عرض/إبراهيم غرايبة
يعرض هذا الكتاب تاريخ العالم على أساس أن البشرية عالم شمولي متعدد الأوجه من السيرورات والعمليات المترابطة، وهو ما تؤكده العولمة القائمة اليوم، والتي لم تكن طفرة في مسار البشرية وتاريخها.

- اسم الكتاب: الحكومة الإلكترونية






- اسم الكتاب: أوروبا ومن لا تاريخ لهم
-
المؤلف:
إريك وولف
- ترجمة: فاضل جتكر
-عدد الصفحات:
685
- الطبعة: الأولى  2004م

-الناشر:
المنظمة العربية للترجمة، بيروت 

 

فنيويورك تعاني من الإنفلونزا  الهونغ كونغية، وبساتين العنب الأوروبية تتعرض للإبادة بسبب القمل الأميركي، ومشكلات النفط في الخليج العربي تعطل إقامة المشاريع في أوهايو، وتحول ميزان المدفوعات الأميركية يؤدي إلى هروب الدولارات إلى فرانكفورت ويوكوهاما، وينتج الإيطاليون سيارات فيات في روسيا.

وهو ليس واقعا جديدا، فهو صحيح بالنسبة للماضي، فالأوبئة القادمة من أوراسيا أجهزت على السكان الأصليين في أميركا وأوقيانوسيا، ومرض الزهري انتقل من العالم الجديد إلى القديم، وقام الأوروبيون مع نباتاتهم وحيواناتهم بغزو الأميركتين، وانتشرت المحاصيل الأميركية في العالم كله، وعمال أفريقيون وآسيويون رحلوا عنوة إلى العالم الجديد، وتعلمت أوروبا تقليد المنسوجات الهندية والخزف الصيني، والشوكولا الأميركية، والتبغ الأميركي الأصلي، واستخدام الأرقام العربية.

الجغرافيا السياسية

"
كان العالم في القرن الـ 15 الميلادي تربطه طرق مواصلات وتجارة، وتمزقه الحروب والصراعات الدينية والسياسية، وتتجمع الدول والكيانات على أساس الزراعة
"
الجغرافيا السياسية للعالم في القرن الخامس عشر الميلادي, كان العالم تربطه طرق مواصلات وتجارة، وتمزقه الحروب والصراعات الدينية والسياسية، وتتجمع الدول والكيانات والمجموعات السكانية فيه على أساس الزراعة.

وفرضت الجغرافيا طرق اتصال برية وبحرية أعطيت في الدول القائمة أولوية الصيانة والحماية، وكانت هدفا إستراتيجيا للصراع والحروب، وهكذا فقد شكلت الزراعة وطرق القوافل التاريخ القديم.

كانت دولة الأتراك العثمانيين التي بدأت عام 1300 تصعد وتتوسع على حساب الدولة البيزنطية حتى دخلوا القسطنطينية عام 1453، وأسسوا لإمبراطورية دامت حتى نهاية الحرب العالمية الأولى.

وكان الاقتصاد العثماني قائما على الاستخدام الواسع للنقد المستمد من الضرائب والخراج على أعمال التجار والزراع، وأنشأ ذلك طبقة من الموظفين والأعيان الملتزمين للدولة بجمع الضرائب وتوفيرها للمركز.

وفي شمال أفريقيا والجزيرة العربية -حيث تمر القوافل التجارية بين الشرق والغرب- نشأت مدن ومحطات وكيانات لتأمين القوافل وتزويدها وتنظيمها، وأنشأ ذلك نظاما تجاريا وإداريا وسياسيا أيضا، ونشأت تفاعلات وعلاقات بين النخب المنظمة للتجارة والجماعات البدوية والرعوية المنتشرة على مسار القوافل التجارية.

وكان التمرد على السيطرة يعني تشكيل تحالفات مع قطاعات قبلية ساخطة، والتماس تعاون تجار وحرفيين حضريين مستائين، وكانت الحصيلة سجالا دائما يقوم فيه الساخطون باختبار حدود سيطرة الحاكم وقبضته، إلى أن تصبح طريق الإطاحة به ممهدة، وبعد الإمساك بزمام السلطة كانت الدورة تعود إلى نقطة البداية من جديد.

وبدأت مناجم الذهب والتزود بالمواد الغذائية وتجارة العبيد والنخاسة تضيف أبعادا اجتماعية وسياسية وثقافية أخرى للنظام التجاري الزراعي القائم حول طرق القوافل والأراضي والسهول الزراعية، وجعلت أفريقيا منخرطة في شبكة التجارة والصراع القائمة.

وفي آسيا، في جنوب شرقها وفي الهند والصين -حيث مصدر التوابل والمنسوجات- نشأت شبكة من الطرق البرية، وأهمها طريق الحرير، والطرق البحرية التي شكلت أساس الصراع والتنافس الحديث في أواخر القرن الخامس عشر الميلادي.

العالم الجديد
لم يترك لنا ابن بطوطة، أو ماركو بولو أوتشنغ هو، أشهر رحالة القرن الرابع عشر والخامس عشر الميلادي، سجلا أو إشارة سفر إلى العالم الجديد، لكن البينات الأثرية الإثنو-تاريخية تبدي أن تواصلا قديما وفاعلا كان قائما بين العالمين.

وفي عام 1400 كان في القارة الأميركية دول وحضارات زراعية أنشأت كيانات سياسية، دولة الإينكا في الشمال والتي وصلت إلى مستوى حضاري وتقني لم يكن يقل عما هو عليه الحال في العالم القديم، مثل النسيج والري والبناء وطرق المواصلات، واستخراج المعادن.

وفي أميركا الوسطى نشأت دول ومدن، فقد كانت مدينة كامينالوغويو في غواتيمالا تضم حوالي 200 ألف نسمة، وكانت الكتل السكانية تتعايش في شبكة سياسية وثقافية واجتماعية من العلاقات.

الانتاج وحركة التاريخ

"
ظهر نمط الإنتاج الرأسمالي إلى الوجود -بنظر ماركس- حين أصبحت الثروة المالية قادرة على شراء قوة العمل، وهذه القدرة ليست صفة متأصلة في الثروة بحد ذاتها، ولكنها تتطور تاريخيا
"
أمضى ماركس معظم حياته في تحليل نمط الإنتاج الرأسمالي، وقد فعل ذلك بطبيعة الحال لفهمه بما يمكنه من المساهمة في الإجهاز عليه ووضع حد له، فماذا كانت برأيه سماته البارزة؟
بنظر ماركس ظهر نمط الإنتاج الرأسمالي إلى الوجود حين أصبحت الثروة المالية قادرة على شراء قوة العمل.

وهذه القدرة المحددة ليست صفة متأصلة في الثروة بحد ذاتها، إنها تتطور تاريخيا، وتتطلب توافر مقدمات معينة، ليست قوة العمل بذاتها سلعة منتجة من أجل عرضها للبيع في السوق، لكنها سمة من سمات البشر، قدرة يتمتع بها الإنسان بوصفه نوعا بيولوجيا.

فطوال بقاء الناس قادرين على وضع أيديهم على وسائل الإنتاج (الأدوات، الموارد، الأرض) واستخدامها لتوفير مستلزمات معاشهم مهما كانت الترتيبات الاجتماعية ليس ثمة ما يلزمهم بيع قدرتهم على العمل إلى شخص آخر، وحتى تصبح قوة العمل سلعة معروضة للبيع لا بد من بتر الرابطة القائمة بين المنتجين ووسائل الإنتاج إلى الأبد.


في عالم عام 1400 كانت المناطق الزراعية الرئيسية عائدة لدول قائمة على اعتصار الفوائض من أوائل المنتجين من قبل حكام عسكريين أو سياسيين، وهذه الدول تمثل نمطا للإنتاج يكون فيه المنتج الأولي (المزارع والراعي) قادرا على امتلاك وسائل الإنتاج، فيما تحصل منه الضرائب بوسائل سياسية أو عسكرية.


وكان لهذه الساحات الاجتماعية الخراجية نظيرتها الثقافية المتمثلة بـ "الحضارات"، وهي مناطق تفاعل ثقافي مستندة إلى مجتمع خراجي مهيمن يشكل مركزا لكل منطقة، ومثل هذه الهيمنة تنطوي على تطوير نموذج أيدولوجي معين من خلال نشاط نخبة مركزية ناجحة من آخذي الفائض، نخبة تكررها نخبة أخرى داخل أفلاك سياسية- اقتصادية أوسع من التفاعل.

كان وضع اليد على الموارد هو الإستراتيجية الرئيسية التي اتبعتها قوى شبه جزيرة أيبيريا في القرن الخامس عشر: البرتغال وإسبانيا، وهي الإستراتيجية  التي اتبعها ملوك فرنسا وبريطانيا في القرن الحادي عشر.

كانت الموانئ الإيطالية هي المستفيد الحقيقي من الحملات الصليبية، عن طريق تقديم خدمات الشحن وتسويق المواد المنهوبة، وقامت شبكة إيطالية تجارية توسعت عبر ضفتي المتوسط إلى الصين شرقا وإلى أعماق أوروبا شمالا وغربا.

وكانت البرتغال في طليعة الكيانات السياسية الأوروبية التي تطورت إلى مركز نشاط توسعي يبحث عن الثروة، وتحول البلد الفقير الذي لا يتجاوز عدد سكانه المليون في الأيام الأخيرة من العصور الوسطى يملك مستعمرات نائية وواسعة في أميركا (البرازيل) وفي أفريقيا وجنوب شرق آسيا، لكن هذه الإمبراطورية تدهورت مع حلول عام 1800.

بدأ الصعود البرتغالي بالتوجه نحو السفر بحرا والبحث عن موارد جديدة غير الزراعة وصيد السمك، وفي عام 1425 احتل البرتغاليون مدينة سبتة المغربية، إحدى محطات استقبال تجارة الذهب عبر الصحراء، وبدأ عمليات واسعة للتجارة في الرق، والتوابل، والعاج والمنتوجات الأفريقية.

وأما إسبانيا التي قامت على نواة قشتالة وآراغون  ثم طرد العرب والمسلمين، فقد استخدمت تراث العرب البحري للسفر والاكتشاف عبر المحيطات، واشتغلت باستخراج الذهب والفضة من القارة الأميركية المكتشفة، ولكن مع حلول نهاية القرن السادس عشر كان الأسطول الإنجليزي يتفوق على إسبانيا، والتي تحولت إلى عالم من البؤس والتخلف.

وبرز الهولنديون في القرن الخامس عشر مؤسسين قوة بحرية تجارية وعسكرية قائمة على خبراتهم في الصيد والنقل البحري، والازدهار الذي تحقق في منطقة البلطيق والقائم على إنتاج وتجارة ونقل القمح والأخشاب والسمك والقماش.

وأدى انتشار البروتستانتية في هولندا إلى حرب مع إسبانيا دامت ثمانين عاما خرجت منها هولندا أقوى عسكريا وماليا، وحققت نجاحا كبيرا في استقطاب رؤوس الأموال والمهارات الحرفية والمهنية، حتى كان الهولنديون بحلول القرن السابع عشر يتحكمون بثلثي تجارة النقل بين البرازيل وأوروبا، ومصدر الأخشاب واللوازم البحرية للأساطيل البرتغالية والإسبانية.

وتحولت أمستردام طوال القرنين السابع والثامن عشر أهم مركز تجاري أوروبي، لكن الهيمنة الهولندية بدأت تتدهور مع تراجع شأن المنتوجات البلطيقية، وبخاصة الحبوب في الأسواق الأوروبية، وبدأ رأس المال الهولندي منذ عام 1688 يتدفق باتجاه إنجلترا، حيث كان يجري توظيفه في شركة الهند الشرقية، وبنك انجلترا، وصندوق الدين القومي البريطاني، وسلسلة الصناعات البريطانية الحديثة المتطورة.

وبدأت فرنسا وبريطانيا تهيمنان على البحار مع حلول القرن الثامن عشر، وبدأت مرحلة جديدة في مسار التاريخ صنعه البحث عن الثروة عبر الفضة والذهب والكاكاو والقهوة والشاي، والفراء والعبيد.

الرأسمالية

"
مع كل حركة في الإنتاج كانت تتحرك مجموعات سكانية ودول وكيانات سياسية وتصعد وتزول إلى أن نشأت الرأسمالية وتبع ذلك تحولات اجتماعية وثقافية
"
بدأت أوروبا منذ القرن الخامس عشر تتحول من شبه جزيرة صغيرة نائية من الكتلة القارية الآسيوية بدور استثنائي الأهمية بانتشار الأوروبيين عبر المحيطات، وسيق أناس من أصول مختلفة وبنى اجتماعية متباينة إلى المشاركة في بناء عالم مشترك، وأنشأ هؤلاء التجار والبحارة والمغامرون من أوروبا وآسيا وأفريقيا عالما جديدا غير في الثقافات وتوزيع السكان وانتشارهم.

ومع كل حركة في الإنتاج كانت تتحرك مجموعات سكانية ودول وكيانات سياسية وتصعد وتزول، إلى أن نشأت الرأسمالية القائمة على مراكمة رأس المال عن طريق استئجار قوة العمل. وتبع هذه التحولات تحولات اجتماعية وثقافية مناظرة تقتضي إعادة النظر في مفهوم الثقافة.

تميزت المرحلة الجديدة بالتحولات المصاحبة للتطور الصناعي، وكان من محطاتها المهمة: الآلة البخارية التي غيرت ثوريا أساليب النقل البحري والبري، فكانت السفن البخارية العملاقة، وقطارات سكة الحديد ثم الطائرات والسيارات، والبارود الذي غير من أساليب الحروب والصراعات، ثم تبعته الأسلحة الرشاشة والمدافع وصولا إلى الحروب الآلية والإلكترونية، والاختراعات الحديثة كالكهرباء والاتصالات حتى الكمبيوتر، وصناعات النسيح والآلات الحديثة.

صحب هذه التحولات الصناعية إزاحة شعوب وإبادتها كما حدث للهنود الحمر والسكان الأصليين في أستراليا، واتجهت القوى العظمى إلى مراكز الإمداد الجديدة، كالقطن من مصر والهند وصولا إلى النفط في الخليج العربي، ونشأت الدول الحديثة بصيغتها وبناها وعلاقاتها القائمة اليوم.

وتحولت الزراعة إلى صناعة تجارية واستثمارية (الزراعة النقدية) وشهد العالم حركة واسعة في إنتاج الحبوب ونقلها حول العالم، بدءا بالقمح والأرز واللحوم، والموز والفواكه.

وقامت حركة إنتاج وعلاقات حول المحاصيل الصناعية، كالمطاط والقطن، ونشأت الصناعات الغذائية الخفيفة والمسلية، وصحبها أيضا حركة إنتاج وزراعة وتجارة جديدة، كالسكر والشوكولا والشاي والقهوة والمشروبات الغازية.

ونشأت أسواق العمالة الجديدة بعدما كانت محصورة في مجالات قليلة محدودة، فمع تقدم عمليات التصنيع والزراعة النقدية وتدفق رأس المال على قطاعات الفرص الجديدة ونشوء اقتصاد سياسي جديد، بدأت الطبقات العاملة بالظهور، وكانت هذه العبارة تستخدم للمرة الأولى عام 1815 في تعبير عن العلاقة العامة الجديدة بين رأس المال والعمل.

كانت المدن والهجرات واحدة من أهم تجليات سوق العمالة وتحولاتها، وبدأت المدن والمراكز الحضرية تتنامي حتى تحولت إليها أغلبية السكان.

وهكذا فإن التراكم الرأسمالي يواصل تفريخ طبقات عاملة جديدة في مناطق موزعة في أنحاء العالم، فيتبع ذلك هجرات ومدن جديدة وأرياف مهجورة، وتشكل الأصول والتفاعلات والخدمات المتحركة اقتصادا سياسيا جديدا، وبنى هرمية تتغير بفعل الطبقات والحراك والهجرات وأنماط الإنتاج والخدمات.

وبالتالي فإن انتشار النمط الرأسمالي يؤدي على أحد المستويات إلى إنشاء قدر أوسع من الوحدة في كل مكان، عبر عملية إعادة التأسيس والتركيب المتواصلة باضطراد نظرا لعلاقته المميزة بين رأس المال وبين العمل.

وعلى مستوى آخر يتمخض أيضا عن إنشاء قدر من التنوع، مؤكدا التعارض والتمزق الاجتماعيين حتى وهو يقوم بالتوحيد، ففي عالم متزايد الاندماج والتوحد نكون شهودا على نمو قدر متزايد التنوع من الشتات.

المصدر : الجزيرة