التي تنطوي عليها من إقامة دولة فلسطينية لا تتوافق مع رؤيتهم العامة لمكانة إسرائيل في المنطقة.

"
البنية النظرية التي تقوم عليها نظرة المحافظين الجدد للسياسة الدولية والعلاقات بين الدول ترفض فكرة "التنازل" من موقع القوة
"
وبالإضافة إلى ذلك فإن البنية النظرية التي تقوم عليها نظرتهم للسياسة الدولية والعلاقات بين الدول ترفض فكرة "التنازل" من موقع القوة.

فحال إسرائيل إقليميا هو نفس حال الولايات المتحدة عالمياً وهو التفوق العسكري والاقتصادي وعدم وجود منافسين. وفي حال كهذه ليس هناك من سبب مقنع لتقديم أي تنازل للفلسطينيين أو العرب, بل ما هو مطلوب هو فرض الحل الذي يريح إسرائيل من دون رحمة.

وفيما يتعلق بموقع الولايات المتحدة فإن هؤلاء المحافظين الجدد انطلقوا من فكرة أولوية المصالح الأميركية على مصالح العالم وتحقيق تلك المصالح مهما كان الثمن.

ويرصد كيبيل هنا تطور الفكر المحافظ تدريجياً خلال العقود الماضية ومأسسة تنظيراته وحتى وصوله إلى السيطرة المطبقة على البيت الأبيض.

والنقطة المفصلية تاريخياً التي حققت للمحافظين ما لم يكونوا يحلمون به هي أحداث الحادي عشر من سبتمبر، حين قدم أسامة بن لادن المسوغ الأكبر الذي كان ينتظره أولئك للانطلاق في برنامجهم الطموح في صياغة القرن الحادي والعشرين وفقاً لرؤيتهم الهجومية التي قامت عليها حرب أفغانستان ثم حرب العراق.

القاعدة: ضرب العدو البعيد
أما على صعيد الفكر القاعدي والتطرف المتصاعد في الجانب الإسلامي فإن كيبيل يحلل كيف تحول فكر التنظيمات الجهادية المتشددة إلى فكرة ضرب العدو البعيد (الولايات المتحدة والغرب) بعد أن فشلت في حربها ضد العدو القريب (أي الأنظمة العربية والإسلامية).

"
حال إسرائيل إقليميا هو نفس حال الولايات المتحدة عالمياً وهو التفوق العسكري والاقتصادي وعدم وجود منافسين وفلسفة عدم التنازل من موقع القوة
"
وهذه الفكرة نظر لها بتوسع أيمن الظواهري الرجل الثاني في القاعدة وتقول أن "الطليعة الإسلامية المجاهدة" فشلت خلال حقب الثمانينات والتسعينات من القرن الماضي في الإطاحة بالأنظمة "الكافرة" في البلدان العربية والإسلامية, ولم تستطع تحريك الجماهير المسلمة للانتفاض على تلك الأنظمة.

وأحد أسباب "صمود" تلك الأنظمة, بحسب رأي الظواهري, هو الدعم المتواصل والقوي الذي تلقاه من العدو البعيد، لهذا فإن استهداف ذلك العدو وضربه سوف يؤثر على العدو القريب ويسقطه, أو يفك علاقة الدعم الدائم بينهما.

ومن هنا جاءت تفجيرات الحادي عشر من سبتمبر التي قُصد بها ضرب موقع القلب من ذلك العدو.

غير أن ما لا يتوقف عنده كيبيل بتمعن هو أول كلام الظواهري إذ إن تنظيره هذا جاء بعد تنفيذ تلك التفجيرات وليس قبلها, مما يعني أنه قد يأتي في سياق التنظير المتأخر أو التبريري وليس التنظير التأصيلي.

كما أن التبني المتأخر للمسؤولية عن تلك التفجيرات وما رافقها من غموض وتردد وتفسيرات لا توحي بأن القاعدة تنفذ تلك الإستراتجية بالوضوح الذي يتحدث عنه الظواهري.

نتائج التطرف المزدوج
التطرف المتعاضد الذي وسم العلاقة بين أداء المحافظين الجدد في الولايات المتحدة والقاعديين الجهاديين أدخل العالم مرحلة جديدة, وضعت المسلمين جميعهم في موقع الهدف وموقع الضحية في الآن ذاته.

"
التطرف المتعاضد الذي وسم العلاقة بين أداء المحافظين الجدد في الولايات المتحدة والقاعديين الجهاديين أدخل العالم مرحلة جديدة وضعت المسلمين جميعهم في موقع الهدف وموقع الضحية في الآن ذاته
"
وهنا يتابع كيبيل ميادين حرب المحافظين والقاعدة في العالم, من أفغانستان إلى أوروبا إلى الولايات المتحدة انتهاء بالعراق.

وهو يرى أن ذينك النوعين من التطرف يردان على بعضهما البعض بتطرف أشد مما يعني زيادة دورة العنف والدم, وتشييد جدار فاصل بين عموم المسلمين والغرب وتدعيم فكرة صراع الحضارات.

في داخل المعسكر الإسلامي يزداد الانشقاق أيضا بين الشريحة المتشددة المتطرفة وبقية المجتمع من ناحية, كما يزداد تشدد المجتمعات نفسها بسبب الضغوط الخارجية والتدخل الأميركي المحافظ عن طريق الحروب واستخدام الجيوش.

وأكثر منطقة تتمثل فيها نتائج التطرف المزدوج هي العراق، "صندوق باندورا العجائب" كما يسميه كيبيل إذ إن هذا البلد غزاه المحافظون الجدد بمسوغات عدة ثبت أنها كانت فارغة ولا أساس لها.

ففي المقام الأول كانت نظرية تغيير النظام بدعوى أنه دكتاتوري ومستبد, ثم تم استبعاد هذه النظرية لأنها ستجلب على واشنطن أسئلة كثيرة بشأن أنظمة دكتاتورية ومستبدة عديدة تحظى بدعم الولايات المتحدة ناهيك عن أن تُشن ضدها الحروب.

ثم جاءت فكرة امتلاك العراق لأسلحة الدمار الشامل وتهديده باستعمالها, ورافقتها فكرة علاقة العراق بالقاعدة وإرهابها وتفجيرات الحادي عشر من سبتمبر/أيلول.

"
القاعدة وجدت لها الآن أرضا خصبة تتحرك فيها وتقاتل الولايات المتحدة مباشرة، والحل الديمقراطي الموعود في العراق لا يبدو أنه سينجح والدول الشريكة في الحرب تنسحب الواحدة تلو الأخرى
"
لكن كل هذه المسوغات لم تصمد, ومع ذلك تم احتلال العراق, وأعلن جورج بوش أن الأمن والأمان والديمقراطية سوف تحل في العراق بعد التخلص من صدام حسين.

غير أن الخلاصة الحالية التي وصلت إليها واشنطن هي بالتأكيد خلاف ما هدفت إليه، فالقاعدة وجدت لها الآن أرضا خصبة تتحرك فيها وتقاتل الولايات المتحدة مباشرة، والحل الديمقراطي الموعود في العراق لا يبدو أنه سينجح, والدول الشريكة في الحرب تنسحب الواحدة تلو الأخرى.

أما الدول العربية التي كانت قد خشيت من سياسة المحافظين الجدد في بادئ الأمر فهي الآن شبه مطمئنة إلى أن واشنطن قد لا تغامر بفشل آخر جديد.

مسلمو أوروبا
في أوروبا تتطور بالتوازي قصة أخرى لها علاقة بسياق الوجود الإسلامي هناك وانعكاسات الأحداث في العالم الإسلامي على الجاليات المسلمة وتفاعلها معها.

وهنا يرى كيبيل أن هناك نموذجين يرصدان سياسة الدول الأوروبية تجاه المسلمين المقيمين فيها، الأول هو النموذج الفرنسي الذي يركز على ضرورة الاندماج الفردي للمسلمين في المجتمع الفرنسي وتأكيد أولوية انتماء هؤلاء الأفراد إلى المجتمع الذي يحملون جنسيته على أية ولاءات أخرى مع الإقرار بوجودها.

ويتضمن ذلك أيضا عدم إتاحة المجال أو فسحه لقدوم قيادات متطرفة من الخارج تعمل على نشر التشدد في أوساط الجالية المسلمة, ولهذا فقد رفضت فرنسا سياسة منح اللجوء السياسي لتلك القيادات.

"
معركة الحسم في شكل الإسلام القادم في السنوات القادمة ليست مرتبطة بعامل واحد بل في مجموعة من العوامل بعضها داخلي وبعضها خارجي
"
في المقابل هناك النموذج البريطاني الذي يعتمد على فكرة التعددية الثقافية ومنح الجاليات مساحة واسعة من الحرية للتعبير عن نفسها بالطريقة التي تراها مناسبة وضمن القانون، وهي لا تدعو إلى الاندماج الكلي في المجتمع البريطاني, بل تحترم التعدد الإثني وتحتفي به.

وقد استقبلت في التسعينات أعداداً كبيرة من القادة السياسيين لجماعات متطرفة تحت بند منحهم اللجوء السياسي, وذلك في سعي حثيث لتفادي شر الجماعات الإسلامية وحتى تحييدها.

ويبدو أن كيبيل منحاز للنموذج الفرنسي وهو يقول إن النموذج البريطاني فشل حيث فتح لندن أمام نمو تيارات التطرف وتجميع قياداتها في بريطانيا لدرجة أنه يسميها "لندنستان".

ويقول إن فشل النموذج البريطاني تمثل في المحاولات العديدة التي حاولتها بعض الجماعات القاعدية للقيام بتفجيرات في لندن, وهي منطلقة من بريطانيا نفسها أي أنه لم يتم اتقاء شر تلك التنظيمات في نهاية المطاف.

في الخلاصة, يقول كيبيل إن معركة الحسم في شكل الإسلام القادم في السنوات القادمة ليست مرتبطة بعامل واحد بل في مجموعة من العوامل بعضها داخلي وبعضها خارجي. وأن انحسار التطرف الخارجي وانحسار التطرف الداخلي هو وحده الكفيل بتخفيف أوار الجهاد مع الخارج والفتنة في الداخل.

المصدر : الجزيرة