عرض/ إبراهيم غرايبة 
العولمة الرأسمالية تواجهها عولمة مقاومة ونضال، هذه هي فكرة الجماعات المناهضة للعولمة، ويتعرض هذا الكتاب لأبعاد المقاومة والصراع والبدائل التي تنشط في مجالها الحركات الاجتماعية في أربعة محاور رئيسية: عرض أوضاع المقاومة والصراع، وتحليل القضايا ذات الطبيعة العامة والتي تشكل موضوع النضال، وتأمل التحديات التي تواجه حركات مناهضة العولمة، وتقييم البدائل التي تحملها القوى الاجتماعية الشعبية.
 
عرض الأوضاع العالمية للصراع

- اسم الكتاب: مناهضة العولمة
- تحرير: سمير أمين، وفرانسوا أوتار
-عدد الصفحات: 361
- الطبعة: الأولى 2004م

-الناشر: مركز البحوث العربية والأفريقية، والمنتدى العالمي للبدائل, القاهرة

تظهر الخريطة العالمية للصراع مجموعة من القضايا والظواهر توزع في الدراسة جغرافيا حسب الأقاليم، ففي هونغ كونغ تقوم واحدة من أعلى مستويات اللامساواة في العالم، فقد كان متوسط دخل الأغنياء يساوي 23 ضعف متوسط دخل الفقراء ففي الوقت الذي يحصل فيه 10% من السكان على 36% من الدخل يحصل 10% على 2% فقط من الدخل.
 
وفي تايوان أدت عمليات الخصخصة الناشئة عن المشاركة في منظمة التجارة العالمية إلى ارتفاع نسبة البطالة.
 
وفي كوريا الجنوبية تخوض الفئات المقهورة اجتماعيا معارك دائمة دفاعا عن الحقوق الأساسية للعمال، وفي الصين أدت عملية الإصلاح الاقتصادي التي بدأتها الدولة منذ أوائل الثمانينيات إلى زيادة البطالة والفقر والتباين بين المدن والريف وتفجر الصراعات العرقية.
 
وفي جنوب شرق آسيا أدت الأزمة المالية التي وقعت عام 1997 إلى كشف عجز دول المنطقة وفشلها في عملية تحرير سياساتها الاقتصادية وبرامجها للتنمية من سيطرة البنك الدولي وصندوق النقد الدولي والولايات المتحدة الأميركية بل وتقاعسها عن ذلك.

وفي الهند يعرض الاندماج في الاقتصاد العالمي المنجزات الوطنية للخطر مثل النمو الاقتصادي المنتظم وتحسن أوضاع الفقراء وازدهار العملية الديمقراطية، وبسبب تخلي الدولة عن رعاية الحركات الاجتماعية فقد أعادت هذه الحركات تنظيم نفسها وجددت أساليبها النضالية وحققت خبرات عملية جديدة لمقاومة الآثار المدمرة للسياسات النيو ليبرالية على الفئات الأكثر فقرا من السكان.

وفي الوطن العربي تواجه مؤسسات المجتمع المدني تحديات ذاتية وموضوعية من أجل الحريات والحقوق العامة وحقوق العمل والمرأة.

وفي أفريقيا التي دخلت في منظومة العولمة قبل أن تفرغ من تحديات التحديث والاستقلال وتحقيق الاحتياجات الأساسية مما وضعها في أزمة بنيوية خطيرة، وربما تكون أميركا اللاتينية أكثر الأقاليم تعبيرا عن فعالية منظمات مناهضة العولمة ربما بسبب اقترابها من مركزها في الولايات المتحدة الأميركية، وتكاد تكون بورتو أليغري في البرازيل رمزا لتضامن الحركات الاجتماعية يواجه رمزية دافوس.

وفي الولايات المتحدة الأميركية نفسها تبدو بوضوح مؤشرات الفجوة والتراجع الاجتماعي، ذلك أن 400 أميركي يملكون 12% من الناتج المحلي الإجمالي، أي بقدر ما يمتلكه 100 مليون أميركي، وأصبحت القروض والديون منذ عام 1990 ثلاثة أضعاف ما كانت عليه، فقد قفزت من 185 مليار دولار إلى 584 مليار دولار، كما هبط معدل الادخار الشخصي خلال نفس الفترة من 7% إلى 2%، ويعادل متوسط أجر واحد من الرؤساء التنفيذيين للشركات 326 مرة الأجر المتوسط للعامل، وأصبح الحد الأدني لأجر العامل أقل بنسبة 20% عما كان عليه عام 1968.

الأهداف العالمية للصراعات المعاصرة
"
تستهدف العولمة الليبرالية الجديدة العديد من المجالات في مقدمتها النفط والماء وديون العالم الثالث, وتسارع التسلح العالمي وتدخلات القوى المسلحة الأميركية ومخاطر الحروب
"
يظهر تقرير "عولمة المقاومة، أوضاع النضال" مجموعة من الأهداف والمجالات التي استهدفتها العولمة الليبرالية الجديدة، ومن أهمها بالطبع النفط، والذي يمثل تحديا سياسيا واقتصاديا وبيئيا وجيوإستراتيجيا، والماء الذي يدخل أكثر وأكثر في إطار منطق السوق النيوليبرالي، فقد أصبح رهانا عالميا، وديون العالم الثالث التي تبدو كقمة جبل الثلج الذي يخفي آليات الاستيلاء على ثروات الجنوب لصالح اللاعبين الماليين التابعين للشمال، وسمحت الأوضاع الدولية وبخاصة بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر/ أيلول بتسارع التسلح العالمي وتدخلات القوى المسلحة الأميركية ومضاعفة مخاطر الحرب والتهديد بها.
 
وتهدف حركات النضال الاجتماعي في هذا السياق إلى معارضة الحتمية المفروضة حاليا في مجال الطاقة من أجل تحسين كفاءة استخدام الطاقة والحصول عليها بشروط معقولة، ويدور صراع اليوم بين وجهة النظر التقليدية التي ترى الماء حقا للجميع تشرف عليه السلطات العامة، وبين اعتباره قيمة اقتصادية أو سلعة تخضع لظروف العرض والطلب.

لقد أدت خصخصة الماء إلى نتائج كارثية في عمليات توزيع الماء فقد ارتفعت أسعار الماء في بعض المدن والمناطق بنسبة 400%.
 
مناهضة العولمة الرأسمالية
مناهضة العولمة الرأسمالية شبكة عالمية كبرى، تضم ملايين الأفراد وعشرات الألاف من المؤسسات والمنظمات الاجتماعية والإعلامية والتي تحاول مقاومة الأبعاد الوحشية للعولمة، وهيمنة الشركات الكبرى على موارد العالم دون اعتبار لحقوق المجتمعات والمواطنين والتلوث البيئي وتدمير الثقافات واللغات والصناعات الوطنية.
 
وهي وإن كانت تسميتها مناهضة العولمة فإن موضوع عملها هو العولمة الرأسمالية وليس العولمة على الإطلاق، بل إنها، شبكة مناهضة العولمة، إحدى تطبيقات العولمة وتجلياتها.

العولمة بذاتها ظاهرة قديمة صنعتها التجارة والمواصلات والتبادل الثقافي والتنافس والصراع على مدى التاريخ والجغرافيا، وكانت تقدم دائما فرصا وخيارات جديدة للأفراد والمجتمعات للتفاعل الحضاري والاقتصادي على امتداد خريطة العالم.
 
ربما كانت أهم موجات العولمة الحديثة تقع في الفترة بين عامي 1870-1914 حين فتح التقدم في مجال النقل الطريق أمام بعض الدول لاستغلال وفرة أراضيها والمواد الخام لزيادة الإنتاج ومضاعفة الصادرات، وازدادت نسبة رؤوس الأموال الأجنبية بمقدار يزيد على ثلاثة أضعاف الدخل في دول أفريقيا وآسيا وأميركا اللاتينية، وهاجر نحو 60 مليون إنسان من أوروبا إلى أميركا الشمالية والعالم الجديد، وتدفق العمال من الدول الأكثر كثافة مثل الصين والهند إلى الدول الأقل كثافة مثل سريلانكا وفيتنام والفلبين وتايلند، وبلغ الحجم الكلي لهجرة العمال حوالي 10% من مجموع سكان العالم.

"
العولمة بذاتها ظاهرة قديمة صنعتها التجارة والمواصلات والتبادل الثقافي والتنافس والصراع على مدى التاريخ والجغرافيا، وكانت تقدم دائما فرصا وخيارات جديدة للأفراد والمجتمعات للتفاعل الحضاري
"
وكانت الموجة الثانية للعولمة بين عامي 1950 و1980 وهي موجة ركزت على التكامل بين الدول الغنية من خلال سلسلة عمليات تحرير التجارة متعددة الأطراف برعاية الاتفاقية العامة للتعرفات الجمركية والتجارة (الغات)، واقتصرت صادرات الدول النامية في هذه الفترة على السلع الأساسية (المواد الخام).

وبدأت الموجة الثالثة منذ عام 1980 وارتبطت بتقدم تقنيات المعلوماتية والاتصال، وضاعفت خلالها مجموعة من الدول نسبة تجارتها ودخلها.
 
لكن العولمة في مرحلتها الأخيرة، وبخاصة في العقد الأخير فقدت كثيرا من عناصر التوازن والتنافس التي كانت ضمانا للحريات وحقوق العمل والضمان والتأمين وحماية المنتجات والحرف والصناعات والثقافات القائمة، وتحولت وفقا لتقارير الأمم المتحدة والبنك الدولي إلى حالة فجوة كبيرة بين أقلية غنية تهيمن على معظم موارد العالم، وأغلبية محرومة.
 
فتقرير البنك الدولي يذكر أن خمس سكان العالم يعيشون على أقل من دولار واحد يوميا، وكشفت استطلاعات الرأي في مختلف البلدان عن قلق من الاندماج الاقتصادي والهيمنة الثقافية على الرغم من أن دولا كثيرة تشارك في الاقتصاد العالمي مع احتفاظها بخصوصيتها الثقافية مثل اليابان وماليزيا والصين والمكسيك والهند.
 
وبدون سياسات ترعى التقاليد المحلية فإن العولمة تقود فعلا إلى هيمنة الثقافة الأميركية كما أن العولمة قد تضعف الحكم وتجعل بعض أدوات السياسة غير فعالة.
 
وقد أظهرت تقارير منظمة الأغذية والزراعة الدولية أن العولمة والتحرر الاقتصادي تزيد من التصحر والتلوث وبخاصة الأنشطة القائمة على قطع الأشجار كما يحدث على نطاق واسع في المناطق الاستوائية والاعتداء على الأراضي الزراعية.

وتلجأ الشركات الأجنبية في الدول النامية إلى الضغط خلف الكواليس والرشوة للحصول على امتيازات وتسهيلات.
 
وتتسبب سبع دول صناعية في إطلاق أكثر من 70% من غاز ثاني أكسيد الكربون في العالم، والولايات المتحدة التي تشكل أقل من 4% من سكان العالم تطلق أكثر من 25% من الغازات المسببة لظاهرة الاحتباس الحراري.
 
والدول النامية التي نجحت في اختراق الأسواق الصناعية تواجه أيضا تهديدا اجتماعيا وبيئيا يعرض الحكومات والمجتمعات المدنية فيها إلى مواجهة تحديات جديدة، كما أن حداثة نموها الاقتصادي ومشاركتها في الاقتصاد العالمي تجعلها قلقة من إغلاق الأسواق في وجهها والخضوع لنزوات مستثمرين بعيدين وضعف قدرتها على الدخول في المنافسة العالمية في أسواقها المحلية وفي الخارج أيضا.

والدول الغنية أيضا يقلقها من العولمة الإرهاب والفروق الكبيرة المتنامية بين مواطنيها وخسارة وظائف تصنيعية للدول متدنية الأجور.

وهناك قلق عالمي من تزايد عدم المساواة وارتفاع حرارة الأرض وضعف الحكومات والسيادة الوطنية، وغياب سلطة منظمة سياسية مناسبة لمعالجة مشكلات قوى السوق العالمي.

وقد يؤدي الانخفاض الكبير الذي حدث في تكاليف الاتصالات والمعلومات والنقل لجعل العولمة ذات مزايا وفرص للناس للتعاون ومواجهة مشكلاتهم وزيادة الوعي والرقابة العالمية على أنشطة وأداء الحكومات والشركات الكبرى وحماية البيئة والحقوق الأساسية، وتحقيق العدالة والمساواة ورفع الظلم والاعتداء عن المستضعفين وهذا هو ما يحاول مناهضو العولمة الرأسمالية توظيفه.
 
وتظهر عمليات الاحتجاج الواسعة التي تقوم بها شبكة الحركات المناهضة للعولمة أن حالة الاحتجاج على العولمة واسعة ومعقدة تشمل شرائح من مختلف الطبقات الاجتماعية والعمرية ومن جميع أنحاء العالم.
 
يقول برغستين مدير معهد الاقتصاد الدولي في واشنطن: تمر القوى المناهضة للعولمة بمرحلة تصاعد.
 
ومن أخطر مفارقات قضية الديون أن قيمتها كانت عام 1980 تساوي 529 مليار دولار، وتزايدت عام 2001 إلى 1956 مليار دولار، لكن ما سدد في الفترة نفسها كان 3784 مليار دولار.
 
وتستند حركات مناهضة العولمة على استهداف إلغاء هذه الديون وشطبها، وقد نظم لأجل ذلك أكبر التماس في التاريخ وقع عليه 24 مليون شخص.
 
البحث عن البدائل
"
مشروع الرد الإنساني على تحدي العولمة  ليس خيالا طوباويا، لكنه ربما يكون الحل الوحيد الممكن واقعيا، وسيجتذب سريعا قوى اجتماعية ضخمة قادرة على فرض منطقها
"
لقد صاغ التاريخ الطويل للحركات العمالية ومناهضة الاستعمار، وأخيرا الحركة العالمية الاجتماعية مشاريع جديدة من أجل عولمة بديلة، فالهيمنة الرأسمالية ليست قدرا حتميا ومن أهم ملامح مشروع البدائل: البحث عن تنمية معتمدة على الذات كما هي حركة التنمية ومسارها عبر التاريخ.
 
فهي يجب أن تخضع لحركة العلاقات الاجتماعية الداخلية ومعايير التنمية الذاتية والتحكم المحلي في إعادة إنتاج قوة العمل، وهذا يفترض أن سياسة الدولة تتضمن تنمية زراعية تنتج فائضا من الطعام بكميات كافية وبأسعار تتناسب مع متطلبات ربحية رأس المال، والتحكم في وسائل تركيز الفائض بما يضمن استقلال المؤسسات المالية الوطنية وقدرتها على توجيه الاستثمار والسيطرة المحلية على الموارد الطبيعية، لتمتلكها الدولة وبقدرة حرة على الاختيار بين استغلالها أو الإبقاء عليها، والسيطرة المحلية على التكنولوجيا بمعنى إمكانية إعادة إنتاجها بسهولة دون الحاجة لاستيراد مدخلاتها الأساسية باستمرار.
 
ومشروع الرد الإنساني على تحدي العولمة التي يحركها التوسع الرأسمالي ليس خيالا طوباويا لكنه ربما يكون الحل الوحيد الممكن واقعيا، بمعنى أن البدء في تطور اتجاهه سيجتذب سريعا قوى اجتماعية ضخمة في جميع مناطق العالم قادرة على فرض قناعته.
 
ولو كانت هناك يوطوبيا بالمعنى الشائع والسلبي للكلمة فهي تلك المتعلقة بمشروع لإدارة النظام قائم على التقنين "التلقائي" عن طريق السوق العالمي، والسؤال الأساسي هو معرفة التقدم الذي حققته الحركات الاجتماعية في اتجاه هذا الرد


الإنساني، بفضل النضالات التي جرت في السنوات الماضية.

المصدر : غير معروف