عرض/ كامبردج بوك ريفيوز
يتصدى هذا الكتاب لمهمة غير سهلة تتمثل في تحدي ما شاع في السنوات القليلة الماضية على ألسنة الإسرائيليين والأميركيين, من أن فشل أوسلو سببه الرئيس هو عدم ارتقاء الفلسطينيين إلى مستوى المسؤولية في إدارة شؤون سلطتهم والفساد السياسي والاقتصادي والإداري الذي يعانون منه, وكذا غياب أي إرادة عند قياداتهم للمضي في طريق أوسلو حتى النهاية.

- اسم الكتاب: الحكومة الإلكترونية





 

- اسم الكتاب: تشكل الدولة في فلسطين .. الإمكانية والحكم خلال تحول اجتماعي
- المؤلف: مشتاق حسين خان
-عدد الصفحات: 249
- الطبعة: الأولى 2004م

-الناشر:
راوتلديج, لندن

فالمقولة الإسرائيلية الأميركية هي غياب الشريك ذي الصدقية وانعدام الشفافية والحكم الجيد عند الفلسطينيين ما لم يؤهلهم "لاستثمار فرصة أوسلو".

الكتاب يفكك هذه المقولة بطريقة أكاديمية باردة ويرى أنها غير دقيقة ولا يمكن أن تنطبق على الحالة الفلسطينية أو أي حالات مشابهة.

وفصول الكتاب تتعرض لذلك محللة حصيلة عشر سنوات من أوسلو, من العام 1994 حتى العام 2004.

أطروحة الكتاب
تقوم في المقابل أطروحة الكتاب على إحالة فشل أوسلو إلى بنية الاتفاقات نفسها واشتراطاتها غير ممكنة التحقق ابتداء.

ففي أوسلو هناك محددات وعلاقات وأسقف وخطوط حمراء ما كان بإمكان أي سلطة أن تعمل وسطها ووفقها وتصل إلى غير الفشل. والتهم التي تساق ضد الفلسطينيين من مثل تردي أدائهم السياسي والإداري أو عدم إيقافهم "للإرهاب" أو مركزية القيادة عندهم وسوى ذلك ليست سوى هوامش على أطراف السبب الحقيقي والجوهري للفشل المحتم والمربوط عضويا بأوسلو.

"
في أوسلو هناك محددات وعلاقات وأسقف وخطوط حمراء ما كان بإمكان أي سلطة أن تعمل وسطها ووفقها وتصل إلى غير الفشل
"
ينحاز الكتاب إذن إلى وجهة النظر الفلسطينية والعربية والغربية المؤيدة التي تقول العكس، إذ إنه ما كان بالإمكان إنجاح أوسلو، وقائمة شروطها الإسرائيلية تظل تتناسل دون توقف بما يفرغ أي تطبيق فلسطيني جزئي من أي فعالية أو أهمية.

في قلب تلك الشروط قصة أمن إسرائيل وربطها بكل رصاصة تنطلق من هنا أو هناك، ووراء تلك الشروط ظل سرطان الاستيطان يأكل من بقايا اللحم الحي للضفة الغربية خلال سنوات أوسلو بما أطاح عمليا بالحل النهائي لأوسلو نفسه, بطريقة التفافية.

عدم صلاحية معيار "الحكم الجيد"
المساهمون في هذا الكتاب الرصين وغير المؤدلج يرصدون بأكاديمية باردة كيف حوصرت البنى الناشئة للكينونة الفلسطينية تحت إطار أوسلو بالطرق المسدودة من كل جانب, بحيث كانت أمدية النمو قصيرة ولا تتيح أي تطور أو نضج طبيعي.

هيمنة القوة المحتلة على فضاء تلك الكينونة وتدخلها المستمر في كل جزئياتها عن قرب أو بعد عطل احتمالات النجاح الضئيلة أصلا.

لكن الكتاب لا يعتذر عن الفلسطينيين في الوقت نفسه ولا يبرئهم أو يتغاضى عن الأخطاء الجسيمة والفادحة التي ارتكبوها، بل يشير إليها ويعطيها الحجم الذي تستحق.

بيد أن خط التحليل الرئيس يظل ثابتا وهو أنه أيا كانت خطايا الفلسطينيين فسادا ودكتاتورية وشخصنة فإن البنية العامة لأوسلو وبقاء الهيمنة الاحتلالية هي الفاعل الأهم هي ما أفشل المشروع.

مشتاق حسين خان, محرر الكتاب وأستاذ الاقتصاد والعميد المشارك لكلية القانون والعلوم الاجتماعية في جامعة سواس بلندن, كتب أو أسهم في كتابة أهم ما تضمنه الكتاب من ناحية نظرية أي (الفصول الثلاثة الأولى).

في تلك الفصول أصل للأطروحة المركزية في الكتاب التي تقول إنه في ظروف التحول الاجتماعي الدقيقة والانعطافية التي تمر بها الدول النامية, خاصة في سياق حالات التحول من وضع احتلال عسكري إلى وضع عادي, فإن معيار "الحكم الجيد" (good governance) ليس هو المعيار الموضوعي والعلمي الذي يمكن به قياس أو تقييم أو محاسبة آليات ذلك التحول, أو أداء الدولة نفسها.

"
خريطة الطريق ومبادرة جنيف لا تخرجان عن بنية أوسلو وعمارتها المصممة عضويا على قواعد الدولة الزبون
"
فمهما كانت عناصر "الحكم الجيد" مطبقة أو غائبة في تلك الصيرورة فإنها لا تصل لدرجة إحداث الكتلة الحرجة في النجاح أو الفشل.

وما يطرحه في المقابل هو معيار أداء الدولة في إحداث التحولات الاقتصادية والاجتماعية العميقة التي تشكل الأسس العميقة لبناء مستديم يقوم عليه أي حكم جيد في مرحلة لاحقة.

ورغم الحذر الشديد الذي يبديه الكتاب في نقد أطروحة الحكم الجيد في الحالة الفلسطينية, والعالمثالثية فإن وقوعه في مطب تسويغ الأمر الواقع وأحيانا إبداء الليونة إزاء الفساد السياسي والاقتصادي والإداري يظل احتمالا ماثلا على الدوام.

وبقليل من سوء النية فإنه يقدم تبريرا أكاديميا باهرا للأنظمة الدكتاتورية والفاسدة وأحوالها، لكن بعيدا عن سوء النية أو حسنها, فإن الكتاب فيه عمق يتجاوز مماحكات الحكوميين الذي يفرحهم ما يرد فيه.

المطلوب "دولة زبائنية"
فصول الكتاب اللاحقة تفكك نظرية الحكم الجيد عند من يحاصر السلطة الفلسطينية بها من خلال تطبيقها على الجوانب المختلفة لأداء السلطة خلال السنوات العشر.

ويربط خيوط الفشل الجزئي هنا وهناك بالخيط المركزي الذي ينتهي بالاحتلال وبالعلاقة الاحتلالية التي حافظت عليها أوسلو وأعادت ترسيمها.

مشكلة إسرائيل سواء في أوسلو أو غيرها هي في كونها لا تبدو كمن حسمت أمرها في ما يتعلق بما تريده حقا إزاء الحل النهائي.

فما تطرحه أوسلو على الفلسطينيين, حسب الكتاب, واحد من نموذجين, الأول هو "الدولة الزبون" (client state) أي الخاضعة للأهداف العليا للدولة الإسرائيلية التي تقوم بالتخفيف عنها في المسائل الشائكة الكبرى, خاصة الأمن واللاجئين.

وفي هذه الحالة هناك صيغتان الأولى أن تكون هذه الدولة/ الدويلة مندمجة مع إسرائيل بحيث يفيد السكان الفلسطينيون من ارتدادات الاندماج الاقتصادي.

أما الصيغة الثانية فهي أن تظل هذه الدويلة منفصلة عن إسرائيل مجردة حتى من مجرد "الانتفاع الطفيلي" من الاقتصاد الإسرائيلي وتنفذ ما يطلب منها.

"
ما لم يتم التخلص من منطوق الحل الأمني فإن الأمل بالوصول إلى دولة فلسطينية مستقلة وذات سيادة سيظل بعيدا
"
أما النموذج الثاني فهو دولة مستقلة ذات سيادة حقيقية لها خياراتها السيادية وفق مصالحها, وهو ما لا يبدو في الأفق، خاصة أن الكتاب يرى أن خريطة الطريق ومبادرة جنيف أيضا لا يخرجان عن بنية أوسلو وعمارتها المصممة عضويا على قواعد "الدولة الزبون".

ويرى أن فشل كامب ديفد الثانية كان سببه الحقيقي هو الشد بين خيار "الدولة الزبون" و"الدولة المستقلة", وحيث لم يتم فعليا طرح الخيار الثاني على الفلسطينيين.

مقاربة الكتاب تنموية اقتصادية إلى حد كبير بما قد يعرضه للنقد, لكن أكاديميته الصارمة تشفع له، خاصة أن تركيزه على أن الاختلال الكبير في أوسلو هو ارتكازها على مفهوم الأمن أولا.

ولهذا فإن خلاصته الهامة تعيد النقاش إلى المربع الأساسي الأول وهو أنه طالما بقيت هيكلية أي حل تقوم على فكرة "الأمن أولا" فلا يمكن أن ينفك هذا الحل من قيود الزبونية والوظائفية المنوطة بالدولة الفلسطينية الناشئة وفق جدول المهمات الإسرائيلي المحدد لها.

وما لم يتم التخلص من منطوق الحل الأمني فإن الأمل بالوصول إلى دولة فلسطينية مستقلة وذات سيادة سيظل بعيدا.

إحداث التحولات الاجتماعية والاقتصادية
يرى الكتاب أن المعيار الأصح للاستخدام في الحالة الفلسطينية هو قياس مدى نجاح السلطة في إحداث التحولات الأساسية في المجتمع, اجتماعيا واقتصاديا وسياسيا, بما يوفر بنية حقيقية ومستقلة لبناء دولة سيادية.

وهو يرى أن الاشتراطات التي فرضتها أوسلو على السلطة كانت أقوى كثيرا من قدرة السلطة على تجاوزها لإحداث تلك التحولات.

ويركز على البعد الاقتصادي والإداري, فيرى أن الضغوط الخارجية الناتجة عن سياسة الاحتواء الإسرائيلية زاد لجوء القيادة السياسة إلى نهج تحصيل عوائد مالية سريعة قصيرة المدى وعن طرق مختلفة, وذلك على حساب الإنفاق على التنمية طويلة المدى التي تخدم التحولات المطلوبة.

وفي الوقت نفسه وجدت السلطة نفسها مضطرة لإعادة توزيع العوائد القليلة لتأمين الاستقرار السياسي عن طريق خلق المناصب والتعيينات الاسترضائية.

"
الاشتراطات التي فرضتها أوسلو على السلطة كانت أقوى كثيرا من قدرة السلطة على تجاوزها لإحداث تلك التحولات
"
لكن الإنفاق على هذه المناصب كان يأتي من مصادر الريع التي يخشى أن تنضب يوما ما، وإن حدث ذلك فربما يتفتت الاستقرار السياسي الهش ويحدث صراع على مصادر الريع الناضبة بما يشرذم الوضع إلى زبونية متصارعة ومتحوصلة أجزاؤها بعضها على بعض كما حدث في كثير من البلدان النامية حيث حلت الصراعات الأهلية مكان الاستقرار السياسي الجزئي القائم على توزيع استرضائي للولاءات السياسية.

طبيعة الاختلالات في السلطة
يجادل الكتاب بأن ما يتعلق بالاختلالات المرتبطة بالسياسة التنفيذية للسلطة الفلسطينية يقع تحت ثلاثة أصناف، الأول منها مرتبط بتشجيع المركزية في السلطة الفلسطينية وضمان سيطرتها على الأوضاع, وكان هذا منبثقا عن الهاجس والأولوية الأمنية التي طلبتها إسرائيل من السلطة.

ومرتبط بهذه المركزية تجميع أموال الضرائب الفلسطينية في حسابات بنكية إسرائيلية لا تصل إليها إلا الرئاسة الفلسطينية نفسها.

أما الصنف الثاني فهو الاختلالات الفلسطينية الداخلية مثل الفساد المالي والمحسوبية وغير ذلك، وهذا الصنف هو الذي يجب أن يكون هدف برامج الإصلاحات.

أما الصنف الثالث من الاختلالات فهو مثير بشكل خاص لأنه يعتبر اختلالات من وجهة نظر مدرسة "الحكم الجيد" بينما على الأرض حقق نتائج تنموية مهمة, قياسا بالبدائل الأخرى المتوفرة.

وعلى سبيل المثال كانت إدارة السلطة لبعض الاستثمارات وجذبها لبعض رؤوس الأموال ومنحها حوافز تشجيعية أحيانا على شكل احتكارات استثمارية لعدد من المستفيدين من الخارج الطريقة الوحيدة لإقناع رؤوس الأموال تلك بالقدوم إلى منطقة صراعات غير جاذبة بالتعريف للاستثمارات.

وقد تمكنت السلطة من المساعدة في إنجاح الكثير من الاستثمارات والإبقاء على ربحية جيدة لها بما ضمن بقاء المستثمرين في الضفة الغربية أو قطاع غزة.

وهذا النجاح الجزئي يعتبر فسادا من قبل مدرسة "الحكم الجيد" لأنه لا يقوم تماما على فكرة السوق والتنافس الحر.

لا يدافع الكتاب عن الفساد الذي استشرى في السلطة, لكن ما يجادل فيه هو سبب ذلك الفساد وعلاقته العضوية بتركيبة أوسلو نفسها واشتراطاتها.

وفي نفس الوقت يتشكك الكتاب في "الطرح الأرثوذكسي" الذي يربط نجاح أوسلو أو أي صيغة متولدة عنها وحاملة لنفس فيروساتها بتحقق "الحكم الجيد" في أوساط السلطة الفلسطينية.

"
إسرائيل ترغب في قيام دولة زبون توكل إليها مهمات تخدم المشروع الصهيوني نفسه خاصة في تحقيق أمن إسرائيل وتحديدا التجمعات الاستيطانية في الضفة الغربية ومحيط القدس
"
والنقطة التي تظل محور النقاش فيه هي أن "معمار أوسلو" نفسه هو الذي شل عملية التنمية الاقتصادية والسياسية التي من المفترض أن تكون المسار الأكثر متانة لبناء تدريجي للدولة.

وبسبب ذلك وفي ارتباط عضوي به غدا أي حديث عن الدمقرطة والحكم الجيد بمثابة طلب ما لا يمكن تحقيقه.

وبكلام آخر يجادل الكتاب في أن تحقيق الدمقرطة والحكم الجيد ما كان ليتم في ضوء فشل التحول التنموي الشامل بالمعنى العريض للتعبير.

والسؤال الذي ينتهي إليه الكتاب هو عما إذا كانت إسرائيل تريد حقا قيام دولة فلسطينية حقيقية أم أنها ترغب في قيام "دولة زبون" توكل إليها مهمات تخدم في نهاية المطاف المشروع الصهيوني نفسه خاصة في مسألتي تحقيق أمن إسرائيل, وتحديدا التجمعات الاستيطانية في الضفة الغربية ومحيط القدس ومعالجة معضلة حق العودة للاجئين الفلسطينيين.



المصدر : غير معروف