عرض/ الحسن سرات
الغرض الأساسي من كتاب "الإسلام في اختبار الغرب" هو اعتبار الهجرة المسلمة إلى القارتين الأوروبية والأميركية بمثابة لحظة مؤسسة لفضاء جديد من أجل التلاقح الثقافي الذي ينبغي تحليله. وتأتي هذه اللحظة التاريخية في قلب العولمة، مرحلة خاصة تهيمن عليها الحركية القصوى للثقافات والأديان. ولهذا يجب أن نفهم الأقليات المسلمة في الغرب آخذين بعين الاعتبار الإسلام العالمي".
 

- اسم الكتاب: الحكومة الإلكترونية





 

- اسم الكتاب: الإسلام في اختبار الغرب
- المؤلف: جوسلين سيزاري
-عدد الصفحات: 291
- الطبعة: الأولى 2004م

-الناشر:
دار لاديكوفيرت, فرنسا

وتلفت جوسلين سيزاري مؤلفة الكتاب والخبيرة في شؤون الإسلام بأوروبا وأميركا الانتباه إلى منهجها المتبع لفهم الحضور الإسلامي في الغرب، فتؤكد منذ البداية أنها ضد كل أشكال الخطاب التبسيطي للإسلام، ولذلك فهي "ترفض كل مقاربة أحادية ترتكز على ملاحظة التغيرات الدينية والثقافية بين المسلمين فقط".
 
وتقترح المؤلفة بدلا من ذلك "رد التحول الجاري إلى كل من الإسلام والمجتمعات الغربية معا". وذلك مع ما فعلته في القسم الأول من كتابها عندما بينت كيف تحولت العلمانية والقومية في المجتمعات الغربية من حضور إسلامي في الغرب إلى شروط سياسية وثقافية غير مسبوقة، كما أن ذلك يغير من تطبيقات المسلمين لدينهم ليصبح الإسلام أكثر خصخصة وأكثر فردانية. 
فكرتان كبيرتان
فكرتان كبيرتان تسريان في الكتاب, فما أن تفتح المقدمة حتى تلقى الفكرة الأولى وهي "التلاقح بين الإسلام والغرب بدل التناطح"، و"الوئام بدل الصدام"، وكما بدأت أول كتابها تعيده جوسلين سيزاري في الخاتمة.
 
وبين الدفتين تفصل المؤلفة في الكتاب كله عملية تبادل التأثير بين الإسلام والغرب والإسلام والعلمانية في القارة العتيقة (أوروبا) والقارة الجديدة (أميركا)، وتلك هي ثانية الفكرتين الجامعتين للكاتبة التي تفرض على الجميع احترامها وتقديرها جزاء إنصافها واعتصامها بالمنهج العلمي الموضوعي ونتائجه المنطقية مهما كانت لا تروق لحاملي طبول الحرب والنافخين في نار المواجهات الدينية باسم نبي المحبة والسلام عيسى المسيح عليه السلام أو نبي الملحمة والمرحمة محمد عليه الصلاة والسلام. 
 
ويمتلئ هذا الكتاب بالتحقيقات والمقابلات التي أنجزتها المؤلفة منذ سنوات عدة على جانبي المحيط الأطلسي. تفعل هذا الأمر بعلم واقتدار، إذ إنها باحثة في مجموعة سوسيولوجيا الديانات والعلمانية بالمركز الوطني الفرنسي للبحث العلمي، وهي حاليا أستاذة زائرة بجامعة هارفارد، ولها كتب كثيرة ومقالات عديدة حول الإسلام والغرب، منها "أن تكون مسلما في فرنسا"، و"هل يجب الخوف من الإسلام"، و"الإسلام في أوروبا" و"مسلمون وجمهوريون" "الشباب والإسلام وفرنسا"، ومن المنتظر أن تنشر قريبا كتابا بعنوان "الإسلام الأوروبي والإسلام الأميركي".
 

تحولات الإسلام في ديار العلمانية
"
يمثل الإسلام عنصرا رئيسيا في الشعور الجمعي والانتماء التاريخي والوحدة الوطنية في البلدان الإسلامية، لكن الأمر يختلف في البيئة الغربية، بل هناك تناقض بين الهوية الفردية والجماعية
"
تبادر سيزاري إلى إبداء ملاحظتين أوليتين سريعتين، وهما علمنة الالتزام الفردي بالإسلام، وتطبيقات الشريعة في المحاكم الأوروبية والأميركية.

وعلى الرغم من أن الاختيار الديني قرار فردي في الإسلام والمجتمعات الإسلامية، مما يفتح المجال أمام انتقاد التطبيقات السابقة للالتزام بالإسلام في تاريخ المسلمين، إلا أن السياق يختلف في الغرب. ففي البلدان الإسلامية يمثل الإسلام عنصرا رئيسيا في الشعور الجمعي والانتماء التاريخي والوحدة الوطنية والتضامن الاجتماعي والتعبير الثقافي، لكن الأمر يختلف في البيئة الغربية، التي تكشتف فيها الأجيال المسلمة الجديدة أن الأمر مختلف، لا بل متناقض بين الهوية الفردية والجماعية والهوية الوطنية.
 
يجري هذا في مناخ من سوء الفهم بل العداء الواضح.
تقود فردانية الاختيار الديني إلى أشكال متعددة من الالتزام بالإسلام (الكينونة الإسلامية)، فهناك الإسلام الجماعي والإسلام الأخلاقي والإسلام الثقافي والإسلام العاطفي الوجداني حسب تصنيف "دانييل هيرفيو-ليجيه".
 
الإسلام الجماعي يظهر في الالتزام بالشعائر الإسلامية، الأركان الخمسة والختان والأطعمة الحرام واللباس. أما الإسلام الثقافي فيعطي الأولوية للغة والأجداد والمجموعة العرقية المنحدر منها. في حين أن الإسلام الوجداني يتميز بالتعاطف مع القضايا الإسلامية (فلسطين والبوسنة وكوسوفا والعراق).
 
في غرب ما بعد الحداثيين تهيمن العلاقة الفردانية الخصوصية مع الإسلام عاطفية كانت أو ثقافية أو أخلاقية. 
 في 1998 أكد استطلاع "سوفرسين لونوفيل أوبسرفاتور" أن هذا التيار الغالب، 49% من المستجوبين قالوا إن الإسلام شأن شخصي. 87% قالوا إن الإسلام ينسجم مع الجمهورية، 75% رفضوا إنشاء حزب إسلامي (لونوفيل أبسرفاتور 15 ـ 21 يناير 1998).
 
فقه الأسرة في مجال غربي
من أهم مجالات الشريعة التي تأثرت بالحياة العلمانية الغربية مجال الأسرة زواجا وطلاقا، وتحتل قضية تعدد الزوجات المرتبة الأولى في القضايا التي يجتاحها التحول بل الرفض من لدن معظم قوانين الديمقراطيات الغربية إن لم تكن كلها.
 
بل إن دولة مثل فرنسا يرفض قانونها طلاق النساء ولو تم في المغرب والجزائر. وإذا كان القانون الإسلامي الخاص بالزواج والطلاق والميراث لا يمكن تطبيقه في أي بلد غربي، ولو كان المعتنقون للإسلام من أبناء الغرب أنفسهم، فإن محاولات عدة للتوفيق بين الإجراءات القانونية لبلدان الغرب والأحكام الشرعية الإسلامية تتضاعف هنا وهناك للخروج من المأزق.
 
تقول الكاتبة في هذا السياق "هناك عرف إسلامي جديد يتكون في قاعات المحاكم الأوروبية والأميركية، وكقاعدة عامة، فإن التفاوض سلوك معتمد في كل أوجه الحياة الأسرية، والاعتراف بالحرية الفردية واعتبار المصلحة العليا للأطراف يؤديان إلى توافقات لا تكتفي بالتغيير الحرفي، بل بتغيير روح القانون الإسلامي بإفراغه من معانيه التي تصاحبه في المجتمعات الإسلامية.
 
إن جولة حول خصوصية الإسلام في قلب المجتمعات العلمانية تظهر أن السؤال ذاته لا يتوقف عن الطرح، كيف نتوصل إلى إدماج الإسلام والمسلمين مع الحفاظ على مبدأ المساواة وأولوية الحرية الفردية؟" وعلى النقيض من ذلك، فإن علمنة المؤسسات الإسلامية لا تثير الأسئلة ذاتها.
 
ذلك أن علمنة الإسلام تعني تمثيله المؤسساتي في إطار الدول الأوروبية، بما يعنيه ذلك من تنسيق وتعاون بين المسلمين والدولة العلمانية. في الولايات المتحدة يترجم هذا التعاون بدخول الإسلام في الدين المدني، وتكاثر مجموعات الضغط الإسلامية.
 
الفتح الإسلامي للانغلاق العلماني
"
تنوع أوضاع "الأوروإسلام" يعكس الخصوصية السياسية والثقافية لكل بلد أوروبي أكثر مما يعكس الاستثناء المدعى للإسلام
"
ما كان للعلمانية أن تراجع موقفها من مكانة الدين في المجال العام لولا حضور الإسلام، أو لنكن أكثر تواضعا وموضوعية فنقول ما كان لها أن تفعل ذلك على الحال الذي حدث لولا انتقال الإسلام إلى الغرب، وعلى هذا الاعتبار يصبح الإسلام فاتحا للانغلاق العلماني الغربي عموما، والأوروبي خصوصا.
 
وتقول سيزاري وهي ترصد مكانة المؤسسات الإسلامية داخل المنظومة العلمانية الحاكمة بالغرب "من المثير أن نلاحظ أنه في كل أوروبا، أعاد مجيء الإسلام فتح ملف اعتبر مغلقا منتهيا من أمره، وهو ملف العلاقة بين الدولة والديانات، فتنوع أوضاع "الأوروإسلام" يعكس الخصوصية السياسية والثقافية لكل بلد أوروبي أكثر مما يعكس الاستثناء المدعى للإسلام".
 
أكبر مظهر لعلمنة الإسلام على الصعيد الجماعي في تقدير المؤلفة يتمثل في المؤسسات التي تمثل المسلمين في المجتمعات والدول الغربية، وهي المؤسسات التي تطلق عليها "الكنائس" المسلمة الأوروبية، اسم خارج عن سياقه المسيحي والإسلامي معا، لكن المراد منه التأكيد على الأرض التي حط فيها الإسلام الرحال وشرع في زرع البذور واستنبات الجذوع والأغصان.
 
خصوصية الحالة الفرنسية
 تعتبر الدولة الفرنسية نفسها وريثة الثورة الفرنسية والفلسفة الوضعية التي أراد لها واضعها أوغست كونت أن تكون دينا إنسانيا بديلا، يلبس الشكل الهرمي للكنيسة لكنه يقلب جوهرها وينفيه تاما. وقد أحسنت الباحثة في تشريح النفسية الفرنسية العلمانية في أسلوب تناولها للإسلام ومؤسساته ومظاهره من خلال قضية "المجلس الفرنسي للديانة الإسلامية" وقضية الحجاب، ولذلك فصلت الباحثة في هذا تفصيلا وافيا في فقرتين اثنتين: الأولى بعنوان "خصوصية الحالة الفرنسية (من ص 109 ـ 113) والثانية بعنوان (الإسلام والأيديولوجيا العلمانية) (ص 118 ـ 125).
 
وتؤكد الباحثة أن الحضور الإسلامي وتمثيله كان فرصة للعودة وإحياء التطرف اللائكي الجمهوري بفرنسا، إذ اعتقد "الأصوليون العلمانيون" أنهم بمواجهة الإسلام كأنما يواجهون الكنيسة كما واجهها آباؤهم من قبل.
 
وبعد استعراض المحطات التي مر بها النقاش والتشريع الفرنسي، تخلص الباحثة إلى تقديم تفسير نافذ للحالة الفرنسية فتقول (ص 122): "تفسير الخشونة الفرنسية بخصوص الحجاب في جزء منها بالأزمة الثقافية للجمهورية.
 
فلم تكن رسالة المدرسة الجمهورية مقصورة على نقل المعرفة فحسب، ولكنها كانت مسؤولة عن ترويج كونية الأخلاق، المبنية على العلم، في تعارض مع خصوصية الديانات، وبذلك كانت ترسم الحدود لدولة تعيد التوليد، أي دولة على الرغم من أنها غير مبنية على عقيدة ودين، إلا أنها كانت مهمومة بتحويل الفرد والمجتمع المدني من خلال برنامج سياسي تربوي طموح.
 
وفي هذا السياق، كانت تشتغل على أنها قوة مناهضة للكنيسة وساعية إلى الهيمنة والاحتكار، باستخدام الرصيد العلمي كعقيدة راسخة، وذلك ما أصبح مستحيلا مع الذوبان المتزايد لهذه البنيات الطوباوية للحداثة، وذلك ما يطرح، بطريقة مأساوية، سؤال الرباط الاجتماعي في مجتمع ذري حيث تعاد مناقشة فكرة استكمال وتحقيق التقدم، أي شيء يمكن له تأسيس أسباب تجمع الأفراد ليتدارسوا فيما بينهم مستقبلهم المشترك، وذاكرتهم الجماعية المشتركة في الآن نفسه؟ فالمدرسة العمومية لا تملك الوسائل الكفيلة بتقديم جواب نهائي مجمع عليه لهذا السؤال".
  
أشكال ووجوه جديدة للوجود الإسلامي
"
أسوأ سيناريو في تطور العلاقة بين الإسلام والغرب هو أن تتعرقل مسيرة التحولات وتتراجع، في حين تستمر سياسة مكافحة الإرهاب في الدول الغربية
"
وعلى مدى أكثر من نصف الكتاب تستعرض الكاتبة أشكال الوجود الإسلامي في الغرب، وتكيفه مع القوانين المعمول بها في كل بلد، وانتقال الحركات الإسلامية بفصائلها المتعددة إلى أوروبا وأميركا، وطبيعة عملها في بلدان غير بلدانها الأصلية.
 
وتقوم المؤلفة برصد التحولات الحاصلة في تدبير الشأن الديني في بيئة غير إسلامية ولا رسمية، وتتوقف أمام الأئمة الجدد ووظائفهم والمفكرين والخطباء المسلمين الذين سطع نجمهم في الغرب واستطاعوا تجاوز الحدود.
 
وتقدم نماذج لكل هؤلاء مثل "الإمام الباحث" مامادو دافيه إمام تولوز بفرنسا والعربي كشاط إمام مسجد الدعوة أكبر المساجد حاليا في أوروبا والموجود في شارع طنجة بباريس، وإبراهيم موغرا إمام مسجد عمر بليستير البريطانية وطلال عيد إمام ومدير الشؤون الدينية بالمركز الإسلامي بإنجلترا الجديدة في الولايات المتحدة، وسراج وهاج إمام مسجد التقوى ببروكلاين بالولايات المتحدة أيضا، وأحمد جاب الله رئيس سابق لاتحاد المنظمات الإسلامية بفرنسا والحاج التهامي إبريز الرئيس الحالي وفؤاد علوي الكاتب العام الحالي للمنظمة السالفة وحسان حتحوت وطه جابر العلواني والشيخ حمزة يوسف وسيد حسين نصر بالولايات المتحدة وجمال بدوي بكندا والشيخ أحمد علوي ببريطانيا وطارق رمضان بسويسرا وفرنسا.

هؤلاء وغيرهم، والجمعيات والمنظمات التي ينتمون إليها ومنظمات أخرى تشارك كلها في تجديد الفكر والفقه الإسلاميين بالغرب والعالم، فقه للأقليات يأخذ بعين الاعتبار سياق العلمنة التي يعيش فيها المجتمع الغربي ويتحرك فيها مسلمو الغرب.
 
وتختتم الباحثة كتابها بالإشارة إلى التوتر الحاصل بين التيارين الرئيسيين بين المسلمين في العالم والغرب على الخصوص، وتنبه إلى أن التحدي الأكبر في السنوات القادمة يكمن في تطور هذا التوتر بين تيار الإصلاح والانفتاح وتيار التشدد والانغلاق. وذهبت إلى أن مسار التطور ومصيره محكوم باختيار مسلمي الغرب أنفسهم وسياسة الإدماج لدى الحكومات الغربية.
 
وتتوقع المؤلفة أن يكون أسوأ سيناريو في هذا التطور هو أن تتعرقل مسيرة التحولات وتتراجع، في حين تستمر سياسة مكافحة الإرهاب في الدول الغربية، "سياسة لن تستطيع القضاء المبرم على جنون بن لادن- والقول للكاتبة-وإنما ستسهم في نموه وتصاعده".

المصدر : غير معروف