عرض/ نزار رمضان

تكمن أهمية هذا الكتاب في أنه يناقش قضية من أسخن القضايا على الساحة الفلسطينية، كما أنها من أكثر الظواهر التي ترهب الإسرائيليين وتشغل أمنييهم ومدنييهم وعسكرييهم، وأثرت هذه الظاهرة (الانتحار) على حياتهم اليومية فباتوا يخشون الذهاب إلى المطاعم والمسابح والشواطئ بل الأسواق الكبيرة والمجمعات التجارية، مما أدى إلى تراجع الحركة الاقتصادية والسياحية في إسرائيل، فضلا عن الأثر النفسي البالغ.

 

- العنوان: من هم منتحرو الإرهاب الفلسطيني؟

- المؤلفان: شاؤول كمحي وصموئيل إيفن

- عدد الصفحات: 120

- الناشر: مركز يافا للدراسات الإستراتيجية، جامعة تل أبيب

- الطبعة الأولى: 2004

يستعرض المؤلفان فلسفة "الإرهاب الانتحاري" وجذوره التاريخية وأماكن انتشاره في العالم والأسباب والدوافع التي تؤدي إليه عبر ثلاثة فصول، جاء الأول منها مفسرا لمبدأ البحث والأسباب التي دفعت إلى تأليف الكتاب خاصة وأنه يجيب عن تساؤلات يطرحها الباحثان من موقع عملهما، فالأول وهو الدكتور شاؤول كمحي باحث ومتخصص في علم النفس وهو عضو في الجمعية الدولية للسياسة النفسية، فيما يعتبر الباحث الثاني وهو صموئيل إيفن مستشارا إستراتيجيا وضابطا كبيرا متقاعدا عمل في جهاز الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية.

 

أما الفصل الثاني فيتعرض الباحثان فيه إلى النهج الأدبي لدراسة واقع ما أسموه الإرهاب الانتحاري والمؤثرات التي يتعرضون إليها.

 

وتمحور الفصل الثالث حول نظرية الأنماط للمنتحرين الفلسطينيين -كما يسميهم- من ناحية المعطيات العامة وأنواعهم ونماذجهم، بالإضافة إلى ثقافتهم، فيما يشكل الكتاب دراسة نفسية تحليلية تحاول الوصول الى الأسباب التي تدفع بالمنتحرين الإرهابيين كما تسميهم إسرائيل إلي هذا العمل الممنهج.

 

"
يرى مؤلفا الكتاب أن تفجير برجي التجارة العالمية يوم 11 سبتمبر/أيلول أعطى دفعة لهذا النوع من العمل بل إنه أصبح نقطة تحول معاصرة في تاريخ "الإرهاب الانتحاري"
"
جذور "الإرهاب الانتحاري"

يرى المؤلفان أن "ظاهرة إرهاب الانتحاريين" في العالم ليست جديدة في التاريخ الإنساني، فهي ظاهرة قديمة جديدة، مشيرين إلى أنها بدأت في التاريخ الإسلامي منذ القرن الحادي عشر عند الطائفة الإسلامية المعروفة بالحشاشين، واستمرت وتطورت لتطال الكثير من مواقع الصراع في العالم.

 

ومثلت ظاهرة الكاميكازي التي قادها الطيارون اليابانيون عقب الهزيمة في الحرب العالمية الثانية جزءا من الظاهرة، حيث كانوا يفجرون أنفسهم وطائراتهم وهي مليئة بالمتفجرات فوق الأسطول البحري الأميركي.

 

ويشير الكاتبان إلى أنه خلال العقدين الأخيرين عملت مجموعات وتنظيمات في العالم على طريقة الإرهاب الانتحاري كما يصفانه، وكان الأبرز بين هذه التنظيمات -كما يقول الكاتبان- حزب الله في لبنان ونمور التاميل في سريلانكا وحزب العمال الكردي في تركيا والجماعة الإسلامية في مصر ومقاتلو الشيشان في روسيا والتنظيمات المختلفة في العراق بعد سقوط نظام صدام حسين.

 

ويرى كمحي وإيفن أن عمليات حزب الله الانتحارية في لبنان ضد قوات المارينز التي نفذت في شهر أكتوبر/تشرين الأول 1982 كانت بداية انتشار الظاهرة في الشرق الأوسط، حيث قتل في العمليات المذكورة نحو 241 مظليا أميركيا و58 جنديا فرنسيا، مشيرين إلى أن هذه العمليات أدت إلى خروج القوات الأميركية والمتعددة الجنسيات من لبنان.

 

ويقول المؤلفان إن حزب الله وبدعم إيراني بدأ يوجه هذه العمليات ضد الجيش الإسرائيلي في الجنوب اللبناني وضد مصالح إسرائيل وأهدافها المنتشرة في العالم مثل سفارتها في بيونس أيرس في مارس/آذار 1992، ومبنى المؤسسات اليهودية في يوليو/تموز 1994.

 

ويشير الكتاب إلى أن تفجير برجي التجاره العالمية يوم 11 سبتمبر/أيلول 2001 أعطى دفعة لهذا النوع من العمل، بل إنه أصبح نقطة تحول معاصرة في تاريخ "الإرهاب الانتحاري". ومنذ هذا التاريخ توجه اهتمام الباحثين والخبراء في الإرهاب نحو هذه الظاهرة التي باتت تستحق الدراسة والمراقبة عن كثب لكونها باتت تشكل تهديدا شاملا وكاملا ليس لقطر معين فحسب، وإنما للعالم أجمع -كما يرى المؤلفان- وقد حذر خبراء الولايات المتحدة في الإرهاب من تنامي وانتشار هذه الظاهرة.

 

"
منفذو هذه العمليات يرون أنها ليست انتحارا وإنما هي بحسب الدين الإسلامي استشهاد وتضحية بالنفس ومقاومة شرعية للاحتلال
"
في الصراع الفلسطيني الإسرائيلي

يؤرخ الكاتبان لجذور "الإرهاب الانتحاري" في الصراع العربي الإسرائيلي بأول عملية من هذا النوع قام بها فلسطينيون داخل إسرائيل، وهي تلك التي نفذها أحد كوادر حركة المقاومة الإسلامية حماس من منطقة نابلس (ساهر تمام) الذي فجر نفسه وهو يقود سيارة كانت تمر من جانب باص متوقف في موقف للركاب بمنطقة مفرق ميحولا في غور الأردن، وذلك يوم 16 أبريل/نيسان 1993، فقتل شخصين وأصاب خمسة آخرين.

 

يقول الكاتبان إن منفذي هذه العمليات يرون أنها ليست انتحارا وإنما هي بحسب الدين الإسلامي استشهاد وتضحية بالنفس ومقاومة شرعية للاحتلال.

 

ويستشهد المؤلفان بفتوى الشيخ عكرمة صبري مفتي القدس والديار الفلسطينية الذي قال إن هذا النوع من العمليات هو عمل شرعي مادامت إسرائيل تواصل احتلالها للأراضي الفلسطينية، فقد نشرت صحيفة هآرتس تلك الفتوى بعددها الصادر يوم 30 مارس 1998 كما أورد الكتاب.

 

هذه العمليات كشفت نقطة ضعف المجتمع الإسرائيلي الذي يحب الحياة والمتع والتجارة والحضور الدولي والإقليمي، ولهذا انعكست نتائجها على الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية والنفسية في إسرائيل.

 

انتفاضة الأقصى

استغل رجال المقاومة الفلسطينية هذا النوع من المواجهة خلال انتفاضة الأقصى -كما يشير الباحثان في دراستهما- حيث خطط 61 انتحاريا للقيام بعمليات داخل مصالح إسرائيلية، 43 منهم نجحوا في تفجير أنفسهم، أي بنسبة 70% والباقون لم يصلوا إلى مرحلة تنفيذ العملية.

 

وتقول الدراسة إنه منذ انتفاضة الأقصى وحتى أبريل/نيسان 2004 عمل 274 انتحاريا بمن فيهم عدد قليل من الفتيات والنساء، 142 منهم فجّروا أنفسهم، أما الباقون فلم يصلوا، أي أن نسبة النجاح 52%، وهو ما يعني أنه من غير الممكن عرض نمط نفسي واحد للمنتحرين الفلسطينيين، ومع ذلك هناك دوافع معينة لتنفيذ هذه العمليات منها البيئة والواقع الاجتماعي والثقافي.

 

وتلعب الجوانب الثقافية دورا هاما في تنمية فكرة "الإرهاب الانتحاري" لدى الشباب اليافع، ولهذا فإن النسبة الغالبة بين المنفذين هي من الشبان المتدينين المتحمسين لدخول الجنة وما فيها من نعيم وحور عين "أي نساء جميلات جدا" كما يصف الكاتبان، إضافة إلى تقديس المجتمع لهذه الطبقة التي تعتبر من طبقة الأوفياء للشعب والمجتمع.

 

وتتعرض الدراسة إلى ظاهرة استغلال الفتيان الصغار لهذه العمليات، مشيرة إلى أن ذلك يخالف ميثاق الطفل في الأمم المتحدة.

 

"
هناك وطنيون متعصبون يتأثرون بكل ما يشاهدونه من ممارسات على الأرض التي يعتبرونها أرضهم، فتتولد لديهم ثقافة حب الوطن وضرورة الدفاع عنه
"
أنواع الإرهابيين الانتحاريين

يقسم الكتاب أنواع "الانتحاريين" إلى أربعة أقسام:

1- الديني المتعصب: وهو الذي يتعامل مع الأمر بمنطلق ديني من حيث الواجب والدوافع معتمدا في ذلك على الآيات والأحاديث القرآنية، وملتزما بعباداته، ومتطلعا إلى النتائج التي تتحقق في الآخرة أي في الجنة.

 

ولهذا يكون دافعه هو العقيدة والدين "حيث تنتظره الحور العين، ليست واحدة وإنما سبعون من أجمل النساء".

 

ويعتبر الباحثان أن هذه الإغراءات في البيان الثقافي لما بعد الموت تؤدي بالكثير من الشبان إلى البحث عن هذا النوع السرمدي من الحياة.

 

2- الوطني المتعصب: ويشير الكتاب إلى أن هناك وطنيين متعصبين يتأثرون بكل ما يشاهدونه من ممارسات على الأرض التي يعتبرونها أرضهم فتتولد لديهم ثقافة حب الوطن وضرورة الدفاع عنه، كل ذلك جنبا إلى جنب مع وسائل الإعلام والكاسيتات والأفلام الوطنية المثيرة التي تبث الحمية في أعماقهم وأعصابهم، فيصبح الوطن والشعب بالنسبة لهم قضية -وأي قضية- القضية التي يقدمون أنفسهم صرعى من أجلها.

 

3- النفسي المنتقم: وهذا النوع من المنفذين هو الذي يتأثر بالأحداث والمشاهد حين يتعرض أحد أقربائه للقتل من قبل الجيش الإسرائيلي، فتتولد لديه نفسية جديدة راغبة في الانتقام، ويحاول كلما أتيحت له الفرصة أن يقوم بأعمال أو يبحث عن من يجهزه لكي يقتل الكم والعدد الأكبر من الإسرائيليين انتقاما.

 

4- المنتحر المستغَل: ويركز الباحثان على هذا النوع من المنتحرين وخاصة الشبان الصغار تحت مظلة أنهم مضلَّلون، وأنهم يعدون للموت دون أن يعرفوا  إلى أين هم ذاهبون، ويصور الكتاب أن استغلال الأطفال في هذا الاتجاه مخالف للعمل الإنساني الذي يدعو الجميع إلى الحفاظ على الأطفال وتركهم - كما يدعون- يتمتعون بطفولتهم.

 

آليات الاختيار
يرى الكاتبان أن مسألة تجنيد الانتحاريين ليست مسألة شكلية مبسطة وإنما هي مشروع معقد يحتاج إلى دراسة متأنية للبحث عمن يتقنون هذا النوع من الموت عن قناعة وسبق إصرار، وهذا يحتاج إلى الوقوف على نقطتين، الأولى استعداد الفرد في المجتمع لتنفيذ عملية عسكرية انتحارية، وهؤلاء لم يكونوا في معظم الأحيان من اليائسين، ولكنهم رأوا في أنفسهم مقاتلين يضحون بأنفسهم من أجل شعبهم.

 

أما ثانيتهما فحرص التنظيم المشرف على الظاهرة على تحويلها إلى ثقافة تصبح  سلاحا إستراتيجيا، ولهذا ليس من السهل أن يختار ويرشح أناسا للموت بهذه الطريقة، فهذا مشروع نفسي يحتاج إلى عبقرية في الانتقاء والاختيار حتى يتحقق النجاح كما يقول الكتاب.

 

"
يرى الكتاب أن الفتاوى التي تبيح "العمليات الانتحارية" أصبحت مرتكزات ووثائق ومراجع لهؤلاء الشباب ومن يقف خلفهم من قادة سياسيين وفصائل تنظيمية
"
أدوات التشجيع

يرى الباحثان أن هناك معطيات كثيرة تدفع هؤلاء "الانتحاريين" نحو هذا العمل، خاصة العنصر الثقافي، فالكثير من الأدوات الثقافية والأيديولوجية تدفع بهؤلاء الشبان إلى البحث طوعا عن الموت بهذه الطريقة والذهاب إليه فرحين دون خوف ولا وجل.

 

وتعزو الدراسة ذلك إلى قوة بيان الزعامات الدينية وسلاسة خطابهم الديني المرفق بالشواهد من الماضي التي تشجع على الإقدام.

 

يضاف إلى ذلك أن هذه الظاهرة في المجتمع الفلسطيني باتت مستوعبة ومهضومة، حيث ينظر إلى منفذ العملية "الانتحارية" على أنه رمز وإلى عائلته على أنها عائلة شهيد تستحق التكريم والاحترام.

 

ويركز المؤلفان أيضا على أن الدعم لعائلات "الانتحاريين" كان مشجعا، حيث تبرعت الجهات العديدة بعشرات الآلاف من الدولارات للعائلة الواحدة، إضافة إلى تأمينهم صحيا واجتماعيا. كل هذه المعطيات شجعت "ظاهرة الإرهاب الانتحاري" كما يرى الكاتبان.



 

ويقول الكتاب إن القضية الأكثر تشجيعا هي فتاوى العلماء المسلمين التي تبيح لهؤلاء الشبان أن يتسابقوا نحو الموت بطريقتهم الخاصة، هذه الفتاوى التي صدرت في العالم الإسلامي من جموع كبيرة من أساتذة الدين والشريعة في الجامعات والمعاهد والمراكز الدينية، فأباحت هذا النوع من الجهاد ضد اليهود، بل الأخطر كما يصف المؤلٌف أن هذه الفتاوى أصبحت مرتكزات ووثائق ومراجع لهؤلاء الشباب ومن يقف خلفهم من قادة سياسيين وفصائل تنظيمية.

المصدر : غير معروف