عرض/ كامبردج بوك ريفيوز

أرونداتي روي روائية وناشطة سياسية هندية سطع نجمها في السنوات الأخيرة في المحافل المعادية للعولمة والتظاهرات المطالبة بنظام عالمي جديد منفك عن عالم السيطرة الأميركية والشركات المتعدية للحدود ورأسمالها المتراكم في الغرب على حساب بقية أجزاء العالم, كما تكرر القول في كل ما تكتب.

 

- الكتاب: دليل الشخص العادي إلى الإمبراطورية

- المؤلفة: أرونداتي روي

- عدد الصفحات: 156

- الناشر: ساوث إند برس (الولايات المتحدة)

- سنة النشر: 2004


كتابها الجديد هذا يتكون أساسا من مجموعة من مقالات أو خطابات كانت قد ألقتها في مناسبات متنوعة (في غالبها اجتماعات عالمية مناهضة للولايات المتحدة أو عولمتها). وهي كلها مساهمات حديثة كتبت في السنتين الأخيرتين أي أنها تناقش موضوعا أساسيا يشغل فكر واهتمام ونشاط وتحريض الكاتبة وهو الإمبراطورية الأميركية وصعودها, وما تقترحه من برنامج عمل سياسي لمقاومتها.

 

أرونداتي عرفها القراء في الغرب عام 1997 عندما نشرت روايتها المشهورة "إله الأشياء الصغيرة" التي ترجمت إلى العربية, وحصلت بها على جائزة بوكر للكتب, وهي الجائزة الرفيعة المستوى التي تمنح سنويا في بريطانيا. وفي تلك الرواية قدمت صورة أخاذة لهند الستينات والسبعينات بقصص لا تنتهي تحوم حول طلفين توأمين.

 

في روايتها تلك ثم في كل ما تلا كتاباتها عكست روي هموم الناس العاديين وآلامهم وطموحاتهم, وظلت تأخذ صفهم ضد منظومات القوى المسيطرة عليهم والتي تتحكم فيهم وفي مستقبلهم وتكرس فقرهم وضعفهم. ومن ثقافتها "الصفيحية" الطالعة من أحياء الفقر الهندية المعدمة تولد لديها إحساس فائق بضرورة مقاومة الظلم والإجحاف والطغيان وإعلان الحرب عليها جميعا.

 

والآن في كتابها الأخير تصل إلى قمة غضبها الذي تجاوز نطاق نقمتها على المظالم الهندية المحلية وصار غضبا معولما يبدأ بالتحريض على الولايات المتحدة ولا ينتهي بمداومة التحريض على كل حلفائها.

 

"
أميركا تبني إمبراطورية شريرة لم يسبق أن رأى التاريخ نظيرا لها لا من حيث القوة العسكرية الطاغية أو القوة الاقتصادية المستغلة لكل بقاع وثروات العالم
"
رسالتها في الكتاب تقول إن أميركا تبني إمبراطورية شريرة لم يسبق أن رأى التاريخ نظيرا لها, لا من حيث القوة العسكرية الطاغية, أو القوة الاقتصادية المستغلة لكل بقاع وثروات العالم. واستثنائية هذه الإمبراطورية تكمن أيضا في تفردها المدهش بالقوة, إذ هي الإمبراطورية الوحيدة التي يمكن أن تتصف بهذه  الصفة في عالم اليوم. على هذه الإمبرطورية، التي لا ترى فيها أرونداتي أي إيجابية أو جانب مفيد، تشن حربها التي لا هوادة فيها.

 

في أغلب الأحيان يجد القارئ أو "الشخص العادي"، الذي تريد له أرونداتي الاستدلال على الإمبراطورية, المسوغات التي لا يمكن الخلاف حولها والتي تبرر غضب أرونداتي ولغتها التحريضية التهكمية على الإمبراطورية.

 

لكن في أحيان أخرى أقل يشط بها الغضب لدرجة طرح بعض الأفكار الخلافية أو غير العملية, بل وربما تضر بالهدف الذي ترتجيه هي نفسها من وراء دعوتها ونشاطها.

 

إعلام الإمبراطورية

في الفصل الأول من كتابها المعنون "السلام هو الحرب: الأضرار الجانبية لاندلاع الأخبار" تشن أرونداتي هجوما عنيفا على الإعلام الغربي، ولا تعتبره نصيرا للإمبراطورية فحسب بل جزءا عضويا منها.

 

وتقول إنه كي تسيطر على الإمبراطورية فإنه لابد لك من السيطرة على الإعلام, وهو ما حدث ويحدث الآن في حال الإمبراطورية الأميركية الحالية.

 

ولهذا فإن أهم قنوات ومحطات الإعلام الأميركية مسيطر عليها من قبل ست شركات. وهذه الشركات تسيطر على ما نسبته 80% من المشتركين في كل الشركات الإعلامية هناك.

 

تتحدث أرونداتي عن تواطؤ الإعلام مع ما تقوم به الإمبراطورية من حروب, فتمر على التغطية الإعلامية الأميركية للحرب في أفغانستان والعراق وكيف أن شبكات التلفزة الكبرى لم تقع فريسة سهلة للخطاب الحكومي الرسمي فحسب, بل وتبنته بشراسة ودافعت عنه.

 

أكثر ما يشير إلى ذلك التحالف العضوي هو نجاح الإعلام الأميركي في خلق صورة وهمية عن أعداء وهميين هيأت مناخا سهلا لصالح خوض إدارة بوش حربها على العراق. وتقتبس أرونداتي هنا بعض نتائج استطلاعات الرأي الأميركية بعد الحادي عشر من سبتمبر/أيلول وقبل الحرب على العراق لتسند رأيها الناقد بقوة لذلك الإعلام.

 

فمثلا تقول إن استطلاعا أجرته صحيفة نيويورك تايمز بالتعاون مع شبكة "سي بي إس" الأميركية أفاد بأن 42% من الأميركيين يعتقدون أن صدام حسين هو المسؤول عن تفجيرات 11 سبتمبر/أيلول، وأن 55% منهم يعتقدون أن لصدام حسين علاقات دعم مع تنظيم القاعدة.

 

"
شبكات التلفزة الأميركية الكبرى لم تقع فريسة سهلة للخطاب الحكومي الرسمي فحسب, بل وتبنته بشراسة ودافعت عنه
"
ومن الواضح أن مثل هذه النسب مخيفة خاصة وأنها تأتي من بلد "الحريات الإعلامية", وفي سياق التجهيز لحرب يعرف الجميع أن مسوغاتها باطلة وقائمة على الأكاذيب.

 

لكن القاعدة المتبعة في الإعلام المزيف للحقائق تعود إلى عهد ألمانيا الهتلرية، فهناك ولد إعلام البروباغاندا, وعن أحد قياداته -هيرمان غورينغ- تقتبس أرونداتي مقولة "تعليمية" مفادها "أن الناس يمكن أن يتم إقناعهم بطاعة القادة.. فكل ما عليك أن تفعله هو أن تظل تكرر عليهم فكرة أنهم معرضون لهجوم, وتهاجم السلميين والمعتدلين فيهم لأنهم يفتقدون إلى الحمية الوطنية ويعرضون الوطن إلى الخطر. هذه السياسة تعمل بنجاح في أي بلد".

 

أكثر من ذلك وأبشع منه ما تذكره المؤلفة من أن بعض محطات الشبكة التي أصابها هوس "الحمى الوطنية"، صارت تضغط على الحكومة الأميركية كي تضرب وسائل الإعلام الأخرى، فشبكة مثل فوكس نيوز ظلت تطالب بقصف مقر التلفزيون العراقي لأنه برأيها ينشر الدعاية العراقية وسوى ذلك.

 

لكن نموذج أخطبوط سيطرة السياسة على الإعلام الذي ينطبق ويتجسد في الولايات المتحدة، ينطبق أيضا على بلدان أخرى عديدة, وكأنه غير محصور بالنمط الإمبراطوري للسيطرة.

 

هنا تشير أرونداتي تحديدا إلى بلدها الهند وتقول كيف إن الحكومات المتعاقبة هناك قد نجحت عبر سيطرتها على الإعلام في تغييب جرائمها في كشمير. فتقول إن عدد الذين قتلتهم القوات الهندية في كشمير منذ سنة 1989 وحتى الآن بلغ أكثر من 80 ألفا, وأن تخيل هذا الرقم وحده أمر بالغ الصعوبة، ومع ذلك يغيبه الإعلام بنجاح.

 

ديمقراطية الإمبريالية الفورية

تستهزئ أرونداتي بمشروع نشر الديمقراطية الذي تتبناه الولايات المتحدة وتسميه "الخلطة الفورية الجاهزة من الديمقراطية للإمبريالية.. اشتر واحدة تحصل على أخرى بالمجان".

 

وهي بهذا الوصف التهكمي تقارن الديمقراطية المبشر بها بالقهوة السريعة التحضير, وتقرنها بثقافة السوق المشتهرة التي تشجع المستهلكين على الشراء المتواصل وتغريهم بعروض مجانية مقابل الشراء.

 

المعضلة الأساسية في تزعم الإمبراطورية لفكرة نشر الديمقراطية هي أن هذه الأخيرة مربوطة عضويا بمصالح الإمبراطورية، وأنه في أي حال أو ظرف تتعارض فيه الدعوة لأي ديمقراطية في أي بلد من بلدان العالم مع المصالح الأميركية فإنه يتم دوس كل المثل الديمقراطية وبلع الشعارات الكبرى في لمح البصر، ودون أي وخزة ضمير أخلاقية.

 

وهنا تعود المؤلفة لسيرة الولايات المتحدة مع العراق، وتعرض كيف كان نظام صدام حسين مقربا من واشنطن خلال الحرب مع إيران, بل وقبل ذلك عندما ساعدت السي آي إيه حزب البعث سنة 1963 على الانقلاب واستلام الحكم في العراق وقدمت له قوائم بأسماء مئات الشيوعيين العراقيين الذين تم إعدامهم على يد النظام الجديد.

 

في مرحلة لاحقة زار دونالد رمسفيلد صدام حسين خلال حربه مع إيران, وذلك لتوكيد علاقات بغداد التحالفية مع واشنطن التي اختصرها تصريح زبيغنيو بريجنسكي مستشار الأمن القومي آنذاك بقوله "إننا لا نرى أي عدم توافق في المصالح بين الولايات المتحدة والعراق".

 

"
في أي حال أو ظرف تتعارض الدعوة إلى الديمقراطية مع المصالح الأميركية فإنه يتم دوس كل المثل الديمقراطية وبلع الشعارات الكبرى في لمح البصر ودون أي وخزة ضمير أخلاقية
"
الإمبراطورية المؤيدة من الله!

تقول أرونداتي إننا جميعا بشكل أو آخر نعتبر الآن من "مواطني" الإمبراطورية الأميركية العابرة للقارات والمحيطات، ولهذا فإنها تسمح لنفسها -وهي هندية- أن تنتقد الإمبراطورية التي لا يتعدى دورها فيها دور العبيد.

 

لكنها تبدأ بالتشكك حتى من جدوى النقد نفسه لأن الإمبراطورية ذاتها لا تريد أن تسمع. فالإمبراطورية ببساطة تتبع رأيها ولا تهمها الحقائق, حتى لو تعارضت ونقضت الرأي الذي تتبناه.

 

وهي تقتبس الحادثة الشهيرة التي وقعت في يوليو/ تموز 1988 عندما أسقطت صواريخ كروز الأميركية في منطقة الخليج طائرة مدنية إيرانية ومات ركابها المائتان, وكيف أن الولايات المتحدة لم تضطر حتى للاعتذار.

 

وعندما سئل جورج بوش الأب -وكان آنذاك مرشحا للرئاسة- فيما إن كان على الولايات المتحدة أن تعتذر وعن رأيه الخاص, أجاب قائلا "لا يمكنني أن أعتذر عن شيء فعلته الولايات المتحدة, ولا تهمني الحقائق هنا".

 

ونفس هذا الخطاب هو الذي أعيد إنتاجه في زمن جورج بوش الابن وإن كان بشكل أكثر فجاجة وبصبغة دينية محافظة.

 

فها هو المدعي العام الأميركي جون آشكروفت, المعروف بكونه من أكثر صقور إدارة بوش الأولى يمينية وتطرفا  وتديناً, يقول عن الحريات الموجودة في أميركا "إنها ليست منحة من أي حكومة أو وثيقة, بل هي منحة من الله".

 

وكان هذا الخطاب الديني المانوي قد تطور بشكل مخيف في مقولات المحافظين الجدد إلى درجة القول العلني بأن إله أميركا هو الإله الحقيقي بينما إله المسلمين مزيف, وسوى ذلك من ترهات لا يمكن أن يتوقع المرء وجودها في سوى أسوأ دوائر التعصب الديني وأقلها هامشية.

 

"
الإمبراطورية ذاتها لا تريد أن تسمع نقدا لأنها ببساطة تتبع رأيها ولا تهمها الحقائق حتى لو تعارضت ونقضت الرأي الذي تتبناه
"
اندثار إرث الساسة الكبار

تحمل أرونداتي الإمبراطورية مسؤولية ضياع إرث الساسة الكبار ممن جاء بهم القرن العشرون وقدموا بدائل إنسانية في طرائق الصراع, بعيدا عن الحرب والدماء.

 

وهي هنا تنعى إرث المهاتما غاندي, ومارتن لوثر كنغ, ونيلسون مانديلا, الذين تعتبرهم رواد النضال السلمي، لكنها لا تني تنتقد راهن الحكومات المسيطرة في بلدانهم لأنها فرطت بتعاليم وسياسة وثقافة أولئك القادة عن طريق الخضوع لمطالب الإمبراطورية والالتحاق بركابها.

 

فالهند وجنوب أفريقيا تجريان وراء الولايات المتحدة سواء عن طريق تطبيق وصفات الاقتصاد المعولم, أو الانخراط في السياق العام للسياسة الإمبراطورية.

 

كتاب أرونداتي صرخة مريرة ويهدف إلى مرافقة القارئ العادي إلى معالم الإمبراطورية وتحريضه عليها، لكنه في نفس الوقت كتاب سوداوي مليء بالتشاؤم إلى درجة قد تحبط الشخص العادي حتى عن مجرد التفكير بالاعتراض فضلا عن التحرك للمقاومة والمواجهة. فقد كانت تنقصه جرعة من الأمل تظل تعطي المعترضين والراغبين في عالم أكثر عدلا بصيص ثقة في المستقبل.

المصدر : الجزيرة