عرض/ إبراهيم غرايبة
صدر تقرير الأمم المتحدة للتنمية البشرية للعام 2004 في 15مايو/ أيار الماضي، ويقوم التقرير لهذا العام على أساس ضرورة السماح للناس بأن يعيشوا نوع الحياة الذي يريدونه وتمكين جميع فئات الناس، خاصة الفقراء والمهمشين والأقليات الإثنية والعرقية والمهاجرين من المشاركة بفعالية في الحياة السياسية والعامة في بلدانهم، وضرورة أن تستوعب الاختلافات الثقافية، بل وتوظف في تطوير التنمية والمشاركة.
 

- اسم الكتاب: تقرير التنمية البشرية للعام  2004
-المديرة والمؤلفة الرئيسية: ساكيكو فوكودا – بار
- الترجمة: غسان غصن
-عدد الصفحات: 284
-الطبعة: الأولى 2004
-الناشر: برنامج الأمم المتحدة الإنمائي UNDP

الحرية الثقافية
يعرض التقرير قضية احترام التنوع وبناء مجتمعات أكثر اندماجا، بتبني سياسات تعترف دون مواربة بالتباينات الثقافية.

وقد أظهرت الدراسة والتجارب أن السياسات التي تعترف بالهويات الثقافية وتشجع ازدهار التنوع لا تؤدي إلى تشرذم أو نزاع أو تنمية سقيمة أو حكم استبدادي، فمثل هذه السياسات قابلة للحياة، وضرورية في آن واحد، لأن قمع المجموعات المعرفية ثقافيا هو الذي يمكن أن يؤدي إلى توترات في أحيان كثيرة.

وهنا يعرض التقرير خمس خرافات كما يصفها، ويرى أنها قد حطمت، وهي:
1- تتنافس الهويات المعرفية للناس مع ولائهم للدولة، وكأن توحيد الدولة يقوم على رفض التنوع.

2- المجموعات العرقية تجنح إلى خوض نزاعات عنيفة فيما بينها، نتيجة تضارب القيم، وكأن المحافظة على السلام يقوم على عدم احترام التنوع.

3- تقتضي الحرية الثقافية الدفاع عن الأعراف والتقاليد، وكأنها تتحول إلى عائق أمام التقدم والتحديث.

4- البلدان المتنوعة عرقيا أقل قدرة على النمو، وكأن التنوع يعوق التنمية، فليس هناك ما يدل على أن الدول المتعددة الإثنيات أقل قدرة على النمو والتقدم الاقتصادي، فماليزيا عاشر أسرع اقتصاد نموا في العالم خلال الفترة 1970-1990 مثال على دولة متنوعة إثنيا وناجحة اقتصاديا، إذ 62% من السكان ملاويون و30% صينيون و8% هنود، أما المؤشرات الدينية أو الهوية الدينية فقد تبين أنها لا قيمة لها إحصائيا.

5- يرجح أن بعض الثقافات تحقق تقدما أعظم من غيرها في مجال التنمية، وأن لديها قيما ديمقراطية متأصلة، في حين تفتقدها ثقافات أخرى، وكأن التنمية والتحديث مرتبطان باتباع ثقافة معينة.

إن الحرية الثقافية حق من حقوق الإنسان وعنصر هام في التنمية البشرية، وبالتالي فهي جديرة برعاية الدولة واهتمامها، وتختلف سياسات الأمم والمجتمعات المتعددة الإثنيات في تناولها لمسألة الهوية، فمن التعليم بلغات متعددة إلى تطبيق خطط لمناهضة التمييز وانتهاء بأنظمة التمثيل النسبي والفدرالية.

ويؤكد التقرير أن للناس الحق في الاحتفاظ بهوياتهم الإثنية واللغوية والدينية، بل إن تطبيق السياسات التي تعترف وتحمي تلك الهويات هو السبيل الوحيد لتنمية مستدامة في المجتمعات المتعددة، ذلك أن العولمة الاقتصادية لا يمكن أن تنجح ما لم يتم احترام وحماية الحريات الثقافية، كما يجب في الوقت نفسه التعامل مع الرفض المحلي للثقافات المتعددة ومحاولة التغلب عليه.

الحرية الثقافية والتنمية البشرية
تشكل مطالب الجماعات الإثنية والدينية واللغوية المختلفة بالاعتراف بها واحدة من أكثر القضايا إلحاحا، وتؤثر إلى حد كبير على الاستقرار الدولي والتنمية البشرية في القرن الواحد والعشرين، فهناك أكثر من 5000 مجموعة إثنية تعيش في 200 دولة حول العالم اليوم. ويوجد بين كل ثلاث دول اثنتان فيهما أقلية إثنية أو دينية كبيرة تمثل حوالي 10% أو أكثر من السكان. ويواجه اليوم أكثر من 900 مليون شخص في العالم شكلا من أشكال التمييز بسبب هويتهم الدينية أو العرقية أو الإثنية.

لكن هذه التعددية قد تصبح مصدرا للانسجام السياسي والحيوية الاقتصادية إذا تم السماح بالحريات الثقافية، ومن الأمثلة الناجحة دول المهاجرين كالولايات المتحدة وكندا، وبعض الدول المتعددة الإثنيات الآسيوية والأفريقية.

"
يعترف تقرير التنمية البشرية بعدم وجود دليل للحرية الثقافية يملك الأدوات والمناهج الصحيحة والدقيقة لقياسها, والمشكلة الأساسية هي أن البيانات المتوافرة عن الحرية الثقافية محدودة
"

تحديات للحرية الثقافية
بدأت الأقليات الإثنية والدينية المستثناة من قبل الغالبية في المجتمع تنشط سياسيا، وتحتج على الأوضاع المعيشية المفروضة عليها، وفي مثل هذة الحالة تصبح الهويات السياسية مصدرا للاستقطاب في المجتمعات بل وفي الأمة، وتؤدي إلى الكراهية وعدم الاستقرار.

وما نشهده اليوم من تحرك إثني وثقافي وديني وعرقي بين السكان الأصليين في أميركا اللاتينية أو الأقليات العرقية في البلقان أو المهاجرين في أوروبا الغربية مرجعه لعدد من العوامل المتداخلة من أهمها انتشار الديمقراطية التي تمنح الأقليات المستثناة المزيد من الحرية السياسية والخيارات للتعبير عن الذات، والتقدم في مجالات الاتصال والمعلوماتية، والعولمة مما يسمح بتكوين شبكات وتحالفات جديدة.

بالإضافة إلى التزايد في حركة الهجرة الدولية الأمر الذي يكوّن امتدادات خارج الوطن الأم ويدعم المطالب بالاعتراف الثقافي.

تتناول الإحصائيات الثقافية على الأغلب إنتاج السلع الثقافية، مثل الكتب والأفلام والمسرحيات والمحاضرات والندوات، لكن هل يمكن قياس الحرية الثقافية ونقيضها: الاستبعاد من طريقة العيش، والاضطهاد الاجتماعي والسياسي والاقتصادي القائم على أسس عرقية أو ثقافية أو لغوية أو دينية؟

يمكن قياس الاستبعاد من طريقة الحياة بملاحظة حضور الهويات الثقافية كاللغة والشعائر واللباس والطعام والقيم في مناهج الدراسة ووسائل الإعلام، ويمكن قياس مشاركة المجموعات الثقافية في الحياة السياسية ممثلة في المجالس النيابية والبلدية، وحرية الحركة والتنظيم والتعبير.

لكن تقرير التنمية البشرية يعترف بأنه ليس هناك دليل للحرية الثقافية يملك الأدوات والمناهج الصحيحة والدقيقة لقياس الحرية الثقافية، والمشكلة الأساسية هنا هي أن البيانات المتوافرة عن الحرية الثقافية محدودة.

بناء ديمقراطيات متعددة الثقافات
 شهدت نهايات القرن العشرين واحدة من كبرى موجات الهجرة في التاريخ، فأعداد المهاجرين في الاتحاد الأوروبي من آسيا وأفريقيا والأميركيتين (اللاتينية والجنوبية) قفزت بحوالي 75% ما بين 1980 و2000. 

وشهدت أميركا الشمالية تدفقا أكبر، فقد ارتفع عدد المقيمين في الولايات المتحدة غير المولودين فيها لنفس الفترة إلى 145% حيث ازداد من 14 مليونا إلى 35 مليونا، وفي كندا يشكل عدد المولودين خارجها 44% من سكان تورنتو التي تعد واحدة من كبرى مدنها، وفي بعض الدول الصغرى مثل سنغافورة وبعض دول الخليج يشكل الوافدون والمهاجرون ثلث عدد السكان.

ومما يذكر أن من بين أعلى عشر دول في العالم حصة في عدد المهاجرين من أصل السكان جاء الأردن ثالثا (39%) بعد الإمارات التي جاءت بالمرتبة الأولى (69%) والكويت ثانيا (49%) في حين جاءت عُمان (26%) بالمرتبة السادسة والسعودية (24%) بالمرتبة التاسعة.

وما يميز حركة الهجرة هذه عن الحركات الأخرى في القرون الماضية ليس العدد الكبير من الناس المهاجرين فقط، وإنما الدور المركزي الذي تلعبه التكنولوجيا فيها، فالاتصالاتية  والمعلوماتية وسهولة النقل مكنت المهاجرين من الاحتفاظ باهتمامات وهوية ثقافية مزدوجة بل متعددة. 

فالمهاجرون اليوم يمكنهم ويريدون، ولا بد أن يتمكنوا من التأثير في دولهم الأم دون أن يؤثر ذلك على ارتباطهم وولائهم بدول المهجر.

وعلى الدول التي تستقبل المهاجرين أن تسعى للاعتراف بهوياتهم المتعددة بدلا من أن تعمل على إذابتهم قصرا أو حصرهم في تجمعات منفصلة، وتحتاج الدول إلى مفاهيم التحمل والتفهم الثقافي وأن تستوعب الممارسات الدينية واللباس والجنسيات المزدوجة وغيرها، وأن تسعى في دمجهم من خلال خدمات البحث عن الوظائف وتعلم لغة البلد المهاجرين إليه، وتحاول بناء أرضية إجماع قيمية لجميع السكان غير قابلة للمساومة مثل حقوق الإنسان وسيادة القانون.

وفي ضوء ارتفاع متوسط عمر الفرد في أوروبا وانخفاض حجم الأسرة فيها عليها أن تضاعف قبولها من المهاجرين مع العام 2050 لتحافظ على تعدادها السكاني، ولا يكفي الاعتراف بالحريات والحقوق الثقافية لضمان دمج الأقليات في المجتمع.
 
فحتى الدول الديمقراطية التي تغفل عن سياسات تسمح بالتمثيل السياسي لتلك الأقليات تبقي هذه الأقليات في حالة عزلة وشعور بالتمييز، ففرنسا وسويسرا على سبيل المثال، اللتان لديهما أقليات تشكل على التوالي 8% و6% من السكان كانت نسبة تمثيل تلك الأقليات فيهما صفرا، أما الولايات المتحدة التي تبلغ نسبة الأقليات فيها 28.1% من السكان فقد حصلت على 16% (440/69) من المقاعد في مجلس النواب، وفي بريطانيا التي تمثل الأقلية فيها 8.7% من السكان حصلت على 2% (659/12) من مقاعد مجلس الأمة.

الفدرالية المتعددة الثقافات
يوصي التقرير الدول والمجتمعات ذات الأقليات الإثنية أو اللغوية المتعددة والمتجمعة جغرافيا بفدرالية غير متكافئة كسبيل للتعامل مع مجتمع متعدد الثقافات، فهذا النظام يعطي سلطة لبعض الأجزاء ولكن ليس بقدر متماثل، فبعض المناطق تضم أجزاء ذات حكم ذاتي أكبر من المناطق الأخرى، ويمكن للولايات الفدرالية أن تحوي أشكالا متميزة في هياكلها السياسية والإدارية والاقتصادية.

ويكاد لا تكون هناك ديمقراطية ذات تنوع ثقافي أو لغوي تخلو من هذا النوع من الفدرالية، فبلجيكا وكندا وإسبانيا وسويسرا أمثلة على ذلك.

ويعتمد نجاح الفدرالية على البناء المتأني لها والإرادة السياسية لتعزيز أدائها الديمقراطي، فالمهم أن يتم تبني واستيعاب الاختلافات المهمة وفي الوقت نفسه إرساء الأساسات للولاء الوطني. ولعل مثل هذا الشكل من الإدارة السياسية يكون الأنجح في مرحلة إعادة بناء أفغانستان والعراق.
 
التنمية البشرية في العالم

"
حلت إسرائيل في المركز 22 عالميا في مجال التنمية البشرية بمعدل نمو هو الأعلى في المنطقة، فقد بلغ 90.8%، بينما   متوسط دخل الفرد يبلغ 19.53 ألف دولار أميركي سنويا
"
يظهر مؤشر التنمية البشرية أن 46 دولة واجهت انتكاسات تنموية منذ 1990، منها 20 تقع في الصحراء الغربية الأفريقية، ويرد ذلك لارتفاع حالات الإيدز، ففي جنوب أفريقيا وزمبابوي وناميبيا وليسوتو يعاني 20% من البالغين من الإيدز، وتزايدت نسبة الجوع في 25 بلدا أفريقيا.

وقد كانت الدول الخمس الأكثر انخفاضا في مستوى في التنمية البشرية وفقا للترتيب العالمي: بورندي، ومالي، وبوركينوفاسو، والنيجر، وسيراليون. أما الدول الأربع الأولى على العالم في التنمية البشرية فقد جاءت النرويج، فالسويد، فأستراليا، فكندا، في حين جاءت الولايات المتحدة صاحبة أكبر اقتصاد عالمي في المركز الثامن تليها اليابان ثاني أكبر اقتصاد في العالم.
وفيما يختص بأداء الدول العربية فقد كان متوسط معدل نمو التنمية البشرية يساوي: 65.1% ومتوسط دخل الفرد يساوي: 5.07 آلاف دولار سنويا.

وجاءت البحرين في المركز الأول عربيا، وفي المرتبة 40 على مستوى العالم بمعدل نمو في التنمية البشرية 84.3%، وبلغ متوسط دخل الفرد السنوي فيها  17.17 ألف دولار أميركي، وكان أضعف أداء تنموي بين الدول العربية في جيبوتي، إذ حلت في المركز 154 في العالم بمعدل نمو في التنمية البشرية 45.4%، وبلغ متوسط دخل الفرد فيها: 1.99 ألف دولار سنويا.

وقد حلت إسرائيل في المركز 22 على العالم في مجال التنمية البشرية بمعدل نمو هو الأعلى في المنطقة، فقد بلغ: 90.8% ، وكان متوسط دخل الفرد يساوي: 19.53 ألف دولار أميركي سنوياً. وبلغ متوسط عمر الفرد 79.1 سنة ونسبة الالتحاق بالتعليم الإلزامي والثانوي  بلغت:92%.

المصدر : غير معروف