حسين عبد العزيز

حسين عبد العزيز

كاتب ومنتج أخبار في قنوات فضائية

إنكلترا/فرنسا
تونس/سوريا

كيف استطاع التونسيون إنجاز ثورتهم بتكلفة بشرية ومادية قليلة؟ ولماذا فشل السوريون في تغيير نظام الحكم على الرغم من التكلفة البشرية الباهظة المدفوعة حتى الآن، مع بوادر تفكك الاجتماع المدني وانزلاق الهيئة الاجتماعية إلى أتون المستنقع الطائفي؟ الإجابة عن هذين السؤالين تتعدى طبيعة المعارضة -وإن كانت تتحمل جزءا من هذه المسؤولية- إلى مستوى الأنظمة السياسية الحاكمة.

لقد بينت التجارب الثورية في العالم -وأهمهما الثورتان الإنكليزية والفرنسية- أن حدود عنف الثورة والثورة المضادة متعلقة بطبيعة النظام السياسي القائم، وطبيعة سلوكه خلال الثورة.

إنكلترا/فرنسا
تعتبر الثورة الإنكليزية أهم ثورة في التاريخ الحديث بسبب سرعتها وتكلفتها المحدودة، بدأت الثورة عام 1688 بعزل الملك جيمس الثاني وتنصيب ابنته ماري وزوجها وليام أورانج، وانتهت في العام الذي يليه بإعلان الحقوق.

هذه السرعة والتكلفة البسيطة لم تنجم عن حركة جماهيرية ضخمة كما حدث في فرنسا، ولم تنجم عن انقلاب داخل العائلة المالكة، بل هي ثورة قام بها البرلمانيون ممثلين بالطبقة الأرستقراطية والبرجوازية، بعد صراع سياسي طويل مر بتمفصلات تاريخية أدت إلى جعل النظام السياسي في إنكلترا أكثر تطورا مقارنة مع باقي الدول الأوروبية.

الأمر الذي ساهم في عدم نشوء مؤسسات وبيروقراطية قويتين تشابه تلك الموجودة في دولة الحكم المطلق، فقد كانت السلطة موزعة بين الملك والنبلاء، ولم يبق إلا الخطوة الأخيرة وهي إعلان الحقوق الذي يعطي صلاحيات أوسع للبرلمان على حساب الملك.

هذا التطور في النظام السياسي الإنكليزي يعود إلى مسار سياسي طويل بدأ فعليا مع تدوين مبادئ الحريات الأولية المعروفة باسم "الماغنا كارتا" عام 1215، مرورا بثورة رحلة الغفران 1536 ـ 1537، وثورة ديفونشاير وكورنوول 1549، وثورة نورفولك من العام نفسه أيضا، ثم الحروب الأهلية (1642ـ1651).

وهذا المسار الثوري -وما رافقه من تطور في النظام السياسي- هو الذي حال دون تحويل الثورة الإنكليزية إلى اتخاذ مسار عنيف على غرار الجارة فرنسا.

المسار الثوري -وما رافقه من تطور في النظام السياسي الإنكليزي يعود إلى مسار سياسي طويل بدأ فعليا مع تدوين "الماغنا كارتا" عام 1215-

ترافق هذا التطور السياسي مع تطور اقتصادي، حيث أدى صعود الاتجاه التجاري في الزراعة إلى تأسيس علاقة جديدة بين السيد مالك الأرض والفلاح قادت إلى تحرير الفلاحين وخروجهم من دائرة الطبقة المالكة.

ومع الوقت نشأت طبقة تجارية لها مصلحة في توسيع التجارة، ثم بدأت تتسع هذه الطبقة مع دخول أسياد إقطاعيين إليها، بحيث أضحت قوة موازية للتاج ولها مصلحة في دفع عملية الإصلاح السياسي والاقتصادي، وحالت دون سطوة التاج وانفلات الفلاحين.

لم يكن في فرنسا -بسبب قوة المَلكية المطلقة- مؤسسات قابلة للحياة رغم بنيتها البيروقراطية القوية، ولا طبقة نبلاء وبرلمان قادريْن على مواجهة الملك لويس السادس عشر الذي وصلت فرنسا في عهده إلى ذروة الحكم المطلق.

هذا الوضع الراديكالي انعكس على مستوى البنية الفوقية، فالفلاسفة الفرنسيون -الذين كانوا غير فاعلين في الحياة السياسية بسبب الاستبداد الملكي- طوروا أيديولوجيات مثالية مفارقة للواقع باسم العقل والحقوق والطبيعة والحرية والمساواة.. إلخ، فطبعت هذه الأيديولوجيات التنوير الفرنسي بطابعها، وباسم هذه الأيديولوجيات ستكشر الثورة عن أنيابها وتنجب عهد الرعب أثناء الثورة على يد روبسبير واليعاقبة.

وعلى الصعيد الاقتصادي، كان النظام الاجتماعي الفرنسي متخلفا مقارنة بما يجري في القارة، فالنظام الإقطاعي ما زال قويا على صعيد الترتيبات الاجتماعية وإن كان يشهد ضعفا على الصعيد الاقتصادي بعد تطور البرجوازية، وعوضت الطبقة الإقطاعية ذلك عبر خلق ترتيبات اقتصادية رجعية لاستخراج الفائض الاقتصادي من الفلاحين والقضاء على ما تبقى من امتيازاتهم، الأمر الذي حال دون التوصل إلى حل يرضي الفلاحين ويجنب البلاد العنف كما حدث في إنكلترا.

يميز صموئيل هانتنتون بين نوعين من الأنظمة: أنظمة تفتقر إلى مؤسسات سياسية قوية (إنكلترا)، وأخرى تمتلك مؤسسات وبيروقراطية قوية (فرنسا)، في الحالة الأولى (حالة المؤسسات الضعيفة/إنكلترا) يتطور المجتمع نحو التشاركية السياسية الأوسع، أما في الحالة الثانية (حالة المؤسسات القوية/فرنسا) فيواجه المجتمع مشكلات خطيرة في تكيفه مع المشاركة السياسية بسبب طبيعة بنيته السياسية القوية.

تونس/سوريا
مثلما كان الخلاف في مسار التجربتين الإنكليزية والفرنسية يعود إلى الواقع السياسي والاجتماعي والاقتصادي الذي سبق الثورة ورافقها، نجد الأمر كذلك في تونس وسوريا.

بدأت تونس في مرحلة ما بعد الاستقلال بتشكيل أسس الدولة الحديثة تحت نظام حكم شمولي مع الحبيب بورقيبة، لكنه استطاع تأسيس دولة ومؤسسات قوية أدت بطريقة أو أخرى إلى تشكل طبقة وسطى ذات أهداف تنويرية، وطبقة علمية عالية لها مصلحة في التغيير الديمقراطي، ومجتمع مدني فاعل مقارنة بالمحيط العربي.

هذا التحديث أدى إلى فصل مؤسّسات المجتمع الأهلي عن مؤسسات الدولة، الأمر الذي سمح بالفصل بين الدولة ونظام الحكم، وكان من نتيجته أثناء الثورة وقوف الجيش مع الدولة وليس مع النظام.

وهذه خصوصية تونسية يؤكدها المفكر عزمي بشارة الذي يقول إن وجود جماعة وطنية تفهم نفسها على هذا المستوى كشعب في علاقة مع الدولة، وتتحول في خيال الفرد إلى جماعة يتخيل أنه ينتمي إليها، هو بالضبط ما يمكّن من فصل الشعب عن النظام في لحظة الثورة من دون أن ينقسم إلى جماعات.

بفضل وجود دولة ومؤسسات فاعلة وطبقة وسطى متماسكة وواسعة وتاريخ من الاحتجاجات وتجانس هوياتي، استطاعت الثورة التونسية إسقاط النظام بسرعة والحفاظ على الدولة ومكتسباتها

ومثل الحال في التجربة الثورية الإنكليزية، كان لتونس تاريخ من النضال الاجتماعي لم تعرفه معظم البلدان العربية، بدءا من انتفاضة الوردنين عام 1969، وانتفاضة قصر هلال عام 1977، ثم انتفاضة 26 يناير/كانون الثاني عام 1978 المعروفة باسم الخميس الأسود، وعملية قفصة عام 1980، وانتفاضة 3 يناير/كانون الثاني عام 1984، ومظاهرات فبراير/شباط عام 2000، ثم أحداث الحوض المنجمي عام 2008 التي دامت عدة شهور، وأحداث مدينة بن قردان عام 2010.

وهكذا بفضل وجود دولة ومؤسسات فاعلة، وطبقة وسطى متماسكة وواسعة، وتاريخ من الاحتجاجات وتجانس هوياتي؛ استطاعت الثورة التونسية إسقاط النظام بسرعة والحفاظ على الدولة ومكتسباتها.

ترافق بناء الدولة السورية في مرحلة حزب البعث مع بناء النظام لنفسه، وما إن انتهت أحداث الثمانينيات حتى بدأت مؤسسات الدولة تتراجع لصالح النظام ومؤسساته، واستطاع نظام البعث توحيد نفسه بالدولة، فأصبح البعث هو الدولة والدولة هي البعث.

لقد تماهى الحزب مع السلطة والسلطة مع الدولة التي اخترقت المجتمع وأذابته كليا، وكان من نتيجة ذلك تشكل بيروقراطية عسكرية سياسية اقتصادية عابرة للطوائف في غاية القوة والتعقيد، وليست لها مصلحة في تغيير الواقع السياسي/الاقتصادي القائم، وبرز تماسك هذه البيروقراطية خلال الثورة بشكل واضح، ولا سيما المؤسسة العسكرية التي كشفت بنيتها التراتبية عن ركائزها العصبية.

وأدى "تطييف" (من الطائفة) بعض المناصب الهامة في الجيش من جهة، وتحالفات ذات بعد سياسي/اقتصادي من جهة ثانية، وبقاء أيديولوجية وطنية/قومية لدى البعض الآخر من جهة ثالثة، إلى جعل الجيش أداة بيد النظام، وهذه خصوصية سورية على المستوى العربي.

لقد تصحرت الحياة السياسية بالكامل واستحالت معها إمكانية إجراء أي إصلاح جدي قادر على تغيير البنى السياسية والاقتصادية، كما استحال معها نشوء ما يمكن تسميته بالكتلة التاريخية السياسية القادرة على ممارسة ضغوط على السلطة، وتوحيد المعارضة أثناء الثورة.

وهذا ما يفسر ربما خروج قيادة الشارع من الذين غلبت عليهم صفة الحداثة والانتماء إلى المجتمع المدني، لينتهي الوضع الميداني في أغلبه بين أمراء حرب من كلا الطرفين مع طابع أيديولوجي مطعم بنزعات طائفية قاتلة.

وكما هو الحال في فرنسا، أدى هذا الوضع الراديكالي الذي وسم الحياة السياسية في سوريا إلى نشوء قوى سياسية جديدة في بداية الثورة لا تقبل إلا بتغيير جذري في النظام لا مجرد إصلاحات شكلية، لكن عنف النظام ومحاولته عسكرة الثورة دفع هذه القوى إلى الذهاب أبعد مما كانت تطالب به: لقد آن أوان المطالبة بإسقاط النظام بالكامل واستخدام نفس أدوات النظام.

وبسبب استخدام النظام للحل الأمني/العسكري، وغياب تجانس هوياتي في المجتمع، وغياب إرث سياسي للقوى المدينية، ستكشف الثورة عن عهد الرعب السوري.

المصدر : الجزيرة

التعليقات