صالح النعامي

صالح النعامي

صالح النعامي

فقه الحاخامات المتوحش أكثر تأثيراً من فقه "داعش"، حيث إن هؤلاء الحاخامات يحظون بحاضنة سياسية اقتصادية واجتماعية ذات طابع مؤسساتي ودولي متين، والسكوت عنه يبرز فقط نفاق العالم وازدواجية معاييره.

قتل العرب كفريضة شرعية
تسويغ ذبح الرضع العرب كإجراء وقائي
تشريع النهب والسلب

الحث على تدمير المساجد والكنائس
فتاوى القتل بدعم حكومي إسرائيلي وأميركي

سمح الكشف عن هوية منفذي جريمة إحراق عائلة دوابشة الفلسطينية مؤخراً بتسليط الأضواء على الحاضنة الدينية والأيدولوجية التي تنمو فيها التنظيمات الإرهابية اليهودية؛ فقد تبين أن هذه الجريمة -التي تعد من أبشع ما ارتكبته التنظيمات الإرهابية اليهودية حتى الآن- كانت نتاج تعبئة دينية وأيدولوجية، وبتشجيع مباشر وغير مباشر من مؤسسات الحكم في الكيان الصهيوني.

ودلت التحقيقات مع عناصر التنظيم الإرهابي المسؤول عن تنفيذ جريمة إحراق عائلة دوابشة وعشرات الاعتداءات الأخرى، أن القاسم المشترك بينهم انتماؤهم جميعاً لمدارس تديرها مرجعيات حاخامية بارزة، اشتهرت بفتاويها المحرضة على قتل العرب، وتسويغ كل أشكال العنف ضدهم.

قتل العرب "كفريضة شرعية"
لقد تبين أن معظم منفذي العمليات الإرهابية ضد الفلسطينيين هم من أتباع الحاخام إسحاق غيزنبيرغ، الذي يدير مدرسة "عود يوسيف حاي" في مستوطنة "يتسهار"، المقامة على أراضي محافظة نابلس، حيث اشتهر غيزنبيرغ بشكل خاص بفتاويه التي تحرض بشكل مباشر على قتل الفلسطينيين والفتك بهم.

إصدار الفتاوى المحرضة على قتل الفلسطينيين لا تتوقف على الحاخام إسحاق غيزنبيرغ؛ فقد أيد أيضا الحاخام دوف ليئور -الذي يعد أبرز المرجعيات الدينية لحزب "البيت اليهودي"- جريمة إحراق عائلة دوابشة

ففي مطلع عام 2013 أصدر غيزنبيرغ ما يمكن عدّه "المسوغ الفقهي" الذي عملت على أساسه مجموعات "شارة ثمن" الإرهابية اليهودية، التي نفذت عشرات الاعتداءات في المدن والقرى والبلدات الفلسطينية، وأحرقت عدداً كبيراً من المساجد وثلاث كنائس في الضفة الغربية وداخل المدن التي يقطنها فلسطينيو الداخل.

وحسب غيزنبيرغ، فإنه يتوجب تفهم جرائم "شارة ثمن" على أنها "مقدمة طبيعية للخلاص اليهودي"، حيث عدّ هذه الجرائم بمثابة "المخاض الذي تمر به الأمة قبل تحقيق الخلاص" (صحيفة ميكور ريشون 14/8/2013).

ومما يدلل على الرابط القوي بين هذه الفتاوى والتنظيمات الإرهابية حقيقة أن جميع الذين ثبت تورطهم في جرائم "شارة ثمن" هم من طلاب غيزنبيرغ نفسه، وعندما تم الكشف عن هوية منفذي جريمة إحراق عائلة دوابشة سارع غيزنبيرغ لتقديم الغطاء "الشرعي والفقهي" لطلابه، ورأى أن هذه الجريمة كانت بمثابة تنفيذ "لفريضة شرعية" (هآرتس 24/12/2015).

وتنبع خطورة فتاوى غيزنبيرغ في أنه يعد من أهم المرجعيات الدينية اليهودية على مستوى إسرائيل والعالم، ويتبعه عشرات آلاف من الشباب اليهودي، وسبق لغيزنبيرغ أن ألف كتاباً بعنوان "تبارك البطل"، خصصه لكيل المديح للإرهابي باروخ غولدتشاين، الذي أطلق النار في 25/2/1994 على المصلين في المسجد الإبراهيمي في الخليل أثناء ركوعهم في صلاة الفجر، فقتل 29 منهم وأصاب العشرات.

لكن إصدار الفتاوى المحرضة على قتل الفلسطينيين لا تتوقف على غيزنبيرغ؛ فقد أيد الحاخام دوف ليئور -الذي يعد أبرز المرجعيات الدينية لحزب "البيت اليهودي" المشارك في الائتلاف الحاكم- جريمة إحراق عائلة دوابشة، مع العلم أنه سبق أن وصف المجرم باروخ غولدشتاين "بالصديق" بسبب جريمته النكراء.

وأثبت تحقيق عرضته قناة التلفزة الإسرائيلية الثانية بتاريخ 26/11/2015 أن عدداً كبيراً من المرجعيات الدينية الوازنة تجاهر بتأييدها جريمة إحراق عائلة دوابشة. وتلفت الصحافية الإسرائيلية أبيراما غولان الأنظار إلى أن بعض الحاخامات الذين تحفظوا على جريمة إحراق عائلة دوابشة أقدموا على ذلك بسبب قلقهم من تداعياتها وإمكانية أن تؤثر سلباً على مشروع إقامة "دولة الشريعة بدل دولة إسرائيل الحالية، وليس لدواع قيمية أخلاقية أو دينية" (هآرتس 27/12/2015).

تسويغ ذبح الرضع العرب كإجراء وقائي
ومما لا شك فيه أن أخطر "المصنفات الفقهية" اليهودية التي صدرت حديثا، وتسوغ قتل العرب لمجرد أنهم عرب، وعدم التفريق بين طفل وبالغ، هو كتاب "شريعة الملك"، لمؤلفه الحاخام إسحاق شابيرا، الذي صدر عام 2009.

وهناك في إسرائيل من يرى أن أعضاء التنظيمات الإرهابية اليهودية الذين يتعمدون المس بالأطفال الفلسطينيين تأثروا بمصنف "شريعة الملك"، لأنه تضمن "مسوغات فقهية" توجب قتل الرضع العرب بحجة أنهم عندما يكبرون سيحاربون إسرائيل، لذا فالأجدر أن يتم قتلهم مبكراً.

على الرغم مما يعكسه كتاب "شريعة الملك" من شطط وخلل أخلاقي وقيمي وديني، فإن العشرات من الحاخامات أيدوا ما جاء فيه، في حين عدّه عدد من أعضاء مجلس الحاخامية الكبرى إبداعاً فقهياً

المفارقة أنه على الرغم مما يعكسه هذا الكتاب من شطط وخلل أخلاقي وقيمي وديني، فإن العشرات من الحاخامات أيدوا ما جاء فيه، في حين عدّه عدد من أعضاء مجلس الحاخامية الكبرى -التي تعد أكبر هيئة دينية رسمية في إسرائيل- "إبداعاً فقهياً".

أما الحاخام مئير دفيد دركمان عضو مجلس الحاخامية العليا والحاخام الأكبر لمدينة "كريات موسكين"، فقد كتب مقالاً في موقع "حباد أون لاين"، الذي يعبر عن حركة "حباد" الدينية بعنوان: "أنا إرهابي فخور"، حيث عدّد فيه الأسباب التي توجب -حسب وجهة نظره- ضرورة منح منظمة "لاهفا" الإرهابية اليهودية جائزة "إسرائيل"، التي تعد أهم جائزة رسمية، بسبب دورها في تنفيذ الاعتداءات على الفلسطينيين في القدس (هآرتس 14/1/2015). ويمكن الإشارة إلى عشرات الفتاوى التي أصدرها كبار الحاخامات وتحث على القتل الصريح.

تشريع النهب والسلب
ولا يقتصر تحريض المرجعيات الدينية اليهودية على قتل الفلسطينيين، بل إن عدداً من كبار الحاخامات يهتم "بالتأصيل الفقهي" لتسويغ سرقة الفلسطينيين ونهب ممتلكاتهم ومحاصيلهم. ولقد أفتى الحاخام شموئيل مردخاي عضو الحاخامية الكبرى والحاخام الأكبر لمدينة صفد المحتلة بأنه لا "خطيئة" على اليهودي في حال سرق من عربي، لأن العرب في الأساس لصوص (هآرتس 23/12/2015).

وحث الحاخام زلمان ملميد -من كبار حاخامات الصهيونية الدينية- طلابه في مستوطنة "كرنيه شمرون" الواقعة غرب مدينة قلقيلية (غرب الضفة الغربية) على سرقة محصول الزيتون من الفلسطينيين، كما أفتى الحاخام نفسه بجواز تسميم الآبار التي يشرب منها الفلسطينيون (معاريف 22/7/2015).

الحث على تدمير المساجد والكنائس
وعنت المرجعيات الدينية اليهودية بإصدار الفتاوى التي تحث على تدمير المساجد. ويرأس الحاخام يسرائيل أرئيل مؤسسة "معهد الهيكل" التي تعنى ليس فقط بالتأصيل الفقهي الذي يسوغ تدمير الحرم القدسي الشريف، بل إنها تأخذ على عاتقها التخطيط والإعداد لبناء الهيكل المزعوم على أنقاضه.

وهناك من الحاخامات من دعا حتى إلى تدمير المسجد الحرام في مكة المكرمة، بحجة أن هذا العمل سيعمل على تيئيس المسلمين من جدوى مواجهة إسرائيل (يديعوت أحرنوت 18/11/2010). ومن المفارقة أن عدداً كبيراً من الحاخامات مشغول حالياً بتقديم المسوغات التي توجب إحراق الكنائس، على اعتبار أن المسيحية "ضرب من ضروب الوثنية"، لذا يتوجب عدم السماح بوجود دور العبادة التابعة له في "أرض إسرائيل".

عثر بعض الحاخامات على ما عدّوه مسوغاً فقهياً يوجب إحراق الكنائس في المصنفات الفقهية التي تركها الحاخام موشيه بن ميمون، المعروف بالرمبام

وعثر بعض الحاخامات على ما عدّوه مسوغاً فقهياً يوجب إحراق الكنائس في المصنفات الفقهية التي تركها الحاخام موشيه بن ميمون، المعروف "بالرمبام"، والذي عاش في القرن الـ12 في كل من مصر والأندلس.

ويشترط "الرمبام" السماح ببقاء المسيحيين على "أرض إسرائيل" بالتزامهم بالفرائض السبع التي ألزم بها أبناء نوح، وهو ما يعني تخلي المسيحيين عن دينهم. 

وقد استند الحاخام بنتسي غوفشتاين زعيم تنظيم "لاهفا" الإرهابي، خلال مؤتمر "فقهي" نُظم في أغسطس/آب الماضي في القدس المحتلة، إلى فتوى الرمبام لكي يشدد على وجوب إحراق الكنائس (هآرتس 8/11/2015).

وعملاً بهذا الإرث "الفقهي" يتعرض الكثير من القساوسة في القدس لعمليات تنكيل من قبل عناصر التنظيمات الإرهابية اليهودية، حيث تقوم عناصر التنظيمات الإرهابية بالاعتداء على هؤلاء القساوسة والبصق عليهم (هآرتس 30/6/2015). وعلى الرغم من الاعتداءات الموثقة على الكنائس والقساوسة فإن ذلك لم يشكل مسوغاً لدى الفاتيكان والمؤسسات الكنسية والغرب بشكل عام للاحتجاج وتسليط الأضواء على الإرهاب اليهودي وحاضنته الدينية.

فتاوى القتل بدعم حكومي إسرائيلي وأميركي
إن أكثر ما يدلل على أن إسرائيل "كدولة" مسؤولة مسؤولية مباشرة عن فتاوى التحريض على القتل التي تصدر عن الحاخامات حقيقة أن جميع هؤلاء الحاخامات إما أنهم موظفو دولة يتقاضون رواتب جزلة من الحكومة، أو أن مؤسساتهم الدينية والتعليمية تحظى بدعم كبير من وزارات الحكومة.

فعلى سبيل المثال، على الرغم من فتاويهما المحرضة على القتل، فإن أحداً لم يفكر -مجرد تفكير- في وقف مرتبات الحاخامين دوف ليئور وشمؤيل إلياهو، بل إن الأخير بات مرشحاً لتولي منصب الحاخام الشرقي الأكبر.

وإلى جانب الدعم المالي، فإن هناك دعما سياسيا يحظى به الحاخامات من أصحاب فتاوى القتل. فقد خرج رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو عن طوره ممتدحاً الحاخام ليئور، ووصفه بأنه "الكتيبة التي تقود شعب إسرائيل"، ووافق على إلقاء كلمة في مؤتمر نظمه الحاخام إسحاك غيزنبيرغ (هآرتس 19/8/2015).

وجاهر بعض الساسة الإسرائيليين بقبول مسوغات الحاخامات "الفقهية"، حيث كتب النائب بتسلال سموطريتش، الذي يرأس اللجنة الاقتصادية في البرلمان، وينتمي لحزب "البيت اليهودي" المشارك في الائتلاف الحاكم، مقالاً عدّد فيه المسوغات التي تجعل إحراق عائلة دوابشة ليس عملاً إرهابياً(هآرتس 10/12/2015).

لكن دعم المرجعيات الدينية التي تحث على القتل لا يقتصر على إسرائيل، بل تلعب الولايات المتحدة دوراً رئيسياً في ذلك؛ فقد دل تحقيق نشرته صحيفة "هآرتس" في عددها الصادر بتاريخ 2015/12/19 على أن الولايات المتحدة تقدم إعفاءات ضريبية لمنظمات يهودية أميركية تقدم ملايين الدولارات لمنظمات يرأسها حاخامات يدعون لتدمير الأقصى ولمدارس دينية يديرها حاخامات يصدرون فتاوى تحث على قتل العرب، وضمنها مدرسة الحاخام غيزنبيرغ.

إذا عرفنا أن أكثر من 60% من ضباط جهاز "الشاباك" ونحو 40% من ضباط الوحدات القتالية هم من أتباع التيار الديني الصهيوني، فإن هذا يدلل على أن هناك تأثيرا كبيرا لفتاوى الحاخامات

إن ما يفاقم خطورة تأثير فتاوى الحاخامات حقيقة أن طلاب وأتباع هؤلاء باتوا يتحكمون في أهم مراكز التأثير في الكيان الصهيوني. فرئيس الموساد الجديد يوسي كوهين، ومفتش الشرطة الجديد روني الشيخ ورئيس جهاز المخابرات الداخلية (الشاباك) هم من النخب الدينية التي تتلمذت في مدارس دينية أشرف عليها وأدارها الحاخامات المتطرفون.

وإذا عرفنا أن أكثر من 60% من ضباط جهاز "الشاباك" ونحو 40% من الضباط في الوحدات القتالية هم من أتباع التيار الديني الصهيوني، فإن هذا يدلل على أن هناك تأثيرا كبيرا لفتاوى الحاخامات على أولئك الذين يحتكرون التأثير على دوائر صنع القرار في تل أبيب.

يروق للعالم الاهتمام بتأثيرات فقه "التوحش" العدمي والضار الذي ينطلق منه تنظيم "الدولة الإسلامية"، والذي آذى المسلمين أكثر من غيرهم، لكن أحداً لا يولي اهتماماً "لفقه التوحش" الذي يعنى كبار المرجعيات الدينية اليهودية بتأصيله. 

وفقه الحاخامات المتوحش أكثر تأثيراً من فقه "داعش"، حيث إن هؤلاء الحاخامات يحظون بحاضنة سياسية اقتصادية واجتماعية ذات طابع مؤسساتي ودولي متين؛ والسكوت عنه يبرز فقط نفاق العالم وازدواجية معاييره.

المصدر : الجزيرة