خاص-الجزيرة نت
هموم آخر القرن هموم استحقت فعلا الرصد والتحليل في اليمن من كاتب يعتبر من القلائل الذين يجيدون مثل هذا الأسلوب الذي لم يكن يعبر من خلال تحليلاته ورصده للأحداث عن رأي أحادي بقدر ما كان يعكس رأي وتوجه شريحة واسعة من المجتمع اليمني بمختلف اتجاهاتها وانتماءاتها السياسية والاجتماعية والثقافية.

طرح الكاتب نصر طه مصطفى رؤاه المختلفة بتحليل مفصل يعتمد على أسلوب السرد التاريخي، وهو الأسلوب الذي ميز الكاتب طيلة عقدين من الزمن ومن خلاله يحاول الوصول إلى الهدف من الفكرة والرؤية بعد استعراض وخلفية تاريخية له، وقد نشرها تباعا في مجلة "نوافذ" التي كان يرأس تحريرها.

-  العنوان: هموم آخر القرن.. اليمن والتحولات السياسية الكبرى

- المؤلف: نصر طه مصطفى

- عدد الصفحات: 262

- الناشر: رياض الريس للكتب والنشر بيروت، لبنان

-  تاريخ النشر: 2004

خرجت هذه الرؤية التحليلية إلى النور في وقت شهد فيه اليمن أحداثا ساخنة وذلك في الفترة من العام 1999 إلى العام 2000 وجاءت قوة الأطروحات من الكاتب متوافقة مع سخونة المشهد السياسي في تلك الفترة.

كما خرجت في الوقت الذي كان الكاتب فيه لا يزال معبرا عن نبض الكثير من فئات الشعب اليمني المثقل بالهموم وعندما كان قلما معبرا عن المعارضة الرئيسة ذات التوجه الإسلامي الممثلة بالتجمع اليمني للإصلاح الذي كان عضوا في دائرته السياسية ومديرا للمركز اليمني للدراسات الإستراتيجية التابع له.. قبل أن ينتقل رسميا من صفوفه إلى صفوف حزب المؤتمر الشعبي الحاكم بعد فترة وجيزة من تعيينه رئيسا لوكالة الأنباء اليمنية (سبأ) وناطقا رسميا باسم الحكومة عام 2001.

فرضت الأحداث الساخنة نفسها في تلك الفترة ويمكن إيجاز أهم ملامح تلك الأحداث في خمسة محاور رئيسية:
- إجراء أول انتخابات رئاسية قائمة على الاقتراع المباشر.
- احتدام النقاش حول قضية التطبيع بين صنعاء وتل أبيب إثر زيارة وفد سياحي إسرائيلي لأول مرة لليمن.
- إنهاء الخلاف الحدودي بين اليمن والمملكة العربية السعودية.
- المعركة التي دارت رحاها حول سب الذات الإلهية.
- التعديلات الدستورية.

وبالإضافة إلى تركيز الكاتب على موضوعات أخرى كالعلاقات اليمنية الأميركية وعلاقة اليمن بدول الخليج العربي وعلاقته بدول القرن الأفريقي وغيرها فإن تلك المحاور هي التي استحوذت على النصيب الأوفر من الكتاب.

"
جنة الديمقراطية التي يحياها الناس اليوم في اليمن ليست سوى قشرة خارجية تخفي وراءها أوضاعا اقتصادية واجتماعية وأمنية وثقافية وخدمية ومعيشية متردية
"
الانتخابات الرئاسية اليمنية
يرى الكاتب أن الانتخابات الرئاسية التي شهدتها اليمن في 23 سبتمبر/ أيلول 1999 تجربة هامة تسهم دون شك في تعزيز المسار الديمقراطي التعددي الذي جاء مصاحبا للوحدة في الثاني والعشرين من مايو/ أيار1990.

ويعتقد أن حرمان مرشح مجلس التنسيق للمعارضة المكون من خمسة أحزاب من خوض الانتخابات ضد مرشح الحزبين الرئيسيين في البلاد علي عبد الله صالح قد أفقد المعركة الانتخابية حيويتها المطلوبة.

وفي سرده لجذور الانتخابات يذكر الكاتب أن التراجع عن الاتفاق بين الرئيس صالح ونائبه آنذاك علي سالم البيض على نص "انتخاب رئيس الجمهورية ونائبه في قائمة واحدة على طريقة الانتخابات الأميركية" المنصوص عليها في اتفاقية "التنسيق التحالفي على طريق التوحد" بين شريكي الوحدة المؤتمر والاشتراكي كان أحد أسباب اعتكاف البيض واندلاع الأزمة السياسية الحادة التي انتهت بانفجار الحرب في مايو/ أيار من العام التالي.

وأشار الكاتب إلى الخلاف بين كل من وزير الشؤون القانونية اليمني والقانونيين في المعارضة بشأن الفترة المتبقية للرئيس صالح في الحكم، فبينما يرى وزير الشؤون القانونية أنه لا يزال أمام الرئيس فترتان رئاسيتان حيث يبدأ تطبيق النص الدستوري منذ هذه الانتخابات، يرى القانونيون في المعارضة أن الفترة الرئاسية الثانية ستبدأ في سبتمبر/ أيلول 1999 وبموجب ذلك ليس أمام الرئيس صالح سوى فترة انتخابية واحدة ولمدة خمس سنوات.

ثم تطرق إلى حجم المعاناة التي يعيشها اليمنيون على مختلف الصعد، مبينا أن جنة الديمقراطية التي يحياها الناس ليست سوى قشرة خارجية تخفي وراءها أوضاعا اقتصادية واجتماعية وأمنية وثقافية وخدمية ومعيشية متردية.

وسرد الكاتب أهم الاختلالات الموجودة في البلاد مثل اختطاف السياح للمساومة بهم وارتكاب جرائم الثأر ونهب الأراضي وانتهاك القوانين في المؤسسات الرسمية والإساءة إلى الوحدة الوطنية والتشكيك بالوحدة اليمنية وعرقلة الاستثمار وحمل الأسلحة دون ترخيص وغيرها.

ويختم الكاتب في هذا السرد بالقول إنه "مثلما لا نستطيع أن نحمل علي عبد الله صالح وحده مساوئ ومرارات السنوات التسع الماضية فإننا أيضا لا نستطيع أن نعفيه من مسؤولياتها في المرحلة القادمة".. و"لن نجد له عذرا على الإطلاق في أي تردد أو توان عن السرعة في بدء العلاج".


"
التوجه الرسمي لصنعاء على صعيد التطبيع هو أن لا تطبيع ولا علاقات مع إسرائيل قبل السلام الشامل والانسحاب الكامل من الأراضي المحتلة
"
التطبيع مع إسرائيل
أشار الكاتب إلى أن الزيارة التي قام بها وفد سياحي إسرائيلي لأول مرة وبموافقة رسمية حكومية قد أثارت من الجدل الشيء الكثير وأثارت أيضا التساؤلات حول أهدافها في ذلك الوقت وحول إمكانية استمرارها مستقبلا وهل هي مقدمة لتطبيع جزئي أو كامل بين صنعاء وتل أبيب.

واعتبر الكاتب أن "المصافحة العابرة" بين الرئيس صالح ورئيس الوزراء الإسرائيلي آنذاك شمعون بيريز على هامش جنازة الرئيس الفرنسي الراحل فرنسوا ميتران في يناير/ كانون الثاني 1996 وكذا الحوار السريع بين الدكتور عبد الكريم الأرياني وبيريز على هامش مؤتمر شرم الشيخ 1996 كانتا نوعا من "كسر الحواجز النفسية" رغم نفي المصادر الرسمية لخبر تلك المصافحة.

وأكد الكاتب أنه لا يعتقد شخصيا أن نظاما يسعى للتطبيع يمكن أن يتحدث فيه رئيس الدولة بلهجة حادة ضد إسرائيل وهو ما بدا فعلا عندما شن الرئيس صالح هجوما لاذعا ضد إسرائيل حين وصفها بالعدو الصهيوني وبأنها هي التي "تقف وراء تمزيق الصف العربي وأن القوة العسكرية والتسلح الكبير الذي تقوم به معظم الدول العربية يجب أن يوجه نحو العدو الإسرائيلي وليس ضد بعضنا البعض".

وأوضح الكاتب أن التوجه الرسمي لصنعاء على صعيد التطبيع هو أن لا تطبيع ولا علاقات مع إسرائيل قبل السلام الشامل والانسحاب الكامل من الأراضي العربية المحتلة، بل إن الرئيس صالح قال في أحد اللقاءات الصحفية إن "اليمن لن تطبع إلا بعد المملكة العربية السعودية"، وهي الدولة العربية الأكثر حساسية تجاه التطبيع بسبب وجود الحرمين الشريفين فيها.

وكان الرئيس صالح قد اعترف في مقابلة أجرتها معه قناة الجزيرة الفضائية بأن القيادة السياسية وافقت على زيارة الوفد الإسرائيلي لليمن بحكم أن القرار استهدف اليهود من ذوي الأصول اليمنية بغرض زيارة إحدى المقابر المقدسة لديهم، وأكد الرئيس صالح في نفس المقابلة أن مثل هذه الزيارة لن تتكرر بسبب استغلال إسرائيل لها وافتعالها لضجة إعلامية حولها بهدف إحداث فتنة داخلية وشق الصف العربي.

واختتم تحليله بأن علاج المشاكل الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والأمنية في البلاد تتمحور في كلمتين هما "الإرادة" و"الإدارة" دون الحاجة للجوء إلى التطبيع.

"
الذين يريدون العبث بثوابت الإسلام لابد من مواجهتهم بالحوار والجدال لا بالصد والاتهام، والذين يريدون اتهام كل أديب بالعلمانية والكفر لابد من مواجهتهم أيضا بالحسنى والكلمة المسؤولة لا بالسباب والشتائم
"
حل مشكلة الحدود اليمنية السعودية
استعرض الكاتب تاريخ الصراع الحدودي بين السعودية واليمن منذ العام 1934 وهو العام الذي تم فيه التوقيع على "اتفاقية الطائف" بين البلدين وصولا إلى تجديدها في العام 1974 في عهد الرئيس الأسبق عبد الرحمن الأرياني.

وأكد الكاتب أن "فتح ملف الحدود بشكل جاد منذ العام 1982 قد تسبب في أزمات مكتومة بين البلدين أدت إلى إضعاف الثقة بينهما".

كما أشار إلى أنه رغم وجود مشكلة الحدود بين البلدين فإن المملكة استمرت في تقديم المساعدات الاقتصادية لليمن سواء على شكل دعم سنوي ثابت للموازنة العامة أو على شكل مشاريع خدمية قبل الوحدة.

وأكد الكاتب أن أول لجنة تفاوض حول مسألة الحدود كانت على مستوى وزاري وعقدت في مدينة جنيف السويسرية عام 1991 وفقا للقاعدة الشرعية "لا ضرر ولا ضرار".

ثم تطرق إلى المناوشات الحدودية بين البلدين التي تدخلت الوساطات لإنهائها ومن ثم توجه رئيس مجلس النواب الشيخ عبد الله بن حسين الأحمر إلى الرياض واستمر في المفاوضات لمدة 40 يوما توصل الطرفان بعدها إلى مذكرة التفاهم التي وضعت الأسس العملية للحل.

جرى التوقيع الرسمي على الاتفاقية الحدودية النهائية عام 2000 بعد زيارة الرئيس صالح إلى جدة لتنتهي "ورقة التوتر" الأساسية في علاقة البلدين على حد قول الكاتب.

قضية الإساءة للذات الإلهية
تساءل الكاتب في بداية هذا التحليل حول إمكانية أن تكون قضية الرواية التي نشرتها صحيفة "الثقافية" الرسمية بعنوان "صنعاء مدينة مفتوحة" للكاتب المرحوم محمد أحمد عبد الولي هي بداية للحملة الانتخابية من قبل حزبي المؤتمر والإصلاح وأحزاب مجلس تنسيق المعارضة.

وتسلسل الكاتب في سرد القصة التي تضمنت نصا فيه إساءة للذات الإلهية واتهام الله سبحانه وتعالى على لسان بطل الرواية بالظلم عندما تم إبلاغه بوفاة زوجته.

ثم تطرق إلى تفاقم القضية بدءا من الهجوم اللاذع والاتهام الصريح بالكفر والردة من قبل بعض الإسلاميين وصولا إلى رفع دعوى حسبة ضد الصحيفة ورئيس تحريرها الصحفي سمير اليوسفي ثم توالي مساعي الوساطة وإحالة القضية إلى القضاء.

وتناول الكاتب الهجمة الرسمية التي شنتها الصحف الرسمية ضد شخص الشيخ عبد المجيد الزنداني التي ذكرت الصحف الرسمية "أنها تستهدف الزنداني بشخصه لا لكونه قياديا في الإصلاح بهدف إقحام الإصلاح كحزب سياسي في المعركة".

وأشار أيضا إلى احتواء الأزمة والفتنة بعقد اللقاء الحاسم في منزل نائب رئيس الجمهورية عبد ربه منصور هادي والاتفاق والتوقيع على ثلاثة مبادئ رئيسية تتضمن منع التعدي على المقدسات ومنع استخدام المساجد للتكفير والتفسيق وتفعيل قانون الصحافة لمحاسبة كل صحيفة تسيء إلى المقدسات والأخلاق العامة.

ودعا الكاتب إلى التوازن بين الأدب واللغة بقوله "الذين يريدون أن يعبثوا بثوابت ومقاصد الإسلام لا بد من مواجهتهم بالحوار والجدال لا بالصد والاتهام كذلك الذين يريدون أن يضيقوا من سعة اللغة العربية ويفسروا كل أديب من منطلق أنه متهم بالعلمانية والكفر لا بد من مواجهتهم أيضا بالحسنى والكلمة المسؤولة لا بالسباب والشتائم".

"
مثلما لا نستطيع أن نحمل علي عبد الله صالح وحده مساوئ ومرارات السنوات التسع الماضية فإننا أيضا لا نستطيع أن نعفيه من مسؤولياتها في المرحلة القادمة، ولن نجد له عذرا على الإطلاق في أي تردد أو توان عن الإسراع في بدء العلاج
"
التعديلات الدستورية
سرد الكاتب المراحل التي مر بها الدستور اليمني منذ أول صياغة له عام 1948 في العام الذي عرفت فيه الثورة ضد الإمام يحيى حميد الدين بالثورة "الدستورية" إلى حين إقرار أول دستور دائم عام 1970 في الشطر الشمالي آنذاك وصولا إلى إحالة مشروع دستور الوحدة بين الشطرين إلى برلماني البلدين عام 1989.

وتطرق الكاتب إلى الحملة التي شنها التجمع اليمني للإصلاح عام 1991 بهدف تعديل بعض بنوده قبل إقرار الاستفتاء عليه في الوقت الذي كان شريكا الوحدة يعتبران أن الاستفتاء على الدستور هو استفتاء على الوحدة.

وأشار الكاتب إلى أن تراجع الحزب الاشتراكي اليمني عن نص "وضع نائب الرئيس" أثناء توجه نائب الرئيس علي سالم البيض للعلاج في الولايات المتحدة بحيث يتم الاكتفاء بتعيينه بدلا من انتخابه شعبيا كان هو البداية الحقيقية للأزمة السياسية والحرب التي شهدتها اليمن صيف عام 1994.

وذكر الكاتب أن أهم التعديلات التي أقرت بعد حرب العام 1994 تركزت حول إلغاء مجلس الرئاسة واستبدالها بصيغة رئيس الجمهورية يحق له أن يعين نائبا له وأن يتم انتخاب الرئيس ونائبه مباشرة من الشعب من خلال انتخابات تعددية ويعين الرئيس مجلسا استشاريا.

كما يمنع الدستور الرئيس حسب التعديلات من حل مجلس النواب إلا بعد استفتاء الشعب كما لا ينبغي لأي شخص أن يتولى منصب الرئاسة لأكثر من دورتين رئاسيتين مدة كل واحدة منها خمس سنوات وغيرها من التعديلات التي أقرها فعلا أعضاء البرلمان اليمني.

المصدر : غير معروف