عمر إبراهيم الترابي

عمر إبراهيم الترابي

​أكاديمي سوداني

أعلنت الإدارة الأميركية مؤخرا أنها بصدد السماح بتصدير طائرات مقاتلة بدون طيار، وهي الطائرات المسيَّرة آليا والقادرة على حمل الأسلحة الفتاكة، والتي شاع اسمها الإنجليزي "الدرون" لدى الأوساط العسكرية والإعلامية في منطقتنا العربية.

وتقول المصادر المطلعة إن الولايات المتحدة تزمع بيع هذه الطائرات لبعض حلفائها من دول العالم الثالث في إطار حربها المعلنة على الإرهاب، بعد أن كان استخدامها حصرا عليها وعلى حلفائها المقربين من حلف الناتو وإسرائيل.

ولقد أثار هذا النوع من الأسلحة الكثير من الجدل منذ أن بدأت الولايات المتحدة استخدامه في عهد الرئيس جورج بوش الابن، وتوسعت في استخدامه في عهد الرئيس باراك أوباما ضد ما تسميه الجماعات الإرهابية في الكثير من الدول الإسلامية، مثل باكستان وأفغانستان والعراق واليمن والصومال وليبيا وفلسطين والبقية تأتي.

وأعلنت الولايات المتحدة أنها ستُخضع دول العالم الثالث -الحليفة لها والتي ستشتري هذه الأسلحة الحديثة الفتاكة- لشروط صارمة بغية احترام حقوق الإنسان حال استخدامها، كما أنها لن تسمح بأن تغير مبيعات هذا السلاح التوازن الإستراتيجي الإقليمي.

وأول ما تتجه إليه الأنظار بعد هذا الإعلان هو الدول المرشحة لحيازة هذا النوع المتطور من السلاح، وفي هذا الصدد كشفت صحيفة الواشنطن بوست أن هذه الدول تشمل دول الخليج العربية، غير أنه ليس مستبعدا أن تشمل القائمة المزيد من الدول العربية والإسلامية.

وسنسعى في هذا المقال لمناقشة المشاكل التي يثيرها استخدام هذه الأسلحة ومدى انسجام استخدامها مع القانون الدولي، وجدوى امتلاك دولنا العربية لهذا النوع من الأسلحة الباهظة الثمن.

فما هو وضع هذه الطائرات في القانون الدولي؟ وهل تعتبر من الأسلحة المحظورة دوليا؟

بصفة عامة، يعتمد منع استخدام أسلحة بعينها في العمليات العسكرية على مخالفتها لمبادئ القانون الإنساني الدولي الرامية لحماية غير المقاتلين الموجودين قرب ساحات المعارك، وحماية الممتلكات والمنشآت الحيوية غير ذات القيمة العسكرية، وحماية المقاتلين من تعرضهم لأكثر من العمليات التي تهدف لتعطيل مقدراتهم القتالية.

وأول هذه المبادئ أن يكون استخدام السلاح للضرورة فقط، وأن تكون الأسلحة المستخدمة ذات دقة عالية حتى لا تصيب غير المقاتلين، وأن تكون متناسبة مع الخطر الذي تواجهه، وأن يتوخى المحارب أقصى درجات الاحتياط حين استخدامه للسلاح.

ولأجل ذلك يحرم القانون الدولي الإنساني كل الأسلحة التي لا تميز بطبيعتها، كالأسلحة البيولوجية والكيمائية والنووية التي تسمى أسلحة الدمار الشامل، كما يحرم كل الأسلحة التي تسبب أذى كبيرا ودائما كالرصاص المتفجر والقنابل الانشطارية.

وبما أن الطائرات المسيَّرة يُفترض فيها أنها أكثر دقة من الأسلحة التقليدية فهي لا تعتبر من الأسلحة المحرمة دوليا، إلا أن هذا لا يعني أن استخدامها في كل الأحوال يوافق قواعد القانون الدولي، لأن المعيار هو الكيفية التي تستخدم بها ومن تستهدفهم، لأنه من الممكن أن يُستخدم سلاح شرعي استخداما إجراميا، وهذا جائز في حق كل الأسلحة لا الطائرات المسيّرة فقط.

بما أن الطائرات المسيَّرة يُفترض فيها أنها أكثر دقة من الأسلحة التقليدية فهي لا تعتبر من الأسلحة المحرمة دوليا، إلا أن هذا لا يعني أن استخدامها في كل الأحوال يوافق قواعد القانون الدولي، لأن المعيار هو الكيفية التي تستخدم بها ومن تستهدفهم

وبذلك؛ فالحكم النهائي على استعمال الطائرات المسيَّرة في العمليات يعتمد على النتائج العملية لاستخدامها، وبما أن هذه الطائرات قد استخدمت بصورة مكثفة في الفترة الأخيرة من قبل الولايات المتحدة وإسرائيل، فإنه من السهل استنتاج مدى التزامهما بمبادئ القانون الدولي الإنساني وحقوق الإنسان في عملياتهما العسكرية التي تمت عن طريق ضربات الطائرات المسيّرة.

وللنظر في ذلك؛ يجب أن ننظر أولا في خصوصية وأهمية الطائرات المسيّرة (الدرون)، إذ معلوم أن اسم "الدرون" ارتبط بشعار محاربة الإرهاب، أو بمعنى أدق ارتبط باغتيال الأفراد الذين تفترض أميركا وإسرائيل أنهم أعضاء في جماعات إرهابية، دون أن تضطر لإرسال قوات خاصة أو طائرات تعرض حياة مقاتليها للخطر.

ورغم أن استخدام كلمة اغتيال يحمل فظاظة، فإن من الصعب على شخص لديه إلمام بالقانون الدولي أن يجد وصفا آخر لهذا القتل. صحيح أن القانون الدولي يمنح الدول حق التصدي للأخطار المباشرة والفورية لأمنها في إطار حق الدفاع عن النفس إذا لم تتوفر وسيلة أخرى لتفادي هذا الخطر، على أن تلتزم في ردها مبادئ القانون الدولي الإنساني الآنف ذكرها.

والسؤال هو: هل تدخل هذه الاغتيالات -التي تمت في باكستان وأفغانستان والعراق واليمن والصومال وليبيا وفلسطين- في إطار الدفاع المشروع عن النفس الوارد في القانون الدولي؟

في الواقع تكاد المنظمات القانونية الدولية وكبرى المنظمات الحقوقية غير الحكومية والخبراء يجمعون على أن القتل الذي تسببه الطائرات المسيّرة يعد اغتيالا.

وعلى سبيل المثال، فإن مقرر الأمم المتحدة الخاص بالقتل خارج القانون كريستوف هينز يذكر -في تقرير حديث للأمم المتحدة- أن القتل الذي تمارسه الولايات المتحدة عبر الطائرات المسيّرة لا يمكن تبريره بالدفاع المشروع عن النفس.

ويرى أن أميركا تبالغ في التوسع في مفهوم الدفاع عن النفس خارج التعريف القانوني المستقر لممارسة هذا الحق، لاعتقاده أن مجرد الاشتباه بمشاركة شخص في أعمال إرهابية في السابق لا يبرر اغتياله، كما أنه يرى أن أدلة أميركا على أن الأفراد المستهدفين إرهابيون يمثلون خطرا ماثلا عليها أدلة ضعيفة ولا تبرر القتل خارج القانون، ولعل الجميع يذكر أدلة وزير الخارجية الأميركي الأسبق كولن باول على أسلحة الدمار الشامل في العراق.

كذلك أورد مقرر الأمم المتحدة الخاص بحقوق الإنسان ومحاربة الإرهاب السيد بن إيميرسون -في تقريره الصادر في فبراير/شباط 2014- أن الذين تصفهم الإدارة الأميركية بالإرهابيين والناشطين، وتغتالهم عبر هجمات الطائرات من دون طيار، يمكن أن يكونوا من المدنيين الذين يحميهم القانون الدولي.

أما عن فعالية هجمات الطائرات المسيّرة في التخلص من الإرهابيين، فيشرح تقرير حديث لمنظمة هيومان رايتس ووتش -عن دور هذه الطائرات في التخلص من أعضاء تنظيم القاعدة باليمن- أن غارة استهدفت إمام مسجد كان شديد العداء للقاعدة، ويوظف كل خطبه في تنفير الناس منها وتحذيرهم من التعاون معها، وربما ظن بسطاء أن مقتله على أيدي الأميركان يمثل عقابا إلهيا له لمواقفه من تنظيم القاعدة.

ولكن الأطرف من ذلك ما رواه التقرير عن استهداف غارة أميركية لاثنين من أعضاء تنظيم القاعدة في اليمن سقط على إثره عدد من المدنيين من سكان القرية التي كانوا يقيمون فيها، وكانت النتيجة أن انضم فورا كل أهل القرية إلى تنظيم القاعدة نكاية في الأميركان، وبذلك قتلت الإدارة الأميركية بغارتها عضوين في تنظيم القاعدة، لكنها أضافت إليه مئات الأعضاء.

ولكن إذا سلمنا جدلا بأن الذين تستهدفهم أميركا جميعهم من شاكلة الإرهابيين الذين فجروا برج التجارة العالمي في نيويورك، أو اعتبرنا أن مسألة استهداف أميركا لأشخاص تمتلك معلومات عن تورطهم في عمليات إرهابية تثير خلافا، فإنه لا خلاف البتة على أنه لا شيء يبرر قتل المدنيين الأبرياء الذين يضعهم حظهم العاثر قرب الأهداف الأميركية. خاصة أن الذين يتهمون بالإرهاب وتستهدفهم الطائرات غالبا ما يكونون مختلطين بالسكان ولا يلبسون زيا خاصا أو شارات تميزهم.

إذا سلمنا جدلا بأن الذين تستهدفهم أميركا جميعهم من شاكلة الإرهابيين الذين فجروا برج التجارة العالمي في نيويورك، فإنه لا خلاف البتة على أنه لا شيء يبرر قتل المدنيين الأبرياء الذين يضعهم حظهم العاثر قرب الأهداف الأميركية

كما أنه لا خلاف على مسؤولية من يستخدم هذه الطائرات المسيّرة عن سقوط المدنيين الأبرياء من جراء غاراتها، لعدم توخيه الحذر الواجب قانونا في مثل هذه العمليات.

ولإعطاء مثال على هذا الحذر الواجب التوخي حالة استخدام هذا النوع من السلاح، نورد تعليمات وزارة الدفاع البريطانية الخاصة باستعمال الطائرات المسيَّرة، والتي تـُلزم العسكريين بالتأكد -قبل شن أي غارة- من عدم تعرض أي مدني للخطر قبل بدء الهجوم، وأن تلغى العملية العسكرية في حالة احتمال تعرض أي مدني للخطر.

فهل تتوخى الإدارة الأميركية وإسرائيل هذا القدر من الحذر في هجمات الطائرات المسيّرة في الدول الإسلامية والعربية رغم ما تدعيه بشأن الدقة الجراحية لإصابات الطائرات المسيَّرة؟

نترك الإجابة على هذا السؤال للسيد بيتر مورير رئيس اللجنة الدولية للصليب الأحمر (وهي جهة الاختصاص التي أوكلت إليها مراقبة تنفيذ القانون الدولي الإنساني، وأفضل من يملك المعلومات في هذا المجال) الذي ذكر -في مقابلة صحفية بتاريخ 10/05/2013- أن الطائرات المسيَّرة قد تسببت في قتل عدد كبير من المدنيين بأفغانستان وغزة واليمن والصومال، وأنهم يتحدثون مع الدول التي تستخدم هذه الطائرات لإصلاح هذا الخطأ الفادح.

كذلك أصدرت منظمة العفو الدولية تقريرا -في أكتوبر/تشرين الأول 2013- تحت عنوان "هل سأكون الهدف القادم؟"، تحدثت فيه عن آلاف الضحايا المدنيين الذين سقطوا من جراء استهداف الطائرات المسيّرة الأميركية لأفراد يشتبه في أنهم أعضاء في القاعدة أو طالبان باكستان. ووصفت غارات الطائرات المسيَّرة الأميركية بأنها جرائم حرب في بعض الحالات.

كما أصدرت منظمة هيومن رايتس ووتش تقريرا حديثا عن مقتل العشرات في اليمن بسبب هذه الهجمات ووصفت أيضا مقتلهم بأنه جرائم حرب.

أما سيد الأدلة فقد جاء في خطاب الرئيس الأميركي باراك أوباما في جامعة الدفاع الوطني الأميركية، الذي أقر فيه بسقوط ضحايا مدنيين من جراء هذه الهجمات، غير أنه قلل من حجمها ووصفها بالمخاطر التي تحدث في كل الحروب.

وبجانب الولايات المتحدة، هنالك أيضا إسرائيل التي تستخدم الطائرات المسيَّرة في هجماتها على الفلسطينيين في غزة، والتي حينما تكلف نفسها الرد على اتهامات خبراء الأمم المتحدة لها بقتل الأطفال بهذه الطائرات، تدفع بأن سقوط المدنيين أمر مؤسف ولكن سببه أن أعضاء حماس يندسون بين المواطنين، ولذلك فهي مضطرة للمخاطرة بقتل من خالطهم من الأطفال والنساء، وترى أن ذلك مسؤولية حماس، وأنه يتناسب مع حجم الخطر الموجه إليها.

وبالحساب البسيط؛ فإن هذا المنطق يقول: إن قتل ألف مدني فلسطيني يتناسب مع الخطر الذي قد يؤدي إلى صدمة نفسية لإسرائيلي من جراء صاروخ صوت سقط على بعد كيلومتر من منزله.

أما عن أهمية هذه الطائرات لدولنا العربية التي لا يخالجنا أدنى شك في أنها ستسعى للحصول عليها بكل الوسائل؛ فإن الخبير القانوني كريستوف هينز يحذر من أن انتشار الطائرات المسيَّرة لدى دول من العالم الثالث قد يشجع دولا مارقة أو جماعات متطرفة على تطويرها واستخدامها، مما سيحول العالم إلى ساحة معركة ويهدد الأمن والسلم الدوليين.

كما يرى أن وجودها في أيدي دول لا تمتلك التكنولوجيا الكافية لحماية أنظمتها الإلكترونية قد يسمح للجماعات المتطرفة بالتشويش عليها، أو إعادة توجيهها لضرب الدول التي تطلقها أو أي دول أخرى.

المشكلة أن دول منطقتنا العربية أصبحت تصف كل من يعارض نظم الحكم فيها أو يخالفها في المعتقد بالإرهابي، وإذا كانت الطائرات المسيَّرة ستستخدم ضد كل هؤلاء، فستحوّل ما تبقى من استقرار في المنطقة إلى رماد بالفعل ورد الفعل

بالإضافة إلى أن هذا النوع من السلاح يحتاج إلى تقنية متقدمة جدا ومقدرة علمية وتكنولوجيا عالية في جمع المعلومات، الأمر الذي لا يتوفر لدى دولنا العربية؛ ولذلك فإنها ستعتمد في استخدامها على المعلومات الاستخبارية الغربية، مما يجعل تعريف الإرهابي يقتصر حصرا على المفهوم الغربي في هذا المجال، وهو الأمر الذي يمثل نقطة خلاف كبيرة بين الشرق الإسلامي والغرب.

والسؤال الكبير هو: أين يا ترى ستستخدم دولنا العربية هذه الطائرات حينما تظفر بها؟

لا أحد يعلم الغيب، ولكن المقطوع به أنها لن تستخدمها ضد إسرائيل لأن الشروط الأميركية تمنعها من ذلك، ولا ضد أي دولة أجنبية، وإنما ستستخدمها ضد قوى معارضة داخلية، أو ضد بعض العرب المتناحرين في الدول التي انفرط عقدها كالعراق وسوريا وليبيا واليمن.

والمشكلة في ذلك أن دول منطقتنا العربية أصبحت تصف كل من يعارض نظم الحكم فيها أو يخالفها في المعتقد بالإرهابي، وإذا كانت الطائرات المسيَّرة ستستخدم ضد كل هؤلاء، فستحوّل ما تبقى من استقرار في المنطقة إلى رماد بالفعل ورد الفعل.

والمخاطرة الأخرى هي أن تتخذ دولنا العربية منهج الولايات المتحدة في استخدام الطائرات المسيَّرة كمرجعية، وتمنح نفسها الحق في قتل كل من تزعجها آراؤه ومواقفه ومعتقداته. والمنهج الأميركي -كما شرحناه- مشكوك جدا في احترامه لقواعد القانون الدولي الإنساني وقانون حقوق الإنسان الدولي.

كما أنها ستقدم هدية ثمينة لإسرائيل تبرر بها استخدامها للطائرات المسيَّرة ضد أطفال فلسطين، باعتبار أنها أصبحت سلاحا مشروعا شائع الاستعمال لدى دول المنطقة.   

وفي الختام، يبدو أن تبعية منطقتنا العمياء لأميركا والغرب قد أفقدتها تماما الثقة في ثقافاتها وأدواتها، بدليل أن بعض الدول العربية قد أنجزت برامج ناجحة في محاربة التطرف بمنهج عربي إسلامي أصيل، عبر الحوار والمراجعات التي تمت مع المتطرفين في مصر خلال عهد الرئيس مبارك، وبالمملكة العربية السعودية في عهد الملك الراحل عبد الله بن عبد العزيز، والتي أدت إلى رجوع الكثير من المتطرفين عن مواقفهم السابقة وأصبح بعضهم الآن أعلاما في مناهضة التطرف.

وهذا ما يجب على قادة المنطقة السياسيين والدينيين مواصلته وإحكامه بدلا عن اللجوء للقتل بالطائرات المسيَّرة، الذي لن يجلب إلا مزيدا من التطرف، لأن الذين أخرجهم الجهل والإحباط والغضب من إجماع الأمة، ويصفهم الغرب بالإرهاب في خلط مريب، ويباريه بعضنا في ذلك بل ويزيد عليه، هم أبناء هذه الأمة ومستقبلها وذخرها، وخروجهم عن إجماع أمتهم يحزننا وقتلهم يدمي قلوبنا، ويجب ألا تكون غاية أهلهم العرب والمسلمين قتلهم بل ردهم إلى أمتهم، حتى يدافعوا عنها بالحق وينصروا دينهم بالحكمة والموعظة الحسنة، ويعمروا أرضهم بدلا من أن يدمروها.

المصدر : الجزيرة

التعليقات