عرض/ كامبردج بوك ريفيوز
بكلمة واحدة ربما يجوز القول إن هذا الكتاب هو الأكثر جرأة حتى الآن في إدانة السياسة الأمنية والعسكرية والخيارات التي تبنتها إدارة الرئيس الأميركي الحالي جورج بوش إزاء مسائل العنف والإرهاب وكل ما يواجه الولايات المتحدة من تحديات راهنة.

وتتخذ الجرأة التي يمتاز بها الكتاب نكهة خاصة لأن كاتبه مسؤول رفيع المستوى من داخل وكالة المخابرات الأميركية, السي آي إيه, ومن الذين أشتغلوا في ملفات الإرهاب ومتابعاتها لسنوات طويلة, ولم يشأ أن يضع اسمه على الكتاب عند صدوره, وقيل إن ذلك كان شرطاً وضعته الجهات الأمنية على المؤلف للسماح له بنشره.

كراهية للسياسة الأميركية
على مدار تسعة فصول في الكتاب يكاد لا يترك المؤلف فكرة أو اتهاماً أو إشارة لتقصير سواء في الفهم الإدراكي العام للسياسة الخارجية الأميركية أو في الخطوات المتخذة تجاه كل ما له علاقة بمسببات الإرهاب الحقيقية التي ولدت في وجه الإمبرطورية الوحيدة في هذا الوقت كل تلك المآزق والكراهية إلا ويذكرها.

-اسم الكتاب: ترهات إمبريالية
-المؤلف: مجهول
-عدد الصفحات: 352
-الطبعة: الأولى 2004
-الناشر: واشنطن: بريسيز إنك

فرادة الكتاب تكمن, إذن, في أنه يتجاوز الكليشهات المعروفة والمعزوفة على الدوام في التحليلات الأميركية الموالية أو المداهنة للإدارة والتي تحوم في مجملها حول القول بأن "الإرهابيين يستهدفون الولايات المتحدة لأنهم يحسدونها, أو لأنهم يكرهون نمط الحياة فيها, أو لأنهم يحبون الموت الأعمى والمجاني".

فهو يقول إن هؤلاء "الإرهابيين" هم نتيجة لظاهرة, وليس ظاهرة بحد ذاتها معزولة عن جذور مؤسسة لها. إنهم, كما يكرر ويقول, نتاج السياسة الخارجية الأميركية الفاشلة التي حشدت العداء والأعداء في كل العالم وتحصد الآن ما زرعت ليس إلا.

العالم لا يكره الولايات المتحدة كشعب, أو طريقة حياة, أو نمط تسيس داخلي يمتاز بالحرية والجاذبية بدليل أن ملايين من البشر ترنو للهجرة إليها. لكن ما تكرهه الشعوب هو سياسة أميركا الخارجية لا حياتها الداخلية, وهذا ما يكرره المؤلف المجهول الذي لا يتردد في الشرح المسهب لجوانب تلك السياسة البغيضة.

يقول كيف يمكن أن نتوقع أن يبلع العرب والمسلمون دعمنا الأعمى واللامحدود لإسرائيل ولسياستها المتجاوزة كل قانون؟ كيف نريد من تلك الشعوب أن لا تكرهنا ونحن ندعم الأنظمة الفاسدة التي تتحكم في رقابها, على عكس كل شعاراتنا الديموقراطية وكل تغنينا بحقوق الإنسان والكرامة الإنسانية؟ كيف يمكن أن نتوقع استمرار سكوت هذه الشعوب على السياسات العقيمة التي لا تنتج إلا التطرف واللاسياسة بعد أن نكون قد سددنا عليهم كل نوافذ التحرك السلمي والاعتراض غير العنيف؟

جهل السياسة الأميركية بالآخر

"
السياسيون والمفكرون الأميركيون إما كانوا على درجة رفيعة من السذاجة السياسية والثقافية في تجاهلهم للنار التي تمور تحت الرماد, وإما كانوا على درجة كبيرة من الخبث أو اللامبالاة حتى بمصالح بلدهم
"

يقف المؤلف أكثر من مرة ليكرر أنه بكلامه هذا لا يبرر ما فعله بن لادن ولا يقبل أياً من مسوغاته, لكنه في
الوقت ذاته فإنه لا يتردد في توجيه النقد الذاتي إلى السياسين والمفكرين الأميركيين الذين إما كانوا على درجة رفيعة من السذاجة السياسية والثقافية في تجاهلهم للنار التي تمور تحت الرماد, وإما كانوا على درجة كبيرة من الخبث أو اللامبالاة حتى بمصالح بلدهم عندما أوغلوا في سياسة الازدراء والعنجهية الخارجية.

لكن سواء أكانت السذاجة أم اللامبالاة فإن الجذر الذي يرصده المؤلف يعود إلى ما يسميه "الترهات أو العجرفة الإمبرطورية" التي تفاقم تحكمها في العقلية الأميركية خلال العقود الأخيرة.

فهذه العقلية تؤمن بأن أميركا, سيدة العالم الحر, بإمكانها أن تفعل ما تشاء لأنها تريد تحقيق الخير والمصلحة للعالم ونشر الحرية والديمقراطية. وتعتقد أنها تظل تفعل ذلك حتى تحالفت مع نظم مستبدة أو قلبت أنظمة حكم ديمقراطية أو ضربت حركات تحرر تتأسس لتقاوم الظلم والدكتاتورية في بلدانها.

فثمة التباس كبير في الإدراك الأميركي العام, إن على مستوى القيادة السياسية العليا, أو الرأي الشعبي العريض, في اعتبار مصالح الولايات المتحدة هي مصالح البشرية. وأن ما يستعصي على الفهم خارج إطار هذا الالتباس الفاضح مرده إلى تخلف الآخرين وراء الحدود أو حسدهم أو إرهابهم غير المفهوم أو محدودية ثقافتهم التي لم تنقلهم النقلة المطلوبة لاستيعاب فكرة تماهي المصلحة الأميركية بالمصلحة البشرية العامة.

كيف ننتقم لا كيف نفهم
إجرائياً, يلاحق المؤلف التقصير الإداري الأمني الأميركي قبل أحداث الحادي عشر من سبتمبر وكيف جر ذلك إلى تسهيل مهمة المهاجمين.
لكن ذلك التقصير الأمني الإداري يتضاءل عند مقارنته بالتقصير التحليلي الفادح الذي سبق ولحق بتلك الهجمات.

فعوضاً عن طرح السؤال المركزي "لماذا" قام المهاجمون بما قاموا به وعن أي مناخ يصدرون, سيطر سؤال "كيف" يمكننا الانتقام منهم. وعندما جاءت الإجابة السريعة والفورية التي تقول: "نغزو أفغانستان ونضرب الإرهاب في قاعدته الأساسية" لم يكن هناك من يعترض أو يناقش.

بل إن سهولة التخلص من نظام طالبان أغوت الإدارة الأميركية بالانتقال إلى غزو العراق, بمنظنة أنها حققت نصراً في أفغانستان. وهنا يرفض المؤلف اعتبار الظفر العسكري السريع في الحالتين انتصاراً يمكن للأميركيين أن يفاخروا به.

"
لا نرى من علائم "النصر" سوى ما يقوله لنا الرئيس وبطانته وما يتفاخرون به من القول بأنه تم تحطيم تنظيم القاعدة أو إزاحة صدام حسين أو قتل ولديه
"
فهو يقول إننا لا نرى من علائم "النصر" سوى ما يقوله لنا الرئيس وبطانته وما يتفاخرون به من القول بأنه تم تحطيم تنظيم القاعدة أو إزاحة صدام حسين أو قتل ولديه. لكنهم لا يقولون لنا ما الذي تفعله مئات الألوف من المجندين والمجندات الأميركيين في البلدين ويتجاهلون النزيف اليومي الذي تتعرض له الولايات المتحدة جراء ذلك.

والأهم من ذلك والأخطر منه هو أن أمن الولايات المتحدة, وهو البقرة المقدسة التي خيضت من أجلها الحربان, أصبح مهدداً أكثر بعدهما. فالمواطن الأميركي الذي أصبح مهجوساً بالخوف من الإرهاب سواء التقليدي أو حتى الذي يستخدم أسلحة دمار شامل بات مرعوباً من المناخ الأمني الذي تعيشه أميركا.

بل إن الهوس الأمني وصل حدوداً غير عقلانية حيث الدعوات الدائمة إلى التحوط وشراء الأقنعة الواقية من السموم أو تدبير المنازل وحمايتها من الهجمات الفجائية وغير ذلك, وكأن ثمة حربا دائمة على الأبواب.

يقول مؤلف "ترهات إمبريالية" إن الفكر التقليدي الأميركي الذي ينظر للعالم على أنه سائر على الطريق الأميركية للتقدم والتحضر قاصر على فهم ما يحدث خارج دائرة ذلك الفكر.

وليس لديه الأداوات التحليلية ولا الخبرة التاريخية لفهم كيف يمكن أن تقوم جماعات من الشبان الذين هم في مطلع عمرهم بقتل أنفسهم من أجل قتل الآخرين وإلحاق أكبر أذى ممكن بهم.

لذلك, لجأ كثيرون إلى تفسير ما حدث سواء بالرغبة في جمع المال من قبل قادة تلك الجماعات, أو الاتجار بالحشيش والأفيون كما في أفغانستان, أو بالحسد والرغبة في التدمير وغير ذلك مما يستوي مع سائر مفردات الخبرة التاريخية الأميركية.

إذ لم يكن مفهوماً بالعمق المطلوب أن هناك مظالم متراكمة وتاريخية ومعاصرة وصلت بشعوب بأكملها إلى انسدادات مطبقة (حيث الأنظمة المستبدة داخلياً, والقوى الضاغطة خارجياً) مما دفع بشرائح من الشبان إلى حواف الجنون والتطرف الذي لا يُرى إلا بأنه أعمى عندما يرى من الخارج.

التشاؤم في أفغانستان والعراق
"ترهات إمبريالية" لا يرى في الوضع الأفغاني ولا في الوضع العراقي أي انتصار للولايات المتحدة بل مأزقاً حرجاً لا ينذر بالخير.

فالسيطرة للنظامين اللذين خلقتهما الولايات المتحدة قائمة بالحديد والنار, ففي أفغانستان تكاد سيطرة حكومة كرزاي لا تتعدى العاصمة كابل, وهي محمية بألوف الجنود الأميركيين, ولا تستطيع الوصول إلى مناطق شاسعة من البلاد التي ما زالت خاضعة مباشرة أو بشكل غير مباشر لسيطرة جماعات معادية للنظام.

ويشير إلى الحدود المفتوحة لأفغانستان مع إيران وتركمانستان وطاجيكستان وباكستان وأوزبكستان, وهي حدود يكاد يكون من المستحيل السيطرة عليها. وهو يقول إن الأميركيين لم يتعلموا من الدرس السوفياتي هناك حيث لم يستطيعوا السيطرة على تلك الجماعات رغم مئات الألوف من الجنود الذين زجوهم في تلك الحرب المجنونة. وهو متشائم بمصير الولايات المتحدة هناك.

ولا يخفي تشاؤمه ذاك عند تقدير الموقف في العراق. فهناك نفس قصة الحدود المفتوحة, لكن يضاف إليها في الحالة العراقية أن الدول المجاورة له تكاد تلتقي على رغبة دفينة أو معلنة واحدة وهي ديمومة العنف واللاستقرار في العراق.

فمن غير مصلحة إيران ولا سوريا ولا السعودية ولا حتى تركيا أن ينجح المشروع الأميركي في العراق نجاحاً "أكاديمياً" سريعاً. فمعنى ذلك أن تلك البلدان ستدفع إلى رأس أجندة الاهتمام الأميركي, وعليه فإنها تتواطأ مع أية جهة للمساعدة غير المباشرة في إيذاء الوجود الأميركي وإفشاله.

داخلياً, وإزاء فشل نظرية "الورود التي سيستقبل بها الجنود  الأميركيون" وقيام مقاومة مسلحة سريعة ضدهم, تهاوت كل دعوات الديمقراطية وحقوق الإنسان وأصبحت لا معنى لها مع وجود احتلال يريد أن يكرس من قبضته بالحديد والنار على البلد وليساعد حلفاءه المنبوذين من قبل شرائح شعبية واسعة.

ويشير المؤلف إلى الفضائح والوضع المزري الذي وصلته الولايات المتحدة في العراق والذي توالت الضربات عليه. فهناك فضيحة فقدان مسوغ الحرب, أي أسلحة الدمار الشامل  التي ثبت أنها كانت خدعة كبرى. وهناك الفشل الذريع في صوغ أي سياسة داخلية معقولة (حل الجيش, الفوضى الأمنية, تدني سقف التوقعات, الخ), وهناك فضائح التعذيب في أبو غريب وما شاكلها.

"
استمرت أميركا في سياسة العجرفة واحتقار ليس العرب والمسلمين وحسب بل والعالم كله، إذ ليس هناك أي مسؤول أميركي اعتذر عن أي خطأ أو استقال من منصبه
"

ورغم كل ذلك فإن الإدارة الأميركية استمرت في نفس سياسة العجرفة واحتقار ليس العرب والمسلمين وحسب بل والعالم كله. إذ ليس هناك أي مسؤول أميركي اعتذر عن أي خطأ من تلك الأخطاء الجسيمة, أو استقال من منصبه.

بسبب ذلك كله فإن المعضلة الكبيرة التي تواجهها الولايات المتحدة هي الاستمرار في خلق أعداء لها من حيث تظن أنها تقلل منهم. فالعالم العربي والإسلامي ينظر إليها على أنها معتدية على أراضي وشعوب المسلمين رغم كل التصريحات الرسمية التي تظل تكرر أن الحرب هي على الإرهاب وليس الإسلام.

ويوفر مناخ العداء المتصاعد البيئة الأفضل لجماعات التطرف والإرهاب كي تنمو وتجند مئات إن لم يكن ألوف العناصر الغاضبة الجديدة. وفي المقابل فإن تلك السياسة تضعف منطق الدعوة للديمقراطية الذي تزعم الولايات المتحدة أنها تتبناه الآن وتعمل على نشره في العالم العربي والإسلامي.

ففي نهاية المطاف فإن العرب والمسلمين لا يرون فيها إلا قوة إمبرطورية شريرة لا تريد بهم الخير ولا تسير إلا نحو مصالحها وهم يعادون كل ما من شأنه أن يخدم مصالحها حتى لو كانت الديمقراطية التي تريد أن تزرعها في بلدانهم!

المصدر : الجزيرة