ياسر الزعاترة

ياسر الزعاترة

كاتب أردني

ذهب القيادي في التيار السلفي الجهادي في الأردن، محمد الشلبي (أبو سياف) إلى تبرئة من سماهم شرعيي الدولة الإسلامية الصادقين من قرار إعدام الطيار الأردني معاذ الكساسبة حرقا، معتبرا أن ذلك من تأثير الضباط البعثيين السابقين (تلاميذ عزت الدوري) الموجودين في مجلس شورى الدولة.


والحال أن ما ذهب إليه الشلبي لا يعدو أن يكون تحليلا لا تسعفه الأدلة، وهو تحليل كثر الحديث عنه خلال العام الماضي، رغم صعوبة الحديث عن آلية لاتخاذ القرار في منظومة هي أقرب إلى التنظيم السري منها إلى الدولة الحقيقية التي يجتمع قادتها لاتخاذ قرار في كل شأن مستجد، مع العلم أنه من المستحيل الحديث عن اتفاق حول كل خطوة يخطوها القوم، حتى ضمن المجموعة التي تجتمع وتقرر في القضايا الحساسة، مثل قضية الطيار.

هذا المستوى من الدموية هو نتاج ظرف موضوعي، وإن استند في التبرير كما هي العادة إلى نصوص شرعية، وتبعا لذلك إلى رؤية سياسية، تقوم على بث الرعب في أوصال العدو لكي يتراجع أو يستسلم أو يهرب من ساحة القتال

وإذا جئنا نتحدث عن وجود ضباط بعثيين، فإن هؤلاء لم يعودوا بعثيين، بل ربما لم يكونوا كذلك أصلا، حتى لو كانت لهم صلات معلنة بحزب البعث، ربما كانت نتاج الحاجة أو الاضطرار أيام صدام حسين، من دون أن تنطوي على اقتناع بالأيديولوجيا التي تبناها، والتي بدا أن صدام نفسه لم يعد يؤمن بها في سنواته الأخيرة.

أيا يكن الأمر، فجريمة إعدام معاذ الكساسبة حرقا نُفذت، وسيتحمل التنظيم تبعاتها بصرف النظر عن الجهة التي اتخذت القرار، أو الخلاف حوله، لكن ذلك لا بد أن يدفع نحو قراءة الرسالة التي أراد التنظيم توصيلها من وراء العملية ابتداء، فضلا عن التبعات التي ستترتب عليها.

من الواضح أن العنف الدموي والقسوة ومشاهد الذبح لم تكن قرارا عابرا في التنظيم، بقدر ما هي تعبير عن إستراتيجية ورؤية، حتى لو أخذنا البعد النفسي في الاعتبار من حيث أن هذا المستوى من العنف هو رد يمكن توقعه من فئة تعرضت للكثير من الوحشية في السجون والمعتقلات، في ذات الوقت الذي تعرضت فيه الفئة التي تنتمي إليها (أعني العرب السنّة) إلى قدر هائل من الوحشية أيضا بأيدي المليشيات الشيعية، وإن لم تلجأ الأخيرة إلى تصوير مشاهد التعذيب والقتل كما يفعل تنظيم الدولة.

نعم، هذا المستوى من الدموية هو نتاج ظرف موضوعي، وإن استند في التبرير كما هي العادة إلى نصوص شرعية (من الكتاب والسنة، أو من مقولات الفقهاء كما هي الحالة التي نحن بصددها)، وتبعا لذلك إلى رؤية سياسية، تقوم على بث الرعب في أوصال العدو لكي يتراجع أو يستسلم أو يهرب من ساحة القتال (كتاب "إدارة التوحش" نموذج لهذا التفكير).

وفي رأي قادة الدولة مثلا -ونحن هنا نحلل- فإن ما فعلوه بالكساسبة له وجهان، الأول ذلك الذي يعبر عنه عنوان الشريط الذي تضمن عملية الحرق، وهو "شفاء الصدور"، وبالطبع من أجل تقديم الدولة على أنها المؤهلة للأخذ بثأر المسلمين، وهي التي تشفي صدور المؤمنين بالانتقام ممن يستهدفونهم. أما الثاني، فيتمثل في ردع الآخرين ممن يفكرون في تكرار الأمر، ولعل ذلك هو ما دفعهم مثلا إلى نشر أسماء أخرى لطيارين آخرين مشاركين في التحالف في الشريط.

المشكلة أن هذا اللون من التفكير يبدو أحاديا إلى حد كبير، فهو يأخذ جزءا من المشهد ويترك الآخر، مع أن مشاهد السياسة معقدة ومركبة، وهي عموما موازنة دقيقة بين مصالح ومفاسد، وقد يكون الفرق بين الجانبين محدودا في بعض الأحيان، وربما يكون الترجيح أسهل في أحيان أخرى.

إن أخذ الجانب المتعلق بشفاء صدور قوم مؤمنين في عملية الحرق، ومن قبلها مشاهد الذبح، لا يأخذ في الاعتبار إلا من أصابتهم الأزمة بشيء من وحشيتها، لكنه يتجاهل الغالبية الساحقة ممن يراقبون ويقرؤون المشهد بطريقة مختلفة

إن أخذ الجانب المتعلق بشفاء صدور قوم مؤمنين في عملية الحرق، ومن قبلها مشاهد الذبح، لا يأخذ في الاعتبار إلا من أصابتهم الأزمة بشيء من وحشيتها، لكنه يتجاهل الغالبية الساحقة ممن يراقبون ويقرؤون المشهد بطريقة مختلفة تأخذ المصالح والمفاسد، ومن ضمنها صورة الإسلام في وعي البشرية بعين الاعتبار. 

ثم من قال إن ممارسات من هذا النوع تردع الآخرين؟ تجربة التاريخ لا تقول بذلك، بل ربما قالت العكس، إذ إنها قد تفضي إلى ردود أكثر عنفا. وبتعبير أدق، هل إن شيئا كهذا سيردع دولا عن تنفيذ أجندتها؟ هل ستغير اليابان موقفها بعد ذبح رجليها، وهل غيرت فرنسا موقفها بعد شارلي إيبدو مثلا، أم أنها ستمعن في مطاردة من تراهم أعداء يهددونها في الداخل والخارج؟ ثم ماذا جرى من قبل الولايات المتحدة بعد ذبح الصحفي الأميركي؟ ألم تذهب أبعد في مطاردة التنظيم، وإن بقي الأمر في إطار محدود تبعا لاعتبارات سياسية سنشير إليها لاحقا؟!

هذا الأمر ينطبق على الأردن وسواه (قرار الإمارات حالة يصعب القياس عليها، ومشاركتها رمزية أصلا)، بل إن الواضح أن أي مشاركة من قبل الأردن في التحالف وتوجيه ضربات للتنظيم ستحظى الآن بغطاء شعبي أكبر بكثير من ذلك الذي كان متوفرا في السابق، وهو ما يدفع إلى القول إن ما أراده التنظيم قد ارتد عليه على نحو أسوأ بكثير. ونموذج عنف المليشيات الشيعية الذي يتصاعد في العراق دليل آخر، مع أنه كان سابقا على عنف تنظيم الدولة، حيث بدأ مباشرة بعد الغزو الأميركي عام 2003.

أما الغالبية الساحقة من المسلمين التي تأخذ صورة الإسلام والمسلمين في الاعتبار، فقد تراجع تعاطفها مع التنظيم بعد الجريمة، وازدادت اقتناعا الآن بأنه يساهم في تشويه دينها في وعي الغالبية من البشر، ولا يمكن أن يكون ذلك مقبولا، حتى لو جاء كجزء من سياق محاربة تحالف لا يؤيدونه، بل يعادونه.

لقد فتحت الجريمة الجديدة كما لاحظ المعنيون بمتابعة مواقع التواصل الباب أمام مسلسل شبه مسكوت عنه من استعادة الأفعال المشابهة، ورأينا كثيرين يصرخون: ألم نقل لكم؟ ألم نحدثكم عما فعله هؤلاء بالمجاهدين في سوريا عبر التعذيب والمفخخات وما شابه ذلك من ممارسات؟

والنتيجة أن الجريمة الجديدة، وفضلا عن بشاعتها، كانت بمثابة محطة بائسة في تاريخ التنظيم ستحرمه من جزء كبير من التأييد الشعبي، لاسيما أنه يصرُّ عليها ويدافع عنها، خلافا للزرقاوي نفسه الذي أخرج تسجيلا صوتيا بعد عمليات الفنادق في عمان 2005 كان ينطوي على ما يشبه الاعتذار عما جرى، مشيرا إلى أنه لا يستهدف "العصاة من المسلمين".

وحين يتراجع تأييد التنظيم في الأوساط الشعبية العربية والإسلامية، فإن مدده من الشبان أيضا سيتراجع، وإن بقيت بعض الحاضنة في العراق تحديدا نظرا لممارسات المليشيات الشيعية البشعة هناك. ولو نجحت صفقة ما مع إيران التي أصبحت عنوانا كبيرا للعداء في وعي غالبية الأمة، أعني في سوريا والعراق (أصبح اليمن تابعا أيضا) لتغير الموقف من التنظيم على نحو كبير جدا.

عملية الحرق محطة بائسة في تاريخ التنظيم، وربما تذكِّر بصدامه مع قوى المقاومة والعشائر والمنخرطين في العملية السياسية في العراق بعد 2007، وهي المرحلة التي أنتجت الصحوات التي كانت سببا في ضرب التنظيم وقوى المقاومة في آن معا

إنها (أي عملية الإعدام) محطة بائسة في تاريخ التنظيم، وربما تذكِّر بصدامه مع قوى المقاومة والعشائر والمنخرطين في العملية السياسية في العراق بعد 2007، وهي المرحلة التي أنتجت الصحوات التي كانت سببا في ضرب التنظيم وقوى المقاومة في آن معا، قبل أن تعود الحاضنة الشعبية من جديد بسبب ممارسات المالكي الطائفية المدعومة من إيران بعد 2010، ومن ثم بشاعة ودموية بشار الأسد بعد الثورة.

واللافت هنا أن هذه المحطة قد جاءت بعد هزيمتين لافتتين للدولة، الأولى في كوباني، والثانية في ديالى، بما ينسف نظرية "باقية وتتمدد" التي أصبحت شعارا محببا لأنصار الدولة، ولتذكِّر أصحابها بأن موازين القوى لا تنكسر تماما لصالح أحد، وما يقدمه الإيمان هو أنه يزيد القوة ويعززها، من دون أن يكون قادرا على كسر المعادلة بالكامل، بدليل الهزيمتين المشار إليهما، وكلاهما كانتا نتاجا لخلل في ميزان القوى، بخاصة من الطيران في حالة عين العرب (مع وجود قوى على الأرض)، وفي ظل إلقاء إيران بكل ثقلها خلف معركة ديالى التي تعتبرها خاصرة لها، فضلا عن حقيقة أن الحاضنة الشعبية فيها ليست دافئة تماما بوجود فئات أخرى غير العرب السنّة. 

ليس هذا فحسب، إذ إن هناك شاهدين آخرين، الأول يتمثل في قرار التحالف بحرمان التنظيم من التقدم نحو بغداد بكثافة القصف من الجو، وضخامة المليشيات المدافعة عنها عددا وعدة بدعم إيران، وكذلك حرمانه من التقدم والاستقرار في مناطق الأكراد في الشمال، في حين يبدو جهده (أعني التحالف) محدودا في المناطق الأخرى تبعا لحاجة أميركا لإطالة المعركة من أجل مساومة إيران على اتفاق نووي، وعدم السماح لها بابتلاع العراق لقمة سائغة من جديد.

الأخطاء الكبيرة لا يمكن أن تمر بدون تداعيات كبيرة، وجريمة الحرق البشعة هي من هذا النوع، وهي ليست الوحيدة بطبيعة الحال، إذ يسبقها الصدام مع القوى الأخرى، بخاصة في سوريا، ومن دون أن يعترف القوم بأنهم بشر يصيبون ويخطئون، وتنطبق عليهم موازين القوى حتى لو أسعفتهم الدافعية العقائدية بمزيد من القوة (ضعفين، أو حتى عشرة أضعاف مثل صحابة بدر)، من دون ذلك، فإنهم سيمضون من خطأ إلى خطأ، ومن تراجع إلى آخر، وصولا إلى نهاية المشروع، حتى لو طال أمد وجوده لاعتبارات سياسية أكثر من اعتبارات عجز الأعداء، لو أرادوا وضع ثقلهم بالفعل.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك