عرض/ كامبردج بوك ريفيوز

هذا الكتاب بالغ الرداءة والتشويه ويعج بجهل مؤلفته وانحيازها الفاضح للجلاد على حساب الضحية في سياق الاحتلال العسكري الإسرائيلي لفلسطين والفلسطينيين.

وسبب مراجعته هو استعراض نموذج من الكتابات التدميرية التي تقلب الحقائق رأسا على عقب ولا تحترم عقل القارئ, ولا الوقائع على الأرض.

-العنوان: جيش من الزهرات.. داخل عالم الانتحاريات الفلسطينيات
-تأليف: باربرا فيكتور
-عدد الصفحات: 32 صفحة
-نشر: دار روبنسون, لندن
تاريخ النشر: 2004

خلاصة الكتاب تقول إن الاستشهاديات الفلسطينيات مجموعة من النساء المعقدات الواقعات تحت ضغوط هائلة من قبل عدد لا يحصى من المشكلات النفسية والاجتماعية المطبقة عليهن من قبل الذكور ولا يجدن وسيلة للتخلص منها سوى قتل أنفسهن!

تقول المؤلفة "إنه من المؤلم جدا في الحياة أن تجد المرأة نفسها وحيدة بعد موت زوجها, أو أن تجد نفسها بؤرة للتهكم والشجب بسبب وقوعها في حب أكثر من رجل, أو أن تعتبر عاقرا لا تنفع لأنها لا تلد, أو أن تجد نفسها مرغمة على تحمل مسؤولية تربية ابنها كأم خارج نطاق الزوجية, أو أن تتوق لإكمال تعليم غير متوفر لها, أو أن تجد نفسها تحت وطأة إنقاذ أحد أقربائها من الرجال من العار أو الموت.

ولكن عندما تفضي كل فرصة في الحياة إلى باب موصد, وعندما ينعدم الأصدقاء الذين يمكنهم توفير الدعم العاطفي, وعندما لا تتوفر إمكانية تحقيق الطموح المهني الذي يسهم في الشعور بالفخر وتحقيق الاستقلالية, وعندما لا تتواجد جهة داخل المجتمع تقدم يد المساعدة في التأقلم ماديا وعاطفيا مع تربية الأطفال الذين يولدون خارج رابطة الزوجية, حينها تصبح مسألة إقناع بعض من تلك النسوة الضعيفات بإنهاء حياتهن أمرا غير مستعص على الفهم".

هكذا إذن هي قصة "جيش الزهرات" الذي حاولت المؤلفة باربارا فيكتور حشد أكبر عدد ممكن من "الجنديات" فيه, فبالكاد بلغ عددهن 12 فتاة, أربع منهن قمن بعمليات استشهادية هن وفاء إدريس ودارين أبو عيشة وآيات الأخرس وعندليب سليمان، وثمان منهن دربن للقيام بتلك العمليات لكن لم تكتمل مهمتهن.

تنقلت الكاتبة بين غزة والضفة الغربية وأجرت مقابلات مع عوائل وأصدقاء أفراد "الجيش" المذكور, ولم تترك شاردة ولا واردة بشأن حياة أولئك الفلسطينيات إلا وكتبتها، ومع ذلك جاءت بتحليل هش وضعيف وغير موضوعي وخارج عن السياق.

تغييب سياق الاحتلال الإسرائيلي
يزخر هذا الكتاب بالتجني على المرأة الفلسطينية, وبالتطاول على قدرتها على فهم واقعها والاستجابة للتحديات الماثلة فيه، ولا يحتاج القارئ كبير جهد ليشعر بخطل الرؤية والتحليل الذي هو أهم سمات هذا الكتاب.

فالكاتبة توضح في مقدمة كتابها أنها تروي فيه "قصة نساء قضين نحبهن لأسباب تتجاوز قضية تحرير فلسطين, وأنه يستعرض حالة من استغلال النساء إلى درجات من التطرف قاتلة".

"
قبل البدء قررت الكاتبة تنحية قضية تحرير فلسطين جانبا كسبب من الأسباب المهمة أو حتى غير المهمة التي ربما كانت وراء تفجير تلك الفتيات أنفسهن
"
إذن وقبل البدء قررت الكاتبة تنحية قضية تحرير فلسطين جانبا كسبب من الأسباب المهمة أو حتى غير المهمة التي ربما كانت وراء تفجير تلك الفتيات أنفسهن, ورغبت في أن تسرد علينا حكاية لا تخطر على بال عاقل, إنها حكاية مجتمع بشع وصل إلى حدود متطرفة من استغلال النساء من خلال إغوائهن وحملهن على قتل أنفسهن.

إنها حقا حكاية تحملك على وصف هذا المجتمع بأنه مجتمع مجرم ومريض، وهي حكاية تمطرك فيها الكاتبة بالتفاصيل الشخصية الدقيقة لحياة كل من تلك الفتيات, ولكن بمعزل عن السياق العام الذي يتمثل في احتلال عسكري إسرائيلي قاتل سرق أحلام جميع أبناء هذا المجتمع رجالا ونساء كبارا وصغارا ودمرها ولم يغادر بل لايزال جاثما هناك كالفزاعة يخطف البشر وأحلامهم الصغيرة.

وهكذا يبدو الاحتلال في كتاب باربارا فيكتور تفصيلاً هامشياً في الصورة لا أهمية له.

وفي المقابل هناك "اكتشافات" متلاحقة تتحفنا بها المؤلفة, حين تقول مثلاً إنها "اكتشفت واقعا مريرا وهو أنه لم يكن هناك أي نساء خلف تجنيد الانتحاريات. لقد تلقت تلك النسوة, وبلا استثناء, التدريب على يد أحد أعضاء الأسرة الثقات, كأخ أو عم, أو قائد ديني أو معلم أو صديق للعائلة, جميع هؤلاء من الرجال.

كما اكتشفت أيضا أن الفتيات الأربع اللواتي قضين نحبهن كن يعانين جميعا من متاعب شخصية جعلت حياتهن مستحيلة ضمن ثقافتهن ومجتمعهن.

اكتشفت أيضا أن الحوافز والجوائز التي تكون من نصيب الرجال الذين يقضون شهداء تختلف كثيرا عن نظيرتها للنساء".

ولا نعرف طبعاً ما هي الحوافز المزعومة التي تفترضها المؤلفة والدافعة للرجال على ارتكاب العمليات الفدائية.

ويبقى "اكتشافها الأكبر" الذي تكرر إيراده هو الوضع الخانق الذي تعيشه النساء الفلسطينيات، وهي تقول إنه لا مناص من إدراك منطق الرجال الذين يقدمون التبريرات الأخلاقية لإغواء تلك النسوة الضعيفات وغسل أدمغتهن وإقناعهن بأن إنهاء حياتهن بأيديهن هو أفضل عمل يمكنهن القيام به.

وهي تؤكد أن فهم البيئة الاجتماعية التي تدفع بتلك النساء الشابات إلى هاوية اليأس الشخصي أمر لا بد منه.

لكن ما لم نعرفه من تحليل المؤلفة هو ما إن كان الوضع الاجتماعي للنساء الفلسطينيات بالغ السوداوية لدرجة دفعهن إلى الانتحار وتنفيذ عمليات استشهادية للتخلص من الحياة, فلماذا لم يتجاوز عدد جيشهن أثنتي عشرة واحدة؟ لماذا لا نرى عشرات الآلاف من الفلسطينيات يتمردن على الوضع ويقررن الانتحار الجماعي والانضمام إلى "جيش الزهرات"؟

عرفات وراء الاستشهاديات وحافظ الأسد مسيحي!
وفي تحليل الكاتبة الخارق للعادة تشير إلى صورة عرفات في صيف عام 2000, وتقرر أن الشارع الفلسطيني كان ينظر إلى عرفات كمفاوض أفرط كثيرا في استرضاء الإسرائيليين والأميركيين, وأنه شعر بأن دوره كرئيس للسلطة الفلسطينية في خطر, فقد حنث بوعود التوصل إلى إنشاء دولة فلسطينية, وعجز عن إرغام إسرائيل على تفكيك المستوطنات ومنع إنشاء المزيد منها، وظهر عاجزا عن السيطرة على المشاعر العامة في الشارع الفلسطيني مقابل تزايد قوة حماس والجهاد الإسلامي.

ولهذه الأسباب, هكذا تقرر الكاتبة, اتخذ عرفات قرارا كان يعتقد أنه سيضمن له قاعدة أوسع من القوة لمواجهة المعارضة داخليا وكذلك في إسرائيل نفسها.

وهكذا قرر أن من صالح شعبه على المدى البعيد، وأنه من أجل تجنب قيام نظام عسكري إسلامي في المنطقة، سيبارك العمليات الانتحارية, لا لأجل نشر الذعر في إسرائيل بل لمواجهة خصومه والحصول على مزيد من التأييد في الشارع الفلسطيني.

ومن خطل التحليل إلى الوقوع في أسر أخطاء تاريخية, فالكاتبة تقول إن ياسر عرفات لم يكن الزعيم العلماني العربي الوحيد الذي حاول اتباع خطى حزب معارضة ديني متعصب, بل إن هناك زعماء آخرين منهم "الزعيم السوري حافظ الأسد, وهو علوي مسيحي!!" وقد جند في سوريا عام 1985 "عددا من عناصر الحزب القومي السوري الاشتراكي في لبنان محاولا "علمنة" التفجيرات الانتحارية لانتزاع دعم الشارع اللبناني بعيدا من القطاعات المتدينة فيه."

وهكذا تقدم لنا المؤلفة "البارعة" كشفاً تاريخياً غير مسبوق بأن الرئيس الأسد كان مسيحياً!

تستمر الكاتبة في تحليلها الخارق للعادة تقول "ولكن خلافا لحماس والجهاد الإسلامي اللذين لم يواجها مشاكل في العثور على رجال مستعدين للموت باسم الله, فإن عرفات واجه مشاكل جمة في تجييش المنضوين في فصيله السياسي وحملهم على القيام بالاستشهاد.

وتتابع "أن ما كان عرفات بحاجة له هو سلاح كفيل بإثارة إعجاب خصومه الإسلاميين وإرهاب عدوه الإسرائيلي، وهكذا فإن عرفات لحل مشكلته في تشديد قبضته السياسية على السلطة الفلسطينية حول تركيز عملياته العسكرية إلى نوع جديد جدا من الانتحاريين"، وهذا النوع الجديد جداً من الانتحارين لم يكن غير الاستشهاديات.

وهكذا وفي صباح 27 يناير/كانون الثاني احتشدت أكثر من ألف امرأة فلسطينية في المقاطعة برام الله للاستماع إلى كلمة لياسر عرفات.

والكاتبة تزعم أن هذا الخطاب كان موجها بصفة خاصة للنساء, وأن عرفات رحب بالنساء ودعاهن للمشاركة في المقاومة المسلحة ضد الاحتلال الإسرائيلي وأنه قال إن "النساء والرجال متساوون... إنكن جيشي من الزهرات اللاتي سيحطمن الدبابات الإسرائيلية".

وتحمل المؤلفة القارئ على الاعتقاد بأن تلك الكلمة "التاريخية" كانت ساعة الصفر التي أطلق من خلالها عرفات "جيشه من الزهرات الانتحاريات".

وهنا تضيف الكاتبة أن حماسة عرفات والشعارات الطنانة التي يطلقها ليست بأمر جديد, ولكن ما جعل خطابه هذا مختلفا, "وغير إلى الأبد شكل الصراع الإسرائيلي الفلسطيني" كان عبارة قالها وظلت شعاره أسابيع وأشهرا مقبلة, لقد قال "شهيدات على طول الطريق إلى القدس".

وبتحليل يثير العجب لفرط جهل كاتبته تتابع "لقد نحت عرفات في تلك اللحظة اللفظة المؤنثة لكلمة شهيد العربية, شهيدة, والتي لم تكن تستخدم من قبل إلا في صيغتها المذكرة".

وبحسب هذا التحليل, فإن العمليات الانتحارية دخلت مرحلة سوداوية جديدة بانضواء المرأة الفلسطينية تحت لوائها, وتزعم الكاتبة أن أول عملية انتحارية قامت بها فتاة فلسطينية هي عملية وفاء إدريس التي تزامنت مع ذلك الخطاب بالتحديد وجاءت في نفس اليوم!! إذن, بحسب الكاتبة, فإن تاريخ النضال الفلسطيني قبل صيحة عرفات في ذلك الحشد النسوي بالمقاطعة لم يعرف شهيدات قط, وبالنسبة لها فإن لينا النابلسي وغيرها من الشهيدات الفلسطينيات اللاتي سقطن في سبيل وطنهن لا وجود لهن.

بقية القادة الفلسطينيين ليسوا أقل شراً في نظر المؤلفة عندما يأتي الأمر للتغرير بالنساء الفلسطينيات كي يقتلن أنفسهن! فتقول, مثلا, "إن رجالا مثل الشيخ أحمد ياسين, الزعيم الديني يختلق من عقله وما هو غير مكتوب في القرآن ما ستناله النساء في الجنة مثل وعدهن بأن يصبحن جميلات إن لم يكن كذلك في الدنيا أو أنهن سيحظين بأزواج إن كن عازبات في الدنيا.

"
لا نشتم في تحليل المؤلفة أي أثر للاحتلال الإسرائيلي الذي يجثم على صدور تلك النسوة حتى إن كلمة الاحتلال العسكري أو الاحتلال الإسرائيلي قلما ترد في الكتاب
"
وياسر عرفات, الحائز على جائزة نوبل للسلام, هو الذي أقنع النساء بأنهن "جيشه من الزهرات" الذي سيسحق به الدبابات الاسرائيلية، وعبد العزيز الرنتيسي, الطبيب يمني النساء بنيل "الرضا" في الجنة.

هؤلاء الرجال المتنفذون يجمعون بفن بالغ بين الوعد بالمساواة والاحترام والتقدير بشكل يصبح فيه من المستحيل على فتاة غريرة وضعيفة وساذجة عدم الوقوع في أحابيلهم، "وهنا, مرة أخرى, نحن لا نشتم في تحليل المؤلفة أي أثر للاحتلال الإسرائيلي الذي يجثم على صدور تلك النسوة, حتى إن كلمة الاحتلال العسكري أو الاحتلال الإسرائيلي قلما ترد في الكتاب.

مقابل هذه الصورة الرديئة للمرأة الفلسطينية التي نقرأ في الكتاب أنها بسبب عجزها عن امتلاك مصيرها أو تغيير مسار حياتها تصبح أسيرة هواجسها والألم والصراعات التي تدور في داخلها والذي تصفه الكاتبة بأنه من الأعراض الكلاسيكية للإحباط, ترسم الكاتب صورة مقابلة للمرأة الإسرائيلية.

واسمعها تقول "هناك ناس آخرون ذاقوا صدمة فقدانهم لأحبائهم ولكنهم رغم آلامهم الجسيمة لم يلجؤوا إلى وضع حد لحياتهم, وتقص علينا هنا قصة الإسرائيلية فرميت روث التي فقدت ابنتها مالكي في العملية الانتحارية المعروفة على مطعم سبارو للبيزا في القدس.

هذا الكتاب نموذج للكتابة التشويهية التافهة وغير المسؤولة التي تؤدي إلى خلق صور لا علاقة لها بالواقع, وتستحق أقسى رد كتابي عليها.

المصدر : غير معروف