عرض/إبراهيم غرايبة

تقوم الولايات المتحدة الأميركية بدور الضامن الرئيسي للمصالح الأمنية للدول الغربية خارج حدود القارة الأوروبية، إلا أن ضرورات سياسية واقتصادية وعسكرية في بعض الحالات تفرض عليها أن تتقاسم مع حلفائها هذا العبء، لذا فإنها تحض حلفاءها الأوروبيين على أداء دور أكثر بروزا في الدفاع عن تلك المصالح، وخصوصا في منطقة الخليج العربي التي تعتمد فيها أوروبا كليا على القوة العسكرية الأميركية لحماية إمدادات النفط.

يستقصي هذا الكتاب السيناريوهات التي ستحتاج في إطارها الولايات المتحدة الأميركية إلى مساهمة عسكرية كبيرة من حلفائها الأوروبيين في الدفاع عن منطقة الخليج العربي، ويقوم قدرات أولئك الحلفاء في مجال حشد القوة العسكرية، ويحدد الوسائل الرئيسية لتحسين هذه لقدرات.

-العنوان: أمن الخليج العربي.. تحسين مساهمات الحلفاء العسكرية
-تحرير: ربتشىارد سوكولوسكي وستيوارت جونسون وإف. ستيفن لارابي
-ترجمة: الطاهر بوساحية
-عدد الصفحات: 210
-الطبعة: الأولى 2004
-الناشر: مركز الإمارات للدراسات والبحوث الإستراتيجية، أبو ظبي


ويجب التذكير هنا أن الكتاب يمثل جزءا من مشروع كبير تقوم به مؤسسة راند الأمريكية للدراسات، يتعلق بانعكاسات البيئة الأمنية المتغيرة في أوروبا وما حولها على الولايات المتحدة الأمريكية، وقد تم المشروع برعاية القائد العام للقوات الجوية الأمريكية، وأنجز البحث قبل الاحتلال الأمريكي للعراق، وتجري البحوث في إطار أربعة برامج، هي: تطوير القوات الجوية –الفضائية، وتحديد احتياجاتها من القوة البشرية والأفراد والتدريب، وإدارة الموارد، ووضع الإستراتيجية والعقيدة الحربية، كما أنه يقدم وجهة النظر الأميركي، ويعكس التفكير الأميركية الإستراتيجي لتحقيق مصالح الولايات المتحدة الأميركية.

تهديدات إمدادات الطاقة إلى الدول الغربية
إن أمن منطقة الخليج العربي قضية حيوية بصورة متزايدة خلال العقد القادم، فأولا سوف تستمر أوروبا في استيراد كميات ضخمة من النفط من منطقة الخليج العربي لتلبية احتياجاتها من الطاقة.

ثانيا، ستبقى إمدادات النفط في منطقة الخليج العربي عرضة لمجموعة من الأخطار والتهديدات الداخلية والخارجية.

ثالثا سوف تواجه المؤسسة العسكرية الأميركية ضغوطا متزايدة للوفاء بالتزاماتها الأمنية العالمية، في وقت تتحمل فيه القدر الأعظم من عبء الدفاع عن المصالح الغربية المشتركة في منطقة الخليج العربي.

وبالتالي فإن حلفاء الولايات المتحدة الأميركية الأوروبيين يواجهون مخاطر تتمثل في احتمال أن يؤدي نشوب أزمة عسكرية في منطقة الخليج العربي إلى إثارة توترات خطيرة في العلاقات الأميركية الأوروبية.

تتأثر الرؤى الأمنية الأوروبية، خاصة رؤى الأعضاء الجنوبيين في حلف شمال الأطلسي، بصورة متزايدة بالأهمية المتزايدة التي تكتسبها صادرات الغاز الطبيعي القادمة من منطقة شمالي أفريقيا.

تلعب إمدادات الغاز من هذه المنطقة، التي لاتزال تعاني تحديات سياسية واقتصادية واجتماعية جمة، دورا متناميا في خطط التنمية الاقتصادية والتحديث الخاصة بدول الاتحاد الأوروبي، حيث تستورد فرنسا وإسبانيا وإيطاليا جزءا كبيرا من احتياجاتها من الطاقة من دول المغرب العربي.

وأصبحت الحكومات والمؤسسات الأمنية في هذه الدول الأوروبية الثلاث قلقة بقدر متزايد من احتمالات أن يؤدي أي اضطراب ونزاع في المنطقة إلى عرقلة انسياب إمدادات الغاز منها.

"
تساهم منطقة الخليج العربي بنسبة 60% تقريبا من احتياطات النفط العالمية المؤكدة، و30 % من إجمالي النفط المتداول في التجارة العالمية
"
وتتبدى مثل هذه المخاوف في تزايد التخطيط والاستعدادات العسكرية من قبل هذه الدول للاحتياط لمواجهة الانقطاع المحتمل لإمدادات الطاقة من منطقة شمالي أفريقيا.

وفي الواقع، إذا لم تتوافر الوسائل غير العسكرية، أو لم تكن فاعلة، فمن المتصور أن يؤدي مثل هذا الانقطاع إلى إمكانية دفع بعض الأعضاء الجنوبيين في الحلف إلى حشد قوة تحت قيادة أوروبية، مع طلب دعم من الحلف للقيام برد فعل عاجل.

وفي مثل هذه الحالة الطارئة، يمكن أن يطلب من الولايات المتحدة الأميركية أن تقوم بتقديم دعم لوجستي واستخباري ودعم في مجال القيادة والسيطرة، هذا إذا لم تطلب منها المساهمة بقوات مماثلة.

لقد تزايدت الأهمية النسبية لمنطقة الخليج العربي بالنسبة إلى الأمن الغربي في الأعوام الأخيرة وسوف تستمر أهمية المنطقة في التزايد خلال الأعوام القادمة، إذ تساهم منطقة الخليج العربي بنسبة 60% تقريبا من احتياطات النفط العالمية المؤكدة، و30 % من إجمالي النفط المتداول في التجارة العالمية.

وعلاوة على ذلك فإنه من المتوقع أن تزداد الواردات الأميركية والأوروبية من نفط المنطقة خلال العقدين القادمين، و خلال هذه الفترة سوف تأتي نسبة 14% من إجمالي الاستهلاك النفطي في أميركا الشمالية من منطقة الخليج العربي، وهي نسبة أكبر من نسبة 8% التي سجلت عام 1995.

الحلفاء وأمن الطاقة.. الرؤى والسياسات
يتناول هذا الفصل من الكتاب مواقف الحلفاء الأوروبيين من الولايات المتحدة الأميركية وسياساتهم تجاه مسألة استخدام القوة لحماية أمن الطاقة التي تخص العالم الغربي، ويركز بوجه خاص على قضية تحديد الحليف الذي يمكن أن تعتمد عليه الولايات المتحدة الأميركية، وتحت أي ظروف، في تنفيذ عمليات عسكرية خارج أوروبا لحماية إمدادات النفط.

إن قضية تحسين القدرات العسكرية للحلفاء لحماية إمدادات الطاقة المهمة يمكن فهمها على أفضل نحو في إطار السياق الأوسع للجدل التاريخي الدائر داخل حلف شمال الأطلسي بشأن حساسية قضية "العمل خارج منطقة الحلف" والتعريف الجديد الذي طرحه "المفهوم الإستراتيجي" للهدف المستقبلي للحلف، وللولايات المتحدة الأميركية مصلحة قائمة منذ فترة طويلة في ضمان مساهمة عسكرية أكبر من جانب الحلفاء في الدفاع عن منطقة الخليج العربي.

وقد أدت المبادرات الأميركية الرامية إلى تشجيع التعاون الأوروبي في مجال التخطيط لعمليات عسكرية مشتركة وتنفيذها خارج حدود أوروبا إلى إثارة جدل محموم داخل دوائر حلف شمال الأطلسي أكثر من عشرين عاما.

"
للولايات المتحدة الأميركية مصلحة قائمة منذ فترة طويلة في ضمان مساهمة عسكرية أكبر من جانب الحلفاء في الدفاع عن منطقة الخليج العربي
"
عمليات التحالف المستقبلية
يرسم المفهوم الإستراتيجي الجديد الذي تبناه حلف شمال الأطلسي "خريطة الطريق" لبسط الاستقرار والأمن في كافة أرجاء المنطقة الأوروبية الأطلسية.

ويوافق العديد من الحلفاء على الحاجة إلى تطوير قدرات محسنة لإدارة الأزمات والعمليات الإنسانية في أوروبا، وتحمل مزيد من العبء العسكري الخاص بمواجهة هذه التحديات، غير أن المناطق الواقعة خارج أوروبا لا تدخل ضمن هذا الإجماع.

ومن المحتمل أن تؤدي هذه الاختلافات داخل حلف شمال الأطلسي بشأن الإستراتيجية والسياسة و المصالح في مناطق الخليج العربي وبحر قزوين وشمالي أفريقيا إلى إعاقة التوصل إلى إجماع داخل الحلف حول مسألة القيام بعمل عسكري مشترك لحماية إمدادات الطاقة.

ومن ثم فإنه من المتوقع أن يثير قيام الحلفاء مستقبلا بعمل عسكري مشترك في منطقة الخليج العربي جدلا حادا داخل شمال الأطلسي، ومن المحتمل أن يكون هذا هو الحال حتى في ظل أفضل الظروف، ونعني على وجه التحديد حالة وقوع عدوان عراقي (الندوة التي يغطيها الكتاب عقدت قبل الاحتلال الأميركي للعراق) أو إيراني واسع من دون أي استفزاز ينظر إليه بوضوح بوصفه يشكل تهديدا خطيرا للمصالح الأمنية الغربية، ويخضع للإجراءات التي يتخذها مجلس الأمن و يقابل باستهجان من المجتمع الدولي.

ومن المحتمل في ظل هذه الظروف أن تساهم كل من المملكة المتحدة وفرنسا وإيطاليا وهولندا بقوات قتالية، بينما ستظل المشاركة الألمانية والتركية غير مؤكدة.

غير أنه في حالة ظهور تحديات أكثر غموضا، و حين يكون التهديد أقل خطورة، وعندما لا يوجد تصور يرى أن مصالح الحلفاء معنية مباشرة بهذا التهديد، فإن رغبة الدول المذكورة آنفا في المشاركة في عمليات ينفذها تحالف ستكون أمرا مشكوكا فيه بقدر أكبر مما نتصور.

ومن المرجح أن تعتمد الولايات المتحدة الأميركية على المملكة المتحدة في كل أنواع الحالات الطارئة التي يشارك فيها التحالف، بغض النظر عما إن كان تحالف الدول المتفقة في الرأي يعمل بموجب تفويض من مجلس الأمن أو من دونه.

مساهمة الحلفاء في أمن الطاقة
تواجه الولايات المتحدة و شركاؤها في حلف الشمال الأطلسي تحديات كبيرة في مجال قابلية العمل المشترك، مع افتقار الأوروبيين إلى العديد من الأسلحة والتقنيات والوسائل المتقدمة التي تملكها القوات الأميركية.

هناك فجوات كبيرة بين القدرات الأميركية والأوروبية سواء في مجالات الذخائر الدقيقة التوجيه والنظم المتقدمة في مجال القيادة والسيطرة والاتصالات والدعم اللوجستي، أو في مجالات نظم جمع المعلومات الاستخبارية ودمجها وتوزيعها.

"
تواجه المؤسسات العسكرية الأوروبية حالة صعبة في التغلب على التحديين المتعلقين بالتكيف والتجهيز بالمعدات من أجل حشد القوة للتعامل مع حالات الانتشار على مسافات بعيدة في المستقبل
"
وظهرت هذه الفجوات في عملية "القوة المتحالفة" التي قدمت فيها الولايات المتحدة الأميركية 80% من القوات الجوية الفاعلة وقامت بتنفيذ أصعب المهمات مثل توجيه الضربات الدقيقة في الجو الملبد بالغيوم أو الجو شبه المعتم.

وبالإضافة إلى ذلك، تواجه المؤسسات العسكرية الأوروبية حالة صعبة في التغلب على التحديين المتعلقين بالتكيف والتجهيز بالمعدات من أجل حشد القوة للتعامل مع حالات الانتشار على مسافات بعيدة في المستقبل، بالإضافة إلى جسر الهوة التقنية بينها وبين الولايات المتحدة الأميركية.

يضاف إلى ذلك أن هناك مخاطر قد تترتب على تحمل الولايات المتحدة الأميركية عبء الدور القيادي في منطقة الخليج العربي.

وسيتطلب الحفاظ على العلاقة بين جانبي المحيط الأطلسي خلال الألفية الجديدة والتأييد اللازم من الشعوب الأوروبية والشعب الأميركي، إصدار التشريعات التي تركز بصورة متزايدة على ترتيب الأوضاع الداخلية، التي تفتقر إلى رؤية مشتركة للأهداف الإستراتيجية أو التفهم التام لفوائد إقامة شراكة أكثر شمولا وتوازنا وطموحا.

وبناء عليه فإن التحدي الرئيسي يكمن في التوفيق بين المتطلبات العسكرية والضرورات الإستراتيجية والسياسة الأكثر شمولا.

ويجب على الولايات المتحدة الأميركية أن تكون واقعية بشأن حجم القيود الأوروبية ومدى المساهمة العسكرية التي يمكن أن تتوقعها من حلفائها، إذ لن يكون بوسع أغلب الحلفاء الأوروبيين التغلب على القيود المتجذرة التي تعوق توسيع الالتزامات العسكرية الغربية إلى خارج أوروبا و تطوير قدرات حشد القوات اللازمة مستقبلا لكي تصبح هذه الالتزامات موثوقا منها.

وبالتالي فليس من الحكمة أن تتخلى المؤسسة العسكرية الأميركية عن قدرات عسكرية معينة أو أن تتجاهل تحديث قواتها على أمل أن يقوم حلفاؤها باستكمال الفارق.

"
التحدي الرئيسي يكمن في التوفيق بين المتطلبات العسكرية والضرورات الإستراتيجية والسياسة الأكثر شمولا
"
تبني أهداف جديدة للقوات
ينبغي أيضا وضع هدف جديد للقوات فيما يخص نظم "النجاة لمواصلة العمل"، والغرض من التفاوض حول هذا الهدف ينبغي أن يكون إنشاء نظام دفاع جوي متجانس كليا، و توفير قدرات الدفاع الصاروخي في مسرح العمليات، و امتلاك نظم الإنذار التي تنبه إلى وقوع الهجوم الجوي، حتى تتمكن القوات المتحالفة من العمل في منطقة آمنة.

ويجب أن يتم دمج هذه النظم الجوية والصاروخية بوسائل استشعار ومجسات الأسلحة النووية والبيولوجية والكيماوية وشبكات أنظمة الإنذار المبكر.

وينبغي للولايات المتحدة الأميركية أن تقود النقاش وتساعد الحلفاء على رسم مسار يؤدي إلى تكوين قدرات فاعلة في مجال امتلاك نظم "النجاة لمواصلة العمل" التي يجب أن تكتمل بمعدل أسرع من ظهور التهديد المحتمل وكل ذلك يتم بـ:
-إعادة النظر في البنية التحتية للحلف.
- وضع نموذج تخطيط منهجي جديد للحلفاء.
- التفكير في تشكيل فئة جديدة من القوات.

المصدر : غير معروف