عرض/إبراهيم غرايبة

يتناول هذا الكتاب الذي يشترك في تأليفه مجموعة من الخبراء والمفكرين عالما من الغموض والشكوك المتزايدة التي تخضع بيئة العمل اليوم لتغيرات متسارعة، ويلقى الضوء على طريقة إعادة تنظيم الشركات من أجل البقاء والازدهار في بيئة الغد العلمية التي تتسم بالمنافسة الشديدة، وكيف يمكن للمديرين أن يتعلموا التكيف مع التغيير وتطوير أدائهم تغييرا جذريا.
 

-العنوان: إعادة التفكير في المستقبل
-المؤلف: 17 خبيرا في الإدارة والدراسات المستقبلية
-عدد الصفحات: 336       
-الناشر: مركز الإمارات للدراسات والبحوث الإستراتيجية، أبوظبي
-الطبعة: الأولى 2004      

إعادة التفكير في الأعمال
يعرض روان جبسون هنا تجربة الآفاق الجديدة للأعمال التي بدأتها شركات صغيرة مغامرة منذ أواسط السبعينيات وأوائل الثمانينيات، وبدأت تسقط مئات الشركات من قائمة الـ 500 لمجلة فورتشن (Fortune) لتصبح بطيئة أو متفرجة أو على قارعة طريق المستقبل.
 
واليوم وفيما ننظر إلى المستقبل لا يوجد يقين مطلقا حول الجهة التي نتجه إليها، أو كيفية الوصول إليها، فلم نعد نرى طريقا طويلا مستقيما مفتوحا يمتد في الأفق، بل صرنا نجد أنفسنا نحدق في نهاية الطريق.
 
ويمكن القول إن نهاية القرن العشرين تمثل نهاية نظام برمته، نهاية النموذج الصناعي ونهاية عالم ما بعد الحرب ونهاية الإدارة ونهاية دولة الرفاه ونهاية الشيوعية ورأسمالية ما بعد الحرب وربما نهاية التاريخ (وفقا لفرانسيس فوكوياما).
 
لذلك سيكون المستقبل منقطعا عن الماضي وليس متصلا به، ولتحقيق النجاح في التفكير المستقبلي يجب أن نقوم بقفزة فكرية من الخطي إلى اللاخطي، ومن المعلوم إلى المجهول، ومن الأرض الثابتة إلى الأرض غير المستقرة المجهولة.
 
"
نهاية القرن العشرين تمثل نهاية نظام برمته، نهاية النموذج الصناعي، ونهاية عالم ما بعد الحرب ونهاية الشيوعية ورأسمالية ما بعد الحرب وربما نهاية التاريخ
"
وهنا تنشأ أسئلة كثيرة يمكن الاستعانة بها في التفكير وإعادة التفكير:
لماذا تتغير طبيعة المنافسة؟ ماذا يعني اقتصاد الشبكة؟ وكيف سيعمل؟ وبماذا سيكون مختلفا عن الاقتصاد الصناعي؟ هل من الأفضل أن تكون أكبر وأكثر قوة أم أن تكون أصغر وأكثر مرونة في الاقتصاد العالمي؟ هل ستجعل التقنية الموقع الجغرافي أقل أهمية أم ستجعل مواقع بعينها أكثر أهمية لبعض الصناعات في القرن الحادي والعشرين؟ لماذا ستكون المعركة الاقتصادية في القرن الحادي والعشرين مختلفة عن المعارك الاقتصادية السابقة؟
 
وما مدى أهمية الدور الآسيوي في المعركة؟ وهل سيعيد تحديث آسيا مركز الجذب الاقتصادي والسياسي والثقافي العالمي من الغرب إلى الشرق؟ هل سينشأ صراع بين الأشكال المختلفة للرأسمالية بعد انتهاء الصراع بين الشيوعية والرأسمالية؟ هل ستبقى الحكومات على حالها أم أنها ستنتهي؟ وهل سنتجه إلى عالم لا حكم فيه بالضرورة، عالم خارج عن سيطرتنا؟
 
إعادة التفكير في المبادئ
يقر هذا القسم بتفاؤل بأننا نملك سلطة القوة اللازمة لإنشاء المستقبل، فيحب إعادة النظر من جديد في المبادئ التي تسترشد بها المؤسسات والمجتمعات والحياة الشخصية، لكن يتطلب التفكير المستقبلي أن نتفحص ما الذي نبتكره ونخترعه بالفعل وما سبب ذلك، ويتطلب أيضا إيجاد الحس والشعور في العالم الذي يزداد غموضا ونعيش فيه، ويوفر كذلك نوعا من المشورة العلمية للعثور على ممرات عبر التناقض والمفارقات.
 
يعرض الكاتب هنا تجربة كولين هول المدير التنفيذي لأكبر مجموعة مبيعات بالتجزئة في جنوب أفريقيا، وتتلخص تجربته بالمبادئ التالية:
 
تبدأ العديد من المبادرات بداية جيدة، لكنها تميل إلى التدهور الدائم والحتمي بعد برهة وجيزة، فكيف يمكنك أن تحافظ على استمرار الزخم عاما بعد عام؟
 
ماذا يمكن للمؤسسات والقادة أن يفعلوا ليصبحوا أصحاب مبادئ وليحسنوا فرصهم في النجاح في المستقبل؟ وما شكل الميراث الذي تريدونه لمؤسستكم؟ ولأبنائكم؟ كيف تريدون أن يتذكركم الناس؟ هل تريدون أن تكونوا أشخاصا سعوا للتوحيد والتكامل وقدموا مساهمات وخدمات جليلة ومهمة؟
 
إعادة التفكير في المنافسة
يعالج هذا القسم التغيرات الجوهرية التي تجري في طبيعة المنافسة، ويقدم طرقا جديدة للبحث عن المنافسة في سياق الاستعداد للاقتصاد العالمي في القرن الحادي والعشرين، ويساعد في التركيز على خلق فرص للغد، ويحدد بعض الخطوات الرئيسية التي يمكن أن تقوم بها الشركات والحكومات في الوقت الراهن استعدادا للمنافسة المستقبلية.
 
إعادة التفكير في السيطرة والتعقيد
يهتم هذا القسم بهيكلة المؤسسات في القرن الحادي والعشرين وإدارتها، ويركز على الحاجة إلى تحدي الفرضيات والنماذج المؤسسية القديمة التي لم يعد لها معنى في العصر ما بعد الصناعي، كما يركز على إبداع طريقة جديدة  في التشغيل تقوم على العمليات المتطورة ومنح التفويض للأفراد، ويقدم وصفا للبنية التحتية للمؤسسة بحيث يمكن تعزيز الطموح الجماعي والتفكير المنظم، حيث يستطيع الموظفون في المؤسسة أن يكونوا مبدعين لا مجرد مستجيبين، وحيث يمكنهم تعلم كيفية التعلم معا بطريقة انتقالية.
 
"
القيادة من منظور جديد هي طريقة لتحرير القوى العقلية للمؤسسة ولتكوين رأس المال الفكري
"
إن المؤسسات التي ستكون في المقدمة هي التي تعيد تشكيل وتعريف صناعتها بالفعل، والسؤال هو كيف يمكن أن نجعل الصناعة ذات بيئة تنافسية أفضل؟ والمؤسسات الرائدة سوف تتخذ موقف الفاعل للتأثير فيها وحتى إعادة هيكلتها، غير أن هناك حدودا لذلك بالطبع، والأمر المهم هو طبيعة المنافسة وصياغتها للسيطرة على مصير المؤسسة.
 
ويصبح تغيير الإستراتيجية التنافسية ضروريا عندما تتغير الاحتياجات الأساسية لمجموعة الزبائن، أو عندما لا يعود نوع معين من المنتجات مميزا، كما ينبغي أن تتغير الإستراتيجية عندما ينتهي التوازن بظهور تقنية جديدة أو بظهور تغيرات لدى الزبائن.
 
والمؤسسات تعلم نفسها لتواجه التنافسية الجديدة، ويجب أن تتعلم بسرعة، وأن تستوعب هذه المعرفة وأن تطور رؤى جديدة، وقد تحتاج أن تتحول إلى نموذج الجامعات، وأن تنشئ بيئة جديدة قائمة على التكيف مع التغيير وتتوقعه دائما.
 
ويجب على المؤسسات أن تعيد تجميع فكرة الإستراتيجية، فالنجاح أصبح قائما على صنع الخيارات على نحو متزايد، وتجنب الضغوط الهائلة، من أجل التوصل إلى التراضي وتفادي الإرباك.
 
إعادة التفكير في القيادة
يساعد هذا القسم في النظر إلى القيادة من منظور جديد، باعتبار ذلك طريقة لتحرير القوى العقلية للمؤسسة ولتكوين رأس المال الفكري، ويقترح كيفية إيجاد لا مركزية السلطة بنجاح في المؤسسات الشبكية، وكيفية قيادة جهود التغيير الناجحة، ويوضح سبب كون مصدر السلطة الحقيقي في المؤسسة المستقبلة هدفا ذا معنى، وسبب حاجة المؤسسة المستقبلية هدفا ذا معنى، وسبب حاجة المؤسسة إلى تزويدها بجيل جديد من القادة.
 
سيكون العمل مقسما حسب العاملين إلى ثلاثة أنواع، غالبية عظمى تؤدي أعمالا ذات علاقة بالقيمة المضافة، وهم أولئك الذين يقومون بالعمل الحقيقي سواء كان روتينيا أم مبدعا، وفريق من المدربين لتوجيه الأغلبية وتمكينهم من أداء عملهم، وعدد من القادة يوجهون المؤسسة ويديرونها، ومجموعة القادة هؤلاء ستكون من المغامرين، وليس بالضرورة من الشباب أو الكهول، وسينخفض عدد المديرين إلى 50% من عددهم اليوم، وستشهد المهن الفردية تحسنا.
 
وكما تفاوتت الثقافات في التعامل مع الثورة الصناعية فإن المرحلة الجديدة ستشهد أيضا تفاوتا بين الدول والمجتمعات، وستكون هناك فرصة للاقتصادات الناشئة للقفز إلى مواقع مفيدة وقيادية لأنها لن تكون مقيدة بمعطيات وظروف لم تعد موجودة.
 
"
القائد المؤهل للنجاح في المستقبل هو من لا يعتقد أنه جيد، فجوهر التقدم هو التواضع والبحث عن الجديد ومحاولة التعلم
"
والقائد المؤهل للنجاح في المستقبل هو من لا يعتقد أنه جيد، فجوهر التقدم هو التواضع والبحث عن الجديد ومحاولة التعلم، والنجاح في الماضي لا يؤشر على النجاح في المستقبل، فالعالم تغير كثيرا لدرجة أن صيغ النجاح الماضية لم تعد مضمونة، وقد تكون من صيغ الفشل في المستقبل.
 
كيف تعبر للمديرين عن الحاجة إلى تغيير طريقة تفكيرهم إذا أرادوا أن ينجحوا في القرن الحادي والعشرين؟

يجب التأكيد هنا على فشل وخطأ الفكرة القائلة بأن طريقة زيادة الأرباح تتم عبر سياسة التقليص وتقليل النفقات، وبدلا من ذلك علينا أن نتعلم كيف نزيد المبيعات، وكيف تصمم العروض التي يصعب أو يستحيل رفضها، وسيكون السؤال:
 
هل تعلمون ماذا تغيرون؟ وإلى ماذا تغيرون؟ وهل تخشون التغيير؟
 
إن معظم المديرين يعرفون أن طريقة إدارة الأعمال في المستقبل ستكون مختلفة تماما عن الطريقة التي كانت تتم بها في الماضي، وأنه ينبغى أن يديروا أعمالهم بطريقة ترضي زبائنهم والعاملين معهم.
 
إعادة التفكير في الأسواق
يدرس هذا القسم التغيرات الرئيسة في طبيعة الزبون وفي العلاقة التسويقية الضرورية من جهة والزبون والمؤسسة من جهة أخرى، ويستعرض القوى الديموغرافية المهيمنة في أوائل القرن الحادي والعشرين، إلى جانب توجهات الجيل الجديد من الزبائن ومطالبهم في الأنواع الجديدة من الأسواق، ويبحث هذا القسم في الطريقة التي ستعمل بها التقنية على تطوير طريقة تسويقنا للمنتجات والخدمات.
 
يحتاج التسويق في هذه المرحلة التأسيسية إلى أن يعمل به المديرون في المستويات العليا ولا يترك لمديري ومندوبي التسويق لأجل الإعداد لرؤى تسويقية تدرك التغيرات والآفاق المستقبلية، فلم يعد في هذه المرحلة مكان لقادة الأبراج المعزولة.
 
وربما تكون التسلية هي أهم ملامح السوق الجديدة، حتى السلع الأساسية أصبحت تسوق على أساس التسلية أو الحصول على التسلية مع الحصول على الخدمة والسلعة الأساسية.
 
ويتجه سوق المشتريات إلى قطاعين، المستهلكين ذوي الدخل المرتفع، والمستهلكين ذوي الدخل المنخفض، بينما يتقلص حجم الطبقة الوسطى باستمرار، وهي التي تعد حاليا كبرى الطبقات حجما، وسيغير هذا من طبيعة التسويق ليتجه إلى هاتين الطبقتين بدلا من التركيز على الطبقة الوسطى كما كان الأمر طوال العقود الماضية.
 
إعادة التفكير في العالم
"
تتحول آسيا اليوم إلى مركز للعالم سياسيا واقتصاديا وثقافيا بدلا من الغرب
"
يتناول هذا القسم التغيرات غير المسبوقة التي تأخذ مجراها في الأعمال وفي المجتمع على المستوى العالمي، ومنها التغير في طبيعة المنافسة الاقتصادية العالمية، والدور المتغير للحكومات في العالم الذي يزداد اعتمادا على الشبكات، وإمكانية أن تصبح آسيا مرة أخرى منطقة مهيمنة على العالم، وأثر اقتصادات الشبكة على قطاعات الأعمال كافة، والكيفية التي تغير بها الاكتشافات العلمية رأينا في العالم في بداية القرن الحادي والعشرين.
 
تؤثر اليوم في الشبكة العالمية الاقتصادية شبكة صينية قوامها 57 مليون صيني حول العالم قائمة على رواد مستثمرين بدأت تنضم إليهم شبكة داخل الصين، ومن المحتمل أن نشهد شبكة هندية ثانية.
 
والاقتصاد الآسيوي يشهد تحولا من التصدير إلى الاستهلاك، وتبتعد الثقافة الآسيوية اليوم من الهيمنة الغربية إلى الخصوصية الآسيوية، وتتجه الدول الآسيوية من السيطرة الحكومية إلى حالة تكون فيها السوق هي القوة الدافعة، وتنشأ مدن ضخمة بدلا من القرى الريفية، ويتحول الاقتصاد من الزراعة إلى الصناعات التحويلية والخدمات، وتتلاشى اقتصادات العمالة الكثيفة لصالح التقنية العالية.
 
وبدأت المرأة تنافس الرجل في العمل والقيادة، وتتحول آسيا اليوم إلى مركز للعالم سياسيا واقتصاديا وثقافيا بدلا من الغرب، وهي اتجاهات تفتح المنطقة أمام خيارات جديدة.

المصدر : غير معروف