عرض/ كامبردج بوك ريفيوز

الكاتبة والروائية المصرية أهداف سويف التي تقيم في بريطانيا اسم معروف لدى الكثير من البريطانيين, إذ أطلت عليهم من خلال رواياتها وكتاباتها وحضورها الدائم والمؤثر والمحبب في المشهد الثقافي والصحفي البريطاني.

 

أصدرت أربعة كتب وروايات, منها خارطة الحب التي رشحت سنة صدورها لجائزة بوكر الرفيعة للأدب لكنها حجبت عنها بسبب ما أثير من لغط صهيوني حولها لكونها تتضمن مواقف ضد إسرائيل.

 

- العنوان: ميتزاتيرا.. قبسات من أرض مشتركة

- تأليف: أهداف سويف

- عدد الصفحات: 338

- الناشر: بلومزبري، لندن

- تاريخ النشر: 2004

كتاباتها الصحفية, وخاصة في صحيفة غارديان لا تجامل, وتنقل دائماً "الصورة والألم من الداخل" وكانت قد أوفدتها الصحيفة عدة مرات كي تنقل نبض الشارع في القدس ورام الله والقاهرة، ونشرت نصوصاً بديعة بعضها ترجم إلى العربية, وبعضها ظل بين طيات الصحف.

 

مؤلفها الجديد يعيد الحياة إلى النصوص التي نشرت هنا وهناك وما زالت حروفها وثيقة الصلة برهان الحياة. وهي نصوص تمتد على مدار عشرين عاماً, لا تنقل سيرة شخصية أو انطباعات فردية, رغم أنها تتلون بذلك, بل ترصد تحولات سياسية وثقافية واجتماعية ترى من وجهة نظر عربية مستوطنة في بريطانيا.

 

ينقسم الكتاب إلى جزأين, الأول بعنوان "المقالات السياسية" والثاني بعنوان "أدب وثقافة وسياسة". في القسم الأول أدرجت المؤلفة مساهماتها الأساسية في الصحافة البريطانية وخاصة ما كتبته في غارديان إثر إرسالها إلى الأراضي المحتلة خلال الانتفاضة لترصد الوضع وتقدم قراءة ميدانية عن الناس ومشاعرهم للقراء البريطانيين.

 

وفي القسم الثاني تدرج مساهماتها الثقافية والأدبية والنقدية وانخراطها في الحياة الثقافية البريطانية، والسجالات التي لها علاقة بشكل أو بآخر بقضايا وآراء وروايات عن العرب.

 

"
من المستحيل أن تجد مقاربات إعلامية غربية متوازنة تعرض قضايا شعوب المنطقة العربية والإسلامية بقدر من العدالة والإنصاف
"
اغتراب وهوية

كيف يمكن للعربي أو العربية أن يصبح مواطناً بريطانياً يهتم بالسياسة المحلية, بصعود وهبوط تاتشر, بتغير أسعار البيوت, بتأييد فريق رياضي على غيره, وفي نفس الوقت يحافظ على علاقته بوطنه الأم وهويته الأصلية؟

 

تقول أهداف إن المرء قد ينجح في إقامة التصالح بين الوضعين, لكن الشعور بالغربة عن المجتمع الجديد يتبدى أكثر ما يتبدى عندما يأتي ذكر مصر, أو العرب, أو متابعة التأييد الأعمى لإسرائيل.

 

فهنا ينشطر التصالح, إذ لا تتعرف أهداف على نفسها أو بلدها أو ثقافتها الأصلية عندما تراها مصورة في الإعلام البريطاني.

 

وتضيف أن نشوء أزمة "الهوية" عند الكتاب العرب وحتى الناس العاديين مربوط بقوة بنظرة الغرب إلى العرب, وأن المسألة كلها لم تكن مطروحة في السابق لأن الشعور بالهوية كان عادياً ولم يكن مفتعلاً, لكن كثرة الضغط عليها وحولها وتر أصحابها ووتر طروحاتهم إزاءها.

 

وتقول الروائية بالفصل الأول الموسع من الكتاب إنه خلال العشرين سنة الماضية, من الغزو الإسرائيلي للبنان, إلى الحرب العراقية الإيرانية, إلى غزو أفغانستان وذهاب ألوف الشبان العرب هناك ليقتلوا, إلى انهيار الاتحاد السوفياتي, إلى غزو الكويت وحرب الخليج, وصولاً إلى "النظام العالمي الجديد" كان من المستحيل عليها أن تجد مقاربات إعلامية متوازنة تعرض شعوب المنطقة وقضاياها بقدر من العدالة والإنصاف.

 

بل بدا وكأن الإعلام المذكور منخرط في أهداف "النظام العالمي الجديد" الذي يستهدف السيطرة والتحكم في العرب والمسلمين فيما يستهدفه.

 

وتتساءل الكاتبة: هل التشويه الإعلامي الذي يلحق بالعرب والمسلمين في الإعلام البريطاني والغربي له نظير في الإعلام العربي إزاء الغرب والغربيين؟ وجوابها على ذلك بالنفي, وتقول إن الإعلام العربي يتناول من الغرب سياساته وتقدمه التكنولوجي وفنه وخاصة ما يتعلق بالعالم العربي.

 

"
ما ميز حركات التحرر الثقافي الكبرى التي واجهت الإمبريالية الغربية أنها سعت إلى التحرر لكن ضمن نفس الفضاء الخطابي الموجودة فيه أي الثقافة الغربية
"
ميتزاتيرا.. ذات تنوع

التنوع الثقافي في مصر, حيث تلتقي الثقافات والفنون والآداب الإنجليزية والفرنسية واليونانية والروسية والتركية وغيرها، أثرى مصر الستينيات وجعلها ملتقى جميلا لمكونات متعددة ومتنوعة من كل مصادر الثقافة في العالم.

 

وفي نفس الوقت لم يكن ذلك ليؤثر في سؤال "من نحن؟" وتقول أهداف سويف إن سؤال الهوية لم يلح عليها إلا حين أصبحت تقيم خارج مصر بشكل دائم.

 

ويشعر القارئ بأن ثمة رومانسية بارزة بين سطور سويف وحنين إلى حقبة الستينيات التي تعتبرها فضاء موسعاً لالتقاء الثقافات على أرضية مشتركة وممتدة, تتلاقح فوقها التقاليد المختلفة والمتعددة.

 

وهذه الأرضية التي تتصف بذلك التعدد الجذاب والمتلاقي تنحت لها الكاتبة وصف "ميتزاتيرا" وهو تعبير لاتيني يصعب إيجاد كلمة واحدة تنقل بدقة مضمونه, إذ ينطوي على عدة معان في آن معاً, فهو يعني "أرض التلاقي" أو "الأرض المتوسطة أو المشتركة".

 

على تلك الأرض تلاقت أجناس وبشر مختلفون, وعليها قام استعمار وقامت مقاومة, وتتالت أجيال. وهي أجيال أبقت جوانب الفن والثقافة والاغتناء الغربي, وفي نفس الوقت قاومت جوانب الطغيان والطمع والاستعمار في الغربي نفسه.

 

وتفرق المؤلفة بوضوح هنا بين الغرب الثقافي الأدبي والغرب المستعمر, وتقتبس من إدوارد سعيد مقولته المهمة "إن ما ميز حركات التحرر الثقافي الكبرى التي واجهت الإمبريالية الغربية هو أنها سعت إلى التحرر لكن ضمن نفس الفضاء الخطابي الموجودة فيه أي الثقافة الغربية".

 

تبعثر الأرض المشتركة

مع قدوم عقدي الثمانينيات والتسعينيات تبعثرت الأرض المشتركة وانتشر العداء بين مكوناتها، فهنا اعتبر الإسلام وأهله العدو الأول للغرب، فوقع شرخ كبير في قلب تلك الأرض, له خلفية تاريخية عميقة.

 

ولئن كان على منظري الغرب في وصفهم للاتحاد السوفياتي بأنه إمبراطورية شر أن يشيدوا تلك النظرية من الصفر حتى يجيشوا العداء لها, فهم في حال استعداء الإسلام واعتباره "العدو" لم يحتاجوا إلى البداية من الصفر, بل استدعاء العداء التاريخي والاستعماري.

 

هنا أصبح "الإرهاب الإسلامي" هو العدو الأكبر وقامت الماكينة الإعلامية الغربية بالتورط في خلق صورة وحشية لهذا "العدو" عوضاً عن الاتحاد السوفياتي.

 

ولئن كان إرهاب الجيش الأيرلندي قد عزي دوماً إلى أسباب سياسية ولم يكن يوصف بأنه "إرهاب كاثوليكي", ولئن كانت نضالات المؤتمر الأفريقي في جنوب أفريقيا توصف بأنها "إرهاب المؤتمر الأفريقي" وليس "الإرهاب الأسود" أو "الإرهاب الأفريقي", فإن الإسلام وحده نسبت إليه أعمال معتنقيه, وصار وصف "الإرهاب الإسلامي" شائعاً وعادياً.

 

تستطرد أهداف سويف في وصف حالة العالم الراهن وسيطرة المحافظين الجدد وكيف تحولت الـ "ميتزاتيرا" إلى أرضية من العداء المتبادل والتخويف وإعلان الحروب الشاملة التي تبدأ ولا تنتهي.

 

وهي تحمل المسؤولية للإدارة الأميركية المتطرفة على المستوى العالمي, ولإسرائيل على المستوى الإقليمي المسؤولة عن تسميم الأمور في المنطقة.

 

والخوف الأكبر هو أن المحافظين الجدد أمامهم الآن أربع سنوات أخرى للمضي في مشاريعهم التدميرية للسيطرة على العالم، وإن تحالفاً بين هؤلاء وبين تيارات المسيحية الصهيونية التي تؤمن بأن دعم إسرائيل ضرورة عقدية، يعني أننا ندخل في مرحلة بالغة السواد.

 

لكن برغم ذلك, تقول الكاتبة إنه ما زال هناك أمل. وهو أمل يتجسد في أعمال ورؤى وأنشطة أصحاب الضمائر الحية في الغرب وفي الشرق الذين يلتقون على ما تبقى من أرضية "الميتزاتيرا", ويناضلون من أجلها, ويتظاهرون ضد من يريد تقسيمها وتحطيمها.

 

"
مقابل كل دولار تنفقه الولايات المتحدة على أفريقي تنفق أكثر من 250 دولارا على إسرائيلي
"
ضد شارون وحرب أميركا

في قسم المقالات السياسية نقرأ أيضاً مقالات ومقاربات انهمكت جميعها في الدفاع عن "الأرض المشتركة" التي استهدفت بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر, وأصبح المسلمون من بعدها هدفاً لكل من هب ودب.

 

تناولت المؤلفة التعميمات الإعلامية والسياسية والجنون الذي دب في الإدارة الأميركية المحافظة, ثم شن الحرب في أفغانستان ومن بعدها العراق.

 

وتوقفت أكثر من مرة -وملياً- عند الموقف البريطاني التابع. كما انتقدت البلدين أميركا وبريطانيا, على سكوتهما المخجل إزاء جرائم شارون في الأراضي المحتلة خلال سني الانتفاضة الثانية.

 

بل كان أحد مقالاتها عبارة عن رسالة غاضبة موجهة إلى رئيس الوزراء البريطاني توني بلير نشرتها غارديان, تطالبه بالتدخل لإيقاف المجازر بحق الفلسطينيين، وتستشهد فيها بأقوال جنود إسرائيليين رفضوا الاستمرار في الخدمة العسكرية لما تسببه لهم من احتقار للذات لكونهم يقتلون أبرياء ويعملون على إذلال شعب.

 

وتقول أهداف سويف لبلير إنها تستشهد بتلك الأقوال حتى لا يتهمها أحد بأنها منحازة وغير موضوعية لكونها من أصل مصري.

 

وفي موضع آخر من المقالات السياسية تنتقد بقوة الدعم الأميركي لإسرائيل، وتشير إلى أن ذلك الدعم الأعمى بلغ حدوداً لا يمكن تصورها، إذ أنه مقابل كل دولار تنفقه الولايات المتحدة على أفريقي تنفق أكثر من 250 دولارا على إسرائيلي.

 

القصص المؤثرة التي تنقلها المؤلفة خاصة عن فلسطينيين تحدثت إليهم وعاشت معهم وراقبت كيف يعيشون حياتهم الصعبة هي من أهم ما يحتويه الكتاب. إنها رسالة الكتاب الأكثر تأثيرا ونفاذا في عمق ضمير القارئ الغربي. فهي تدعه يتأمل مثلاً في حال وليام (المسيحي المقدسي) خريج دراسة السياحة الذي يعمل سائقاً وزوجته من بيت لحم التي تعيش معه بطريقة غير قانونية لأنه غير مسموح لها بالإقامة مع زوجها المقدسي.

 

وقصص تروي فيها ساعتي تجوالها في القدس وبيت لحم وبيت جالا ونابلس وحارات الخليل واستجوابها مع ابنها على نقاط التفتيش من قبل الجنود الإسرائيليين، وغير ذلك كثير من الحكايات التي تخاطب الضمير الذي تقوم عليه أية "ميتزاتيرا" ممكنة أو مأمولة.

 

"
إدوارد سعيد مثال المثقف العالمي الإنساني الصافي الذي دمر هيكل الاستشراق الغربي بكامله وحرر من تحته العبيد الذين هم ناس الشرق ومجتمعاتهم
"
ضد الاستشراق الجديد

في قسم الأدب والثقافة نتجول مع الكاتبة في تناولها لأكثر من موضوع في أكثر من مناسبة، فنتوقف معها وهي تنتقد وتفكك كتاب الأديب الإنجليزي وليام غولدنغ عن مصر, وهو الكتاب الذي كان حصيلة زيارة ميدانية له، أراد من خلاله أن يتعرض للمصريين الأحياء, وليس المصريين الأموات أي الفراعنة ومصر الأهرامات.

 

وقبل سفره لمصر اتصلت دار النشر بأهداف سويف وعرضت عليها أن تساعد في تنظيم الرحلة, فكان أن فعلت وعملت على ضمان أن "يتصل ويتواصل" مع المصريين العاديين.

 

لكنه في مصر حافظ على مسافة استعلائية ولم ينخرط معهم بل كتب عنهم ملاحظات استشراقية سطحية آلمت أهداف وشقيقها الذي كان قد رافق غولدنغ (الحائز فيما بعد على جائزة نوبل للأدب) خلال رحلته.

 

إدوارد وأهداف

تكتب المؤلفة بحرارة وحميمية عن إدوارد سعيد, وفي كتابها ثلاث مساهمات متعلقة به، وكانت صداقتها به تمتد لأكثر من عشرين سنة ابتدأت باهتمام من قبل سعيد بها وبكتاباتها وخاصة كتابها الأول "عائشة"، ثم تطورت تلك العلاقة فأصبحت عائلية.

 

وترى أهداف في سعيد مثال المثقف العالمي الإنساني الصافي الذي دمر هيكل الاستشراق الغربي بكامله وحرر من تحته "العبيد" الذين هم ناس الشرق ومجتمعاتهم.


 

وهي إذ تعتبره الأستاذ والمعلم فإن المرء لا يحتاج إلى براعة إضافية ليلحظ أثره في نصوص أهداف سويف، واتباعها لمنهجه التفكيكي للتنميطات الغربية الإعلامية والروائية إزاء الشرق وأهله.

المصدر : غير معروف