صلاح بديوي

صلاح بديوي

عضو نقابة الصحفيين المصريين


أيام عربية مجيدة
نكسة كامب ديفيد
تدمير الجيوش العربية
إنقاذ ما يمكن إنقاذه

يخطئ كثيرا من يتصور أن خطة تدمير الجيوش العربية الرئيسية وليدة هذه الأيام، أو وليدة السنوات القليلة الماضية، فقد بدأت تلك الخطة منذ أعوام طويلة، وبالتحديد في أعقاب الانتصار التاريخي الذي حققه العرب على "إسرائيل" في السادس من أكتوبر/تشرين ثاني عام 1973.

حدث ذلك حين وقفت الأمة العربية صفا واحدا بكل مكوناتها وأطيافها وأعراقها وإمكاناتها المادية والمعنوية، داعمة للجيش العربي في كل من مصر وسوريا، من أجل تحرير الأرض العربية المحتلة في فلسطين وسيناء والجولان، ولولا تدخل الولايات المتحدة الأميركية حينها بكل إمكاناتها وقدراتها، لكانت الأمة العربية قد ألحقت بإسرائيل هزيمة ساحقة.

الأشقاء في دول الخليج والعراق وليبيا والجزائر واليمن والأردن والمغرب وموريتانيا، بل وكافة الأقطار العربية، وقفوا وقتها داعمين للمعركة مع تل أبيب بكل إمكاناتهم المادية والمعنوية، وقطعوا البترول عن الدول التي تدعم إسرائيل.

نجحت الأمة العربية في 1973 في فرض أجندتها واحترامها على الخريطة العالمية، وصعدت أسعار النفط بسرعة الصاروخ في أعقاب فك الحظر عن تصديره إلى الخارج، لكن الولايات المتحدة وحلفاءها لم ينسوا للعرب تلك الضربة الموجعة

بل إن عددا من تلك الدول بعثوا بقوات وأسلحة وطائرات إلى جبهات القتال في الجولان وسيناء، ولم تتخلف دولة عربية واحدة عن المساهمة بشكل أو بآخر في تلك المعركة المصيرية.

أيام عربية مجيدة
وقتها نجحت الأمة العربية المجيدة في فرض أجندتها واحترامها على الخريطة العالمية، وصعدت أسعار النفط بسرعة الصاروخ في أعقاب فك الحظر عن تصديره إلى الخارج، لكن الولايات المتحدة وحلفاءها لم ينسوا للعرب تلك الضربة الموجعة.

يقول هنري كسينجر وزير الخارجية الأميركي السابق في مذكراته إنه عندما التقى الملك فيصل -طيب الله ثراه- في جده عام 1973 "ورآه متجهما أراد أن يستفتح الحديث معه بمداعبة، فقال لجلالته: إن طائرتي تقف هامدة في المطار، بسبب نفاد الوقود، فهل تأمرون جلالتكم بتموينها، وأنا مستعد للدفع بأسعار السوق الحرة؟ في محاولة من هنري كسينجر -وهو يهودي داهية- أن يثني الملك الراحل عن قرار قطع البترول عن الدول التي تساند إسرائيل ومن بينها الولايات المتحدة الأميركية".

ولكن الملك فيصل -بحسب ما ينقل كسينجر- لم يبتسم بل رفع رأسه نحوي، وقال: "وأنا رجل طاعن في السن، وأمنيتي أن أصلي ركعتين في المسجد الأقصى قبل أن أموت، فهل تساعدني على تحقيق هذه الأمنية".

من هنا بدأ المخطط الأميركي الصهيوني للسيطرة على الثروات العربية، وتجريد العرب من كل مصادر قوتهم، وبالتالي العمل على تدمير الجيوش العربية الرئيسية والتخلص من قادة حرب أكتوبر تباعا أو تركيعهم، فقد توفي العاهل السعودي الملك فيصل -يرحمه الله- بعد ذلك، وتم استدراج الرئيس المصري الراحل أنور السادات إلى سلام كامب ديفيد في 26 مارس/ آذار 1979.

نكسة كامب ديفيد
التسوية التي أبرمها الرئيس الراحل أنور السادات ودفع ثمنها حياته، ترتبت عليها أمور إستراتيجية أوصلت مصر والمنطقة إلى ما هي عليه الآن، من مخاطر تهدد الأمن القومي العربي.

وتسببت تلك الاتفاقية أيضا في عزل مصر عن محيطها العربي والإسلامي والعالمي الداعم لها، وجرى إبعاد الجامعة العربية عن القاهرة، وأعلن الرئيس الراحل أنور السادات أن حرب أكتوبر مع "إسرائيل" هي آخر الحروب، وذلك بعد أن اعترف باحتلالها لفلسطين.

وانتهزت إسرائيل الفرصة لكي تعربد في المنطقة العربية وفي 6 يونيو/حزيران 1982 دخلت إلى جنوب لبنان، ووصلت إلى بيروت الغربية بعد أن أضعفت الجيش اللبناني وهياكل منظمة التحرير الفلسطينية، وأجبرت قيادة المنظمة على الخروج من لبنان إلى تونس.

التسوية التي أبرمها الرئيس الراحل أنور السادات مع إسرائيل ودفع ثمنها حياته، ترتبت عليها أمور إستراتيجية أوصلت مصر والمنطقة إلى ما هي عليه الآن، وما تمور به من مخاطر تهدد الأمن القومي العربي

قبل ذلك بعام كانت طائرات إسرائيل قد هاجمت بغداد وقصفت المفاعل النووي العراقي، وفي 16 أبريل/نيسان 1988 هاجمت وحدات إسرائيلية مقر إقامة من نحسبه شهيدا خليل الوزير أبو جهاد وقتلته في تونس، مستغلة حالة التفكك والتشرذم العربي.

بعدها بدأ فعليا مخطط تدمير الجيوش العربية، فالجيش المصري الذي كان وقتها أقواها وأكبرها، تم تقليص قدراته وأعداده، وأُخضع للتسليح والتدريب الأميركي بحيث تتم السيطرة عليه بشكل تام، وتم إعادة النظر في عملية انتشاره بسيناء، وذلك ضمن بنود اتفاقية كامب ديفيد.

ولأجل إتمام تلك المهمة رصدت الإدارة الأميركية سنويا حوالى مليارين ومائتي مليون دولار مساعدات عسكرية للجيش المصري، من أجل تسليحه وتدريبه ضمن اتفاقية شراكة وتعاون إستراتيجي بين الطرفين، وانطلقت مناورات النجم الساطع السنوية بينهما.

تدمير الجيوش العربية
وعلى الرغم من ذلك وضعت واشنطن خطة على مدى عقود بدأت مع توقيع اتفاقية كامب ديفيد في 26 مارس/آذار 1979 بتجريد الجيش المصري من قدراته الهجومية، وتدميره إن أمكن، وتكاد تلك الخطة تصل منتهاها الآن.

وبالنسبة لبقية الجيوش العربية، فقد دمرت الولايات المتحدة الجيش العراقي تماما عقب إدخاله وإنهاكه في سلسلة من الحروب بدأت بالحرب الإيرانية العراقية، ثم حرب الخليج الثانية، وأخيرا الغزو الأميركي والأوروبي للعراق، ثم صدور قرار أميركي بحل الجيش العراقي.

وفي خضم ثورات الربيع العربي استثمرت واشنطن معطيات تلك الثورات لا للعمل من أجل انتصار الثورة السورية والحفاظ على الجيش السوري، وإنما من أجل تحويل الثورة السورية إلى حرب أهلية وطائفية بغيضة تسببت في تشرذم الجيش العربي السوري وتفككه، وانخراط العسكريين التابعين له في القتال ضد بعضهم البعض، وتدمير مقومات الدولة السورية.

وما تعرض له الجيش السوري حدث للجيش الليبي أيضا، حيث تفتت وتشرذم، وباتت بعض فصائله تستغل الآن من قبل قوى الثورة المضادة، في محاولة من تلك القوي بقيادة لواء سابق يسمي الجنرال حفتر للقضاء على ثورة الشعب الليبي تحت شعار ظاهره الرحمة وباطنه العذاب وهو مقاومة الإرهاب.

أما بقية الجيوش العربية التي كان لها دور ملحوظ في حرب أكتوبر فتتعرض لنفس المصير بداية من الجيش اليمني الذي انتهى على أيدي الحوثيين، والجيش السوادني الذي ينخرط في معارك هنا وهناك ضد المتمردين. والجيش الجزائري الذي أنهك على مدار أعوام طويلة في حروب داخلية وأهلية.

وجاء الآن الدور على الجيش المصري لإعادة تدميره من جديد، وكان المدخل لتنفيذ المرحلة النهائية من خطة إعادة تدميره هو: استغلال طموحات قياداته في الاستحواذ على السلطة بعد ثورة 25 يناير، حيث يرى هؤلاء القادة أنهم وحدهم المؤهلون لحكم مصر، ولا يمكن أن يتركوا السلطة لحاكم مدني.

إنقاذ ما يمكن إنقاذه
وفي ذات السياق وضعت الولايات المتحدة الأميركية خطة المرحلة النهائية لتدمير الجيش المصري، على اعتبار أن سقوط مصر جائزة كبرى بالنسبة لها، وبالنسبة لإسرائيل، وهذا كلام تنشره مراكز البحوث الأميركية والإسرائيلية منذ 25 يناير/كانون الثاني 2011 بدون حياء أو خجل، ووفق قراءتنا فيما تنشره تلك المراكز، تتلخص تلك الخطة المشار إليها والتي تم إنجاز أغلب مراحلها بالفعل في ما يلي:

المدخل الحالي لتنفيذ المرحلة النهائية من خطة إعادة تدمير الجيش المصري هو استغلال طموحات قياداته في الاستحواذ على السلطة بعد ثورة 25 يناير، حيث يرى هؤلاء القادة أنهم وحدهم المؤهلون لحكم مصر، ولا يمكن أن يتركوا السلطة لحاكم مدني

- إقناع الإخوان المسلمين بالترشح للرئاسة لكي يفوزوا بها دون سواهم.
- استثمار أذرع أميركا السياسية والاقتصادية والإعلامية والطائفية ضد الإخوان.
- الوقيعة بين الإخوان وقادة الجيش وأطياف واسعة من الشعب.
- تأييد ودعم انقلاب عسكري ينهي الديمقراطية في مصر.
- تعميق الخلافات والهوة بين طرفي الصراع السياسي بعد الانقلاب، وإغراق مصر في حمامات دم.
- إدخال الجيش المصري في مواجهات دموية مع الرافضين للانقلاب.
- استثمار الغضب الناجم عن الانقلاب لدى الإسلاميين في المنطقة، في تغذية التطرف الإسلامي وإغراق المنطقة في حمامات دم.

- توريط الجيش المصري بعد أن فقد ظهيره الشعبي في معارك مع دول الجوار وبالذات في ليبيا وغزة ودول عربية أخرى إن أمكن، تحت ستار التصدي لإرهاب وهمي، افترضه القادة العسكريون في مصر لتمرير جريمة الانقلاب.

- تشكيل كماشة حول الجيش المصري في ظل معاركه مع الداخل المصري، كما يحدث بسيناء.
- تفجير حرب أهلية في مصر تنتهي بانشقاقات داخل الجيش وتوزع عناصره ما بين أطرافها، لكي تقاتل بعضها البعض، وربما تفتت مصر.

تلك هي أهم ملامح المخطط الأميركي المتعلق بتدمير الجيوش العربية، لتجزئة المجزأ وتقسيم المقسم. وفي ظل تلك الفوضى تفرض تل أبيب سيادتها على دول المنطقة، وربما تنفذ حلمها في هدم المسجد الأقصى وبناء هيكل سليمان على أنقاضه.

والمخرج من كل ما سبق، ومن أجل إنقاذ ما يمكن إنقاذه، يتوجب أن يكون هناك دور للمخلصين من أبناء الأمة العربية في شتي المجالات، وعلى الجميع قادة ورأيا عاما التحلي بقدر كبير من تقوى الله وروح المسؤولية.

نعم نريد مخلصين في شتي المجالات يسعون إلى لملمة أشلاء الأمة العربية وتضميد جراحها، وإعلاء المصلحة القومية العربية على الأجندات الخاصة، لأن تلك المخططات الكئيبة إن نجحت -لا قدر الله- فلن تسلم من عواقبها وويلاتها أية دولة عربية مهما تصورت أنها بعيدة عنها.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك