عرض/ كامبردج بوك ريفيوز
هذه طبعة حديثة ومزيدة من هذا الكتاب المهم الذي ناقش الجهد الإمبريالي الأميركي والبريطاني من زاوية عنصر النفط ومركزيته في إستراتيجية هاتين الدولتين.

- اسم الكتاب: الحكومة الإلكترونية





 

- اسم الكتاب: قرن من الحرب: السياسة الأنجلوأميركية النفطية والنظام العالمي الجديد
- المؤلف: ويليام إندهال
-عدد الصفحات: 303
- الطبعة: الأولى 2004

-الناشر:
بلوتو برس

قرن من الحرب خاضته لندن وواشنطن, أي القرن العشرين, والآن يضاف إليه بداية القرن الحادي والعشرين الذي توجته الإمبرياليتان بحرب العراق.

 

في هذه الحرب وكما يقول المؤلف كان السؤال الكبير هو ما الذي يدفع الولايات المتحدة لخوض مثل هذه المغامرة بعيداً عن حجج ومسوغات أسلحة الدمار الشامل, أو "جلب الديمقراطية" للعراق وما سوى ذلك من تبريرات هشة.

الجواب الذي لا مواربة فيه كان النفط وموقعه في الجيوبوليتيك الأميركي و"الأمن القومي الأميركي" الخاص بالشرق الأوسط والعالم بشكل عام في القرن الجديد.

 

وكما كان النفط يشكل الأرضية الواضحة أو الخفية لمعظم حروب الغرب في القرن الماضي لارتباطه بأنماط الهيمنة الإستراتيجية وسيادة قوة على قوة أخرى, فإن ذات النفط كان البوصلة التي حركت جيوش البنتاغون لبغداد.

 

وهذه المقولة هي الفكرة الأساسية في الكتاب وتربط بين فصوله المختلفة التي تناقش صراعات القوى على مدار أزيد من قرن والحروب التي خيضت من قبل تلك القوى.

 

لكن علاقة النفط بحروب السيطرة أعقد كثيراً من أن تكون بسيطة ومسطحة وسهلة الالتقاط. فعادة ما تغلف القوى نزعاتها الإمبريالية والحقيقية بأغلفة سميكة من التبريرات والمسوغات تضيع معها وفي زحمتها النوايا الحقيقية وراء الحروب.

 

لهذا, فنحن أمام شبكة معقدة من الأدوار التكاملية للدبلوماسية, والاقتصاد, والتمويل, والتجسس, وإثارة النعرات والحروب, وإدارة وافتعال الأزمات التي تصب في النهاية نحو هدف واحد تريده القوة المهيمنة.

 

وما يراه المؤلف ويليام إندهال أن ما حدث في العشرية الأخيرة من القرن العشرين لا يمكن أن يكون محض مصادفات عفوية, كانت, للمفارقة, لصالح المخططات الإستراتيجية المعولمة للولايات المتحدة.

 

وهنا لا يمكن النظر بعين البراءة لسلسلة من الأحداث الكبرى بدءا من الانهيار الدراماتيكي للإتحاد السوفياتي, ثم حرب العراق الأولى وضرب وتحطيم الجيش العراقي وتأمين وجود عسكري أميركي في المنطقة, ثم حروب البلقان التي وضعت أميركا بواسطتها قدمها الثقيلة في قلب أوروبا, والحروب الأهلية اللامتناهية في أفريقيا, والأزمة المالية الحادة التي ضربت النمور الآسيوية, والأدوار المرضي عنها أميركياً التي لعبها صندوق النقد الدولي والبنك الدولي, وانتهاء الآن بمشهد الحرب العراقية الثانية.

 

قرن أميركي

"
السيطرة العسكرية والمالية مكنت الولايات المتحدة من استصدار "شهادات ورقية هي الدولار" وتوزيعها على كل مناطق العالم مقابل الحصول على أفضل أنواع الاختراعات وكل ما يخطر على البال من سلع!
"
يقول الكاتب إن القرن العشرين كان قرناً أميركياً قام على أنقاض غروب الشمس عن الإمبراطورية البريطانية, ثم اندحار الاتحاد السوفياتي في الهزيع الأخير منه.

 

ويقول إن ذلك القرن استند إلى ركنين أساسيين كانا واضحين بالنسبة لراسمي السياسة الإستراتيجية الأميركية: الأول هو القوة العسكرية التي لا تمكن منافستها من قبل أي دولة أخرى أو حتى تحالف من الدول, والثاني هو الدولار الأميركي الذي يجب أن يتحكم في اقتصاد العالم ويقوم بتأمين الهيمنة على الجانب المالي والاقتصادي.

 

في الركن الأول لم تدخر الولايات المتحدة أي جهد أو مال في تطوير ترسانة عسكرية وجيوش عابرة للقارات لا يمكن هزيمتها بشكل مباشر, وقد أدت محاولة الانخراط في سباق معها في تشكيل ترسانات منافسة إلى انهيار الاتحاد السوفياتي وشبه انهيار الصين (التي أدركت متأخرة أن عليها تغيير إستراتيجيتها نحو الاهتمام بالاقتصاد والقوة المالية عوضاً عن منافسة الولايات المتحدة بالتسلح).

 

وفي الركن الثاني أشرفت الولايات المتحدة على تأسيس وصياغة مؤسسات "بريتون وودز" في أعقاب نهاية الحرب العالمية الثانية وهي المؤسسات المالية الدولية التي أنيطت بها مهمة صياغة المعمار المالي والاقتصادي العالمي بشكل يتوافق مع الرؤية الأميركية والرأسمالية, وتتضمن تلك المؤسسات صندوق النقد الدولي, والبنك الدولي, ومنظمة التجارة العالمية (التي كان عليها أن تنتظر حتى العقد الأخير من القرن العشرين كي تتمأسس وتصبح واقعاً على الأرض).

 

ويتهكم الكاتب بالقول إن السيطرة العسكرية والسيطرة المالية مكنت الولايات المتحدة من استصدار "شهادات ورقية هي الدولار" وتوزيعها على كل مناطق العالم مقابل الحصول على أفضل أنواع الاختراعات وكل ما يخطر على البال من سلع.

 

وهي عملية فائقة وفريدة في التاريخ وتمت بمنتهى الثقة. وفي موقع القلب من هذه العملية المعقدة التي بواسطتها استطاعت الولايات المتحدة أن تسخر اقتصادات الدول الأخرى لخدمة الاقتصاد الأميركي يقع النفط, الذي هو المحرك الفعال للإستراتيجية الأميركية في معظم مناطق العالم كما يرى المؤلف.

 

كيسنجر: سيطر على النفط تسيطر على العالم!
ربما كان كيسنجر من الإستراتيجيين الأميركيين القلائل الذين ترجموا "إيمانهم العميق" بالأهمية المركزية للنفط في السياسة الدولية إلى ممارسة وواقع من خلال الأدوار التي لعبها خلال فترة عمله مستشارا للأمن القومي في عهد الرئيس ريتشارد نيكسون.

 

وهذه المقولة لا تنطبق على السيطرة الأميركية فحسب, بل إنها تعود إلى حقبة الإمبراطورية البريطانية التي يتابع المؤلف أسس هيمنتها بتفصيل. ويرى أن تلك الهيمنة كانت تقوم على ثلاثة أركان أحدها السيطرة على مصادر المواد الخام في العالم وفي مقدمتها النفط, والركنان الآخران هما السيطرة على الملاحة الدولية, والسيطرة على الأسواق المالية العالمية والنظام البنكي.

 

"
كان كيسنجر من الإستراتيجيين الأميركيين القلائل الذي ترجموا "إيمانهم العميق" بالأهمية المركزية للنفط في السياسة الدولية إلى ممارسة وواقع من خلال الأدوار التي لعبها
"
على أن البريطانيين, ثم الأميركييين من بعدهم, لم يكونوا وحدهم في التفكير في آليات السيطرة على النفط ودوره الحيوي في تمتين أي مشروع للهيمنة الإمبريالية.

 

فألمانيا في العقد الأخير من القرن التاسع عشر كانت توثق صلاتها بتركيا وتدخل معها تحالفاً تاريخياً سيستمر نصف قرن تاليا خاض فيه البلدان حربين عالميتين.

 

وفي تلك المرحلة, وتحديداً سنة 1889 اقترحت ألمانيا إنشاء خط حديد برلين-بغداد ماراً بشرقي أوروبا  ومخترقاً تركيا وصولاً إلى بغداد والكويت. وحاول الألمان تنفيذ المشروع ونفذت بعض أجزائه.

 

لكن بريطانيا العظمى جن جنونها لأن مثل هذا الخط يعني سيطرة ألمانية مباشرة على الموارد الخام في منطقة الشرق الأوسط عن طريق البر وليس البحر الذي يقع تحت السيطرة البريطانية.

 

ولأن الخط المقترح كان سيمر في البلقان, ويمر في الأراضي الصربية, تحول النظر إلى إشعال القلاقل والحروب في البلقان بحيث يستحيل معها إنشاء الخط. وبالفعل فقد شهدت تلك المنطقة حروباً لا تحصى مهدت عملياً للحرب العالمية الثانية وقطعت الطريق على إنشاء الخط الحديدي.

 

بريطانيا ووعد بلفور العجيب

"
تصارعت القوة الآفلة مع القوة البازغة على الثروات وفي مقدمتها نفط الشرق الأوسط, وحصل في النهاية الإحلال المعروف حيث تسلمت أميركا من بريطانيا التركة وكأنها ترثها عن حق فيما شعوب ومصالح المنطقة كانت تُداس
"
يتوقف الكتاب بعض الشيء عند ما يسميه الوعد الغريب من قبل آرثر بلفور, وزير خارجية بريطانيا خلال الحرب العالمية الأولى للورد روتشيلد أحد أبرز أعضاء المنظمة الصهيونية العالمية, الذي "منحت" بموجبه بريطانيا فلسطين لليهود.

 

لكن غرابة ذلك الوعد تتضح عندما يضعها في السياق الاستعماري العريض حيث كان الإستراتيجيون البريطانيون على إدراك عميق بأهمية إقامة موطئ قدم دائم في المنطقة يسهل استدامة السيطرة على قناة السويس ويكون مرفأً لتصدير المواد الخام وحلقة الوصل بين بريطانيا, وأوروبا, والهند والجنوب الآسيوي بعامة.

 

على أن المخططات البريطانية لصوغ عالم مُسيطر عليه من قبل لندن وأسواقها المالية وأطماع "بنك أنجلترا" تحطمت على صخرة الحرب العالمية حيث أنهكت الإمبراطورية وبدأت طور الأفول. وبالتوازي معها بدأ طور بزوغ السيطرة العالمية للولايات المتحدة.

 

وهنا تصارعت القوة الآفلة مع القوة البازغة على الثروات والمصادر وفي مقدمتها نفط الشرق الأوسط, وحصل في نهاية الأمر الإحلال المعروف حيث تسلمت أميركا التركة وكأنها ترثها عن حق وقانون فيما شعوب ومصالح المنطقة كانت تُداس ولا تدخل في حسابات أي من المتصارعين.

 

درس أزمة النفط بعد حرب أكتوبر 1973
بعد أن دانت السيطرة على نفط الشرق الأوسط للولايات المتحدة نظمت واشنطن الأمور على خير ما يرام لجهة تصدير النفط بأسعار رخصية جداً لأميركا وللغرب عموماً. لكن مشاكل الاقتصاد الأميركي خاصة في أواخر الستينيات وخلال حرب فيتنام تفاقمت.

 

وكان من نتائجها ضعف الدولار أمام العملات الأوروبية وزيادة العجز في الميزانية الأميركية, ثم ما تبعه من فك العلاقة بين الدولار والذهب, بقرار من ريتشارد نيكسون الرئيس الأميركي في أوائل السبعينيات.

 

كان من شأن ذلك القرار أن دبت الفوضى في الاقتصاد العالمي حيث لم تعد العملة الأهم في العالم مغطاة كما هو معتاد, مما يعني أن مئات المليارات إن لم يكن ألوفها من الاستثمارات والمدخرات الأجنبية في البنوك الأميركية أصبحت مهددة. لم يعد الدولار مرغوباً فيه, وكان لا بد من تحرك كبير.

 

بموازاة ذلك وكما يشير المؤلف كان هنري كيسنجر مع حلقة ضيقة من المخططين الأميركيين يعملون ليل نهار ضمن مجموعة عالمية أطلق عليها "اجتماع بيلدربيرغ" تعقد اجتماعات سنوية في السويد لمراقبة الاقتصاد العالمي وضمان السيطرة عليه.

 

في الاجتماعات المتتالية في السنوات الأولى من عقد السبعينيات, وأهمها اجتماع مايو/آيار 1973, كانت الرؤية الأميركية الاقتصادية واضحة: لإنقاذ الاقتصاد الأميركي لا بد من إحداث انقلاب عالمي يوقف النمو الصناعي في أوروبا واليابان ويعيد تنشيط الطلب على الدولار.

 

وكان أن وضع هدف رفع أسعار النفط إلى 400% مما يعني مضاعفة الطلب على الدولار وبما يعني شل النمو الصناعي فترة من الزمن ريثما تلتقط الولايات المتحدة أنفاسها.

 

ويرى المؤلف أن حرب أكتوبر 1973 كان سببها الرسائل التحريضية التي كان ينقلها هنري كيسنجر بين إسرائيل والدول العربية آملاً نشوب الحرب, وفي أن يحصل حظر للنفط يليها بشكل يرفع الأسعار للسقف المطلوب. وهو ما حدث بالفعل.

 

"
بعد حرب أكتوبر نظمت الولايات المتحدة سيطرتها على السوق النفطية حتى لا يظن العرب أنه بإمكانهم تكرار حظر النفط كما يشاؤون
"
فبعد أن أعلنت الدول العربية عدم تصدير النفط للولايات المتحدة وهولندا, ورفع السعر 70% ثم 100% اضطرب الاقتصاد العالمي.

 

أما بريطانيا التي كانت على تعاون مستمر مع الولايات المتحدة في تلك المؤامرة فلم يقطع عنها النفط لأنها أعلنت أنها محايدة في حرب 1973, وباتفاق مع واشنطن.

 

ثم في إيران أقنع الشاه بقية أعضاء الأوبك برفع السعر مرة أخرى ليصل إلى مستوى 400% كما كان يخطط كيسنجر وبالاتفاق معه (رغم أن الشاه كان ضد رفع  الأسعار في البداية).

 

وفي الوقت الذي حل فيه غضب العالم والمجتمعات على العرب لأنهم أوقفوا تصدير النفط ورفعوا سعره, كانت الولايات المتحدة وبريطانيا وراء ذلك. 

 

يتضح من كل ما سبق دور النفط المركزي في صوغ ليس تاريخ الشرق الأوسط فحسب, بل وعالم القرن العشرين والحادي والعشرين.

 

كل ذلك وما يعود إلى البلدان العربية المصدرة لا يرقى إلى جزء بسيط من العوائد الكلية المقسمة بين شركات التنقيب الغربية أيضاً وأكثرها أميركية, والضرائب المفروضة على إنتاج النفط, وتكريره, والبيئة, وسوى ذلك.

 

بعد حرب أكتوبر نظمت الولايات المتحدة سيطرتها على السوق النفطية حتى لا يظن العرب أنه بإمكانهم تكرار حظر النفط كما يشاؤون وإحباط استخدام النفط كسلاح في يد العرب يمكن لهم توظيفه في السياسة, فضلاً عن "ضرورة" ضبط سيطرتهم على أسعاره وشل قدرتهم على التحكم في الأسواق. وهو الأمر الذي نجحت فيه حتى الآن.

المصدر : غير معروف