صباح نعوش

صباح نعوش

باحث اقتصادي عراقي

من هو المهاجر؟
تأثير الرأي العام
مساعدات لتقليص الأعداد

تعتمد كلفة المهاجرين على عدة عوامل في مقدمتها عددهم الذي يخضع في أوروبا لمفاهيم متناقضة. كما تعتمد الكلفة على موقف الرأي العام من تأثير الأجانب على المؤشرات الاقتصادية.

من هو المهاجر؟

الهجرة مفهوم قانوني اتخذ بعدا سياسيا واضحا في أوروبا. فبموجب القوانين -وبالتالي الإحصاءات الرسمية- المهاجر هو الشخص المولود في بلد ما، ويقيم في دولة أخرى بصورة دائمة أو مؤقتة دون التمتع بجنسيتها، أي أنه الأجنبي المولود خارج الدولة الأوروبية المستقبلة. وتبقى تسمية المهاجر ملاصقة له طيلة حياته، فهي لا تتغير حتى وإن اكتسب جنسية الدولة التي هاجر إليها.

الهجرة مفهوم قانوني اتخذ بعدا سياسيا واضحا في أوروبا. فبموجب القوانين -وبالتالي الإحصاءات الرسمية- المهاجر هو الشخص المولود في بلد ما، ويقيم في دولة أخرى بصورة دائمة أو مؤقتة دون التمتع بجنسيتها، أي أنه الأجنبي المولود خارج الدولة الأوروبية المستقبلة

هذا التعريف الرسمي متفق عليه لدى المنظمات والأحزاب، لكن الاختلاف يدور حول أولاد المهاجرين المولودين في أوروبا. الأحزاب اليمينية المتطرفة والتنظيمات المناهضة للأجانب والمسلمين التي تلعب دورا بارزا في الحياة السياسية الأوروبية تضع في قائمة المهاجرين من ولد من أبوين مهاجرين أو من أحدهما. وترى أن الأجانب غير الأوروبيين يخلقون مشاكل اقتصادية واجتماعية وأمنية خطيرة وبالتالي لابد من طردهم.

في فرنسا ترتبط الهجرة بثلاث مجموعات: تتكون المجموعة الأولى من 1.4 مليون شخص اكتسبوا الجنسية الفرنسية بعد دخولهم إلى البلد. وتتألف المجموعة الثانية من 4.1 ملايين مقيم أجنبي. أما المجموعة الثالثة وعددها 6.7 ملايين شخص فهم الذين ولدوا بفرنسا وهم أولاد المجموعتين الأولى والثانية.

من الناحية الرسمية هنالك إذا 5.5 ملايين مهاجر (المجموعتان الأولى والثانية). وتخرج المجموعة الثالثة كليا من مفهوم الهجرة. وبالتالي يشكل المهاجرون 8.3% من السكان. وعلى هذا الأساس تقدر الدراسات التي تعتمد على هذا العدد كلفة المهاجرين في فرنسا بحوالي تسعة مليارات يورو في السنة أي 0.3% من الناتج المحلي الإجمالي.

في حين تعتبر تلك الأحزاب والتنظيمات المهاجرين جميع المنتمين إلى المجموعات الثلاث، وبالتالي يصبح عدد المهاجرين 12.2 مليون شخص أي 18.4% من السكان. لذلك ترى الدراسات التي تعتمد على هذا الفهم الواسع بأن المهاجرين يكلفون الدولة 84 مليار يورو سنويا أي 2.9% من الناتج المحلي الإجمالي.

بطبيعة الحال لا يقتصر هذا الاختلاف في مفهوم المهاجر وبالتالي في كلفة الهجرة على فرنسا بل يشمل جميع البلدان الأوروبية.

تأثير الرأي العام
يعتقد الأوروبيون بأن الهجرة مضرة لأنها تنافس المواطنين الأصليين في سوق العمل وتسهم بالتالي في هبوط الأجور وارتفاع البطالة. كما يستغل المهاجرون أنظمة التأمين الاجتماعي التي تسجل خسائر مالية بسببهم.

وترتفع الخسائر جراء الهجرة غير النظامية، إذ تبين الإحصاءات أن 550 ألف مهاجر غير نظامي في فرنسا يكلفون الدولة 4.6 مليارات يورو سنويا دون أن تحصل المالية العامة على مقابل، لأنهم لا يصرحون بدخولهم لدى إدارة الضرائب، لذلك تسعى السلطات العامة إلى طردهم، وهو ما يكلف أربعة آلاف يورو للفرد الواحد.

وعلى إثر تفاقم الوضع الأمني والعسكري في سوريا والعراق ومناطق أخرى من العالم تزايد عدد المهاجرين إلى أوروبا في العام المنصرم، ما أدى لظهور أفكار تدعو السياسيين والرأي العام إلى التعايش مع الحالة الجديدة وإعادة النظر في ذلك الاعتقاد.

لاشك أن البطالة في أوروبا تمثل أزمة مستعصية. لكن المهاجر غالبا ما يعمل في أنشطة يرفضها المواطن الأصلي كالأشغال التي تتطلب مجهودا عضليا. ولهذا يسهم المهاجر في الأنشطة الاقتصادية وبالتالي في زيادة حصيلة الضرائب المباشرة وغير المباشرة

ترتكز هذه الأفكار على عدة نقاط: أغلب الذين تركوا سوريا والعراق لم يتجهوا إلى أوروبا بل إلى دول المنطقة، وتمثل الهجرة العلاج الوحيد للأزمة السكانية التي تعاني منها أوروبا وبخاصة ألمانيا، والمهاجرون الجدد شباب ومتعلمون وحرفيون وأصحاب كفاءات.

والقاعدة العامة أن المهاجرين لا ينافسون المواطنين الأصليين في العمل بل يسدون نقصا في السوق، وهذا هو هدف الهجرة منذ عدة عقود.

لاشك أن البطالة في أوروبا تمثل أزمة مستعصية. لكن المهاجر غالبا ما يعمل في أنشطة يرفضها المواطن الأصلي كالأشغال التي تتطلب مجهودا عضليا. ولهذا يسهم المهاجر في الأنشطة الاقتصادية وبالتالي في زيادة حصيلة الضرائب المباشرة وغير المباشرة، وعندئذ تصبح كلفة تأهيل المهاجر الجديد استثمارا للحصول لاحقا على مكاسب اقتصادية ومالية أكبر.

من الناحية العملية لا يستطيع المهاجرون المتجنسون منافسة المواطنين الأصليين في الحصول على عمل لأن شروط المنافسة السليمة غير متوفرة في أوروبا، ومن هذا القبيل فإن رب العمل -عند تساوي المؤهلات- يفضل استخدام شخص يحمل اسما أوروبيا.

وقد أدى تفاقم الأزمة في سوريا والعراق المقترن بالتسهيلات الألمانية إلى تكالب عدد كبير من المهاجرين وبصورة غير مسبوقة استوجبت زيادة المخصصات المالية، لذلك عملت الجماعات المناهضة للمهاجرين على وأد تلك الأفكار والعودة بالرأي العام إلى سابق عهده وبصورة اكثر تطرفا.

وقد حققت في ذلك نجاحا باهرا وسريعا بفعل أحداث باريس الدامية والتصرفات المشينة في ألمانيا. وبالتالي اصبح الرأي العام يرفض أية زيادة في كلفة استقبال مهاجرين جدد وإلا هبطت شعبية الحكومات.

كما ظهرت إحصاءات منسجمة مع الوضع الجديد ومناقضة لما نشر سابقا تشير إلى افتقار المهاجرين الجدد للمؤهلات العلمية والفنية والمهنية مما يصعب الاستفادة منهم ويزيد كلفة تأهيلهم.

وحسب هذه الإحصاءات فإن 6% فقط من السوريين المهاجرين إلى ألمانيا يتمتعون بكفاءة مقبولة وفق المعايير السائدة، علما بأن هؤلاء المهاجرين يتمتعون بأعلى معدل للتأهيل مقارنة بالعراقيين والنيجيريين والأفغان. إن هذه الإحصاءات التي يتعين التعامل معها بحذر إشارة واضحة إلى تفضيل العمال القادمين من شرق أوروبا.

مساعدات لتقليص الأعداد
انعقد في لندن الشهر الجاري مؤتمر لمنح المساعدات للسوريين اللاجئين في تركيا والأردن ولبنان، وشاركت فيه أكثر من ستين دولة من بينها دول الاتحاد الأوروبي.

وقد تعهدت أربع دول أوروبية بتخصيص أكثر من ستة مليارات دولار لهؤلاء اللاجئين، أي أكثر من نصف الحجم الكلي للمساعدات، حيث التزمت ألمانيا بدفع 2.5 مليارات دولار لغاية 2018. وبلغت تعهدات بريطانيا 1.7 مليار دولار وفرنسا والنرويج 1.1 مليار دولار لكل منهما ولغاية 2020، وهو ما يترجم سعي الأوربيين بالدرجة الأولى إلى تحسين أحوال 4.6 ملايين لاجئ سوري في منطقة الشرق الأوسط حتى لا يتحولوا إلى مهاجرين إليها.

أسهمت أوروبا إلى جانب روسيا وأميركا بفعالية في تدمير العراق وسوريا تدميرا هائلا، والمبدأ المعروف في القوانين المدنية والتجارية والدولية يقضي بتعويض المتضرر عن الضرر الذي أصابه، وكلفة الهجرة التي تتحملها المالية الأوروبية تمثل قسطا يسيرا من هذا التعويض

إن هذه المساعدات تمثل كلفة أخرى للهجرة، فالدول لم تقرر مساهماتها حسب دورها المباشر وغير المباشر في تدمير سوريا أو حسب حجمها الاقتصادي وإمكاناتها المالية بل وفق انعكاسات الهجرة على اقتصادها.

تحقق هذه المساعدات مكسبا للمالية الأوروبية، إذ من الأفضل لها منح الإعانات بدلا من استقبال أعداد جديدة من اللاجئين. فعلى افتراض أن ستمائة ألف سوري سيتجهون صوب ألمانيا خلال السنوات الثلاث القادمة فإن المبلغ اللازم رصده داخل ألمانيا لاستقبالهم يفوق ثلاثة أضعاف المساعدات الألمانية المقررة في مؤتمر لندن، لأن معدل كلفة اللاجئ الواحد في ألمانيا 12.5 ألف يورو في السنة أي ما يعادل 8.4 مليارات دولار. علما بأن الكلفة الفردية في دول أوربية أخرى أعلى من ذلك بكثير. فقد قدرت محكمة الحسابات الفرنسية الكلفة بأكثر من ثلاثين ألف يورو سنويا.

لاشك أن تلك المساعدات لن تمنع السوريين من السفر إلى أوروبا، لكنها تمثل أداة للحيلولة دون نزوحهم بأعداد كبيرة، وستمارس أوروبا ضغوطا على تركيا والأردن ولبنان لمنع مزيد من النزوح الجماعي إليها. فتلك المساعدات تمنح على دفعات ولا غرابة من تقليصها أو إلغائها إن لم تحقق أهدافها.

ويلاحظ أن المساعدات ضعيفة جدا قياسا بحجم الأزمة السورية، ناهيك عن أن المبلغ المعلن قد يختلف تماما عن المبلغ الفعلي. ففي العام المنصرم لم تنفذ الدول المانحة في إطار مؤتمر الكويت سوى 39% من تعهداتها.

أسهمت أوروبا إلى جانب روسيا والولايات المتحدة مساهمة فاعلة في تدمير العراق وسوريا تدميرا هائلا، والمبدأ المعروف في القوانين المدنية والتجارية والدولية يقضي بتعويض المتضرر عن الضرر الذي أصابه، وكلفة الهجرة التي تتحملها المالية الأوروبية تمثل قسطا يسيرا من هذا التعويض، فالضرر جسيم ولا يعوض إلا بإعادة الاستقرار والنمو إلى هذين البلدين.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك