حمدي عبد الرحمن

حمدي عبد الرحمن

خبير في الشؤون الأفريقية

نمط انقلابات المرتزقة و"وونغا"
غامبيا ونمط الحكم الشخصي
المآلات وعسكرة السياسة الأفريقية

إن محاولة الانقلاب الفاشلة التي وقعت في غامبيا يوم 30 ديسمبر/كانون الأول 2014 ضد نظام الرئيس يحيى جامع تُذكرنا بمحاولة انقلاب فاشلة أخرى قادها المرتزقة في غينيا الاستوائية قبل نحو عشر سنوات خلت. ففي كلتا الحالتين تم التخطيط والتدبير للانقلاب من الخارج مع احتمال تورط شركات وجهات دولية.

ويطرح آدم روبرتس مراسل صحيفة إيكونومست -في تأريخه لمحاولة الانقلاب الفاشلة في غينيا الاستوائية عام 2004- وصفا مفصلا لكيفية تآمر المرتزقة لمحاولة إسقاط نظام الرئيس أوبيانغ نغيما، وتنصيب حاكم آخر يسمح لهم بالوصول إلى الحقول النفطية الهائلة في البلاد.

فقد قاد هذه المحاولة الانقلابية سايمون مان، وهو أرستقراطي وضابط سابق في القوات الجوية البريطانية الخاصة. كما أنه تلقى الدعم من العديد من الممولين أمثال السير مارك تاتشر (ابن رئيسة الوزراء البريطانية السابقة مارغريت تاتشر).

ولعل أبرز دلالات محاولة انقلاب غامبيا الفاشلة تتمثل في كونها تكرس ليس فقط عودة النمط الانقلابي في السياسة الأفريقية، ولكن أيضا استخدام المرتزقة من قبل جهات دولية لتغيير نظم الحكم في أفريقيا من أجل تحقيق مصالح خاصة.

لعل أبرز دلالات محاولة انقلاب غامبيا الفاشلة تتمثل في كونها تكرس ليس فقط عودة النمط الانقلابي في السياسة الأفريقية، ولكن أيضا استخدام المرتزقة من قبل جهات دولية لتغيير نظم الحكم في أفريقيا من أجل تحقيق مصالح خاصة

وعليه؛ فإن هذا المقال يسعى لمناقشة جدلية العلاقة بين الحكم الشخصي وعسكرة السياسة الأفريقية، ومآلات ذلك في ظل سياسة التكالب الدولي على الثروات الطبيعية التي تزخر بها البلدان الأفريقية.

نمط انقلابات المرتزقة و"وونغا"
تعني كلمة "وونغا" (Wonga) بالعامية الإنجليزية "المال الوفير"، وقد استخدمت بعد ذلك لتصف سلسلة من الانقلابات والمحاولات الانقلابية التي قام بها مغامرون أجانب للاستيلاء على السلطة في بلدان أفريقية غنية بثرواتها الطبيعية.

ولعل الصورة المثالية لهذا النمط الانقلابي هي تلك التي جسدتها رواية  فريدريك فورسيث "كلاب الحرب" الصادرة عام 1974. فثمة بلد أفريقي صغير -بحيث لا يكاد يُرى على معظم الخرائط- ويمتلك ثروة من الموارد الطبيعية، ولكنه يرزح تحت حكم دكتاتور فاسد يستولي على ثروات البلاد والعباد. وعندئذ تعتقد مجموعة من المغامرين وأصحاب المصالح في الغرب أن بإمكانها الإطاحة بالحكومة الأفريقية واستبدالها بنظام عميل أكثر تعاطفا مع مصالحهم.

وكما تم التخطيط لانقلاب غينيا الاستوائية في جنوب أفريقيا مع تورط جهات بريطانية كما أسلفنا، فإن محاولة انقلاب غامبيا تم التخطيط لها في الولايات المتحدة الأميركية. وهنا يمكن التذكير بالمحاولات الأميركية الدؤوبة للحصول على موطئ قدم في خليج غينيا ومنطقة غرب أفريقيا بسبب أهميتها النفطية والإستراتيجية. وثمة مزاعم غير مؤكدة بتورط جهات بريطانية وألمانية.

وقد وجهت السلطات الأميركية رسميا التهم إلى شخصين تورطا في محاولة الإطاحة برئيس غامبيا. المتهم الأول هو تشيرنو نجاي (57 عاما)، وهو رجل أعمال من أوستن بولاية تكساس، ويعد العقل المدبر والممول لهذه المؤامرة. أما المتهم الثاني فهو بابا فال (46 عاما)، وهو من قدامى المحاربين في الولايات المتحدة.

وبعد فشل هذه المؤامرة -التي قـُتل فيها بعض المهاجمين- تمكن كل من نجاي وفال من الهرب والعودة إلى الولايات المتحدة، وهما يُحاكمان طبقا لقانون الحياد الذي يرجع تاريخه لعام 1794. وطبقا لهذا القانون فإنه يُحرم على مواطني الولايات المتحدة المشاركة في أي عمليات عسكرية خاصة في الخارج. وتبلغ العقوبة القصوى بموجب هذا التشريع نحو ثلاث سنوات في السجن، أو غرامة.

وثمة حملات حقوقية أميركية تصور هذين المتهمين -وهما من أصول غامبية- بأنهما كانا يهدفان إلى تحرير الشعب الغامبي من طاغية مستبد.

غامبيا ونمط الحكم الشخصي
تولى يحيى جامع السلطة في بلاده وهو في سن التاسعة والعشرين من عمره بعد أن قاد انقلابا ناجحا في 22 يوليو/تمّوز 1994، أطاح من خلاله بحكم الرئيس المؤسس السير داودا جاوارا.

كما تم التخطيط لانقلاب غينيا الاستوائية في جنوب أفريقيا مع تورط جهات بريطانية، فإن محاولة انقلاب غامبيا تم التخطيط لها في الولايات المتحدة الأميركية. وهنا يمكن التذكير بالمحاولات الأميركية الدؤوبة للحصول على موطئ قدم في خليج غينيا ومنطقة غرب أفريقيا بسبب أهميتها النفطية والإستراتيجية

لقد كان انقلابا نمطيا قادته مجموعة من صغار الضباط شكلت إثره مجلسا عسكريا انتقاليا، وعلقت العمل بالدستور وفرضت حظرا للتجوال وأغلقت الحدود. وسرعان ما تمت ترقية قائد الانقلاب -الذي تلقى تدريبا عسكريا في كل من السنغال والولايات المتحدة- من رتبة ملازم إلى نقيب ليصبح الرئيس الفعلي للبلاد.

وبعد ذلك بعامين، تمت ترقية الرئيس جامع إلى رتبة عقيد قبل أن يتقاعد من الجيش. ومنذ عام 1996 وهو يفوز في الانتخابات الرئاسية التي تجرى في البلاد.

ويعطي نظام الرئيس جامع في غامبيا نموذجا فريدا للحكم الشخصي المستبد حيث يعتمد النظام السياسي بأسره على شخص الحاكم الذي يصور نفسه بأنه "المُخلِّص" أو "المنقذ" لشعبه، فالاسم الرسمي للرئيس هو: "معالي الشيخ الأستاذ الحاج الدكتور يحيى عبد العزيز غونكونغ جيموس جامع"، ويتولى جامع العديد من المناصب فهو وزير الدفاع وقائد أركان الجيش، بالإضافة إلى إشرافه المباشر على العديد من الدوائر الحكومية.

وفي عام 2007 زعم الرئيس جامع قدرته على علاج مرضى الإيدز عن طريق الأعشاب، وهو ما يذكرنا بقصة الجنرال عبد العاطي الهزلية في مصر. ووفقا لقصر الرئاسة الغامبي، فإن الرئيس جامع يزعم أيضا امتلاكه معرفة واسعة بطرق العلاج العشبية التقليدية، وخاصة علاج الربو والصرع.

وتمتلك حكومة الرئيس جامع واحدة من أسوأ السجلات في مجال حقوق الإنسان بأفريقيا. وتشمل الانتهاكات اختفاء الخصوم السياسيين، واعتقال المعارضين فترات طويلة دون تهمة أو محاكمة.

وفي أثناء احتجاجات الطلاب عام 2000، اتهِمت الحكومة بقتل 14 طالبا وصحفيا، وطبقا لتقرير منظمة العفو الدولية في ديسمبر/كانون الأول عام 2014 فإنه: "يتعرض نشطاء حقوق الإنسان في غامبيا بشكل روتيني للاعتقال غير القانوني والاحتجاز والتعذيب والمحاكمات الجائرة، والتحرش والتهديد بالقتل، مما يجعل من الصعب للغاية بالنسبة لهم القيام بأعمالهم".

وفي عام 2013 أدانت محكمة العدل التابعة للجماعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا (إيكواس) غامبيا في كل من قضية تعذيب الصحفي موسى سعيد خان عام 2006، وقضية الإخفاء القسري للصحفي إبريما مانع عام 2004.

ويبدو أن هذا السجل السيئ هو الذي دفع منظمة (إيكواس) إلى عدم الاعتراف بنتائج انتخابات عام 2011 الرئاسية في غامبيا. ومن جهة أخرى، يمثل قرار الرئيس جامع الانسحاب من منظمة الكومنولث -التي طالبته بإصلاحات سياسية- دليلا آخر على عزلته الدولية والإقليمية.

ويعيد الرئيس جامع إلى الأذهان نمط الخطاب المعادي للغرب والمثير للجدل على شاكلة الرئيس الليبي الراحل معمر القذافي. ففي مقابلة معه -في أعقاب ثورات الربيع العربي- أجرتها هيئة الإذاعة البريطانية عام 2011، أكد أنه لا يخشى أن يلقى نفس مصير معمر القذافي أو حسني مبارك.

وطبقا له فإن مصيره في يد الله سبحانه وتعالى، وإذا قُدر له أن يحكم بلاده لمدة مليار سنة فإنه سوف يفعل لأنها مشيئة الله تعالى.

ويحاول الرئيس جامع توظيف الخطاب الديني لخدمة أغراضه السياسية واجتذاب تأييد مواطنيه الذين يدينون بالإسلام، ويتضح ذلك من موقفه الشديد الصرامة في معارضة قضايا الشذوذ الجنسي في بلاده، يقول جامع: "الشذوذ الجنسي بجميع أشكاله ومظاهره -على الرغم من كونه شرا مطلقا- يعد غير إنساني ومناهضا لشرع الله، وللأسف يتم الترويج له كحق من حقوق الإنسان من قبل بعض القوى".

على الرغم من التحولات السياسية وتطوير المؤسسات الديمقراطية في بعض أنحاء أفريقيا، فإن محاولة انقلاب غامبيا تظهر أن الخيار الانقلابي قد عاد مرة أخرى كأداة للتغيير وكسر حدة الجمود السياسي في بعض الدول الأفريقية

وعلى نفس شاكلة خطاب القذافي، يذهب الرئيس جامع إلى القول بأنه "لن ينحني أبدا إلا أمام الله سبحانه وتعالى، ومن لا يعجبه ذلك فليذهب إلى الجحيم".

المآلات وعسكرة السياسة الأفريقية
ليس بخافٍ أن الحكمة التقليدية القائلة بأن أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى قد تجاوزت عصر الانقلابات العسكرية أضحت من قبيل التمني والتفكير الطوباوي. ففي العقد المنصرم، شهدت أفريقيا انقلابات ناجحة في النيجر وغينيا ومدغشقر وموريتانيا ومالي وبوركينا فاسو. وبالإضافة إلى ذلك، كانت هناك حفنة من التدخلات غير المباشرة والمحاولات الانقلابية الفاشلة في بلدان أخرى.

وعلى الرغم من التحولات السياسية وتطوير المؤسسات الديمقراطية في بعض أنحاء أفريقيا، فإن محاولة انقلاب غامبيا تظهر أن الخيار الانقلابي قد عاد مرة أخرى كأداة للتغيير وكسر حدة الجمود السياسي في بعض الدول الأفريقية. وعادة ما تكتسب الانقلابات الناجحة شرعيتها من الدعم الشعبي (أو على الأقل السكوت عليها وعدم مقاومتها)، ولا سيما مع وعود العسكر "باستعادة الديمقراطية".

ولعل ذلك كله يخلق ما يمكن أن نسميه نظرية العدوى الانقلابية التي تدفع المغامرين في الدول المجاورة -التي تعاني وجود حكومات ضعيفة أو فاشلة- إلى تغيير نظام الحكم بالقوة.

إن فشل انقلابات المرتزقة أو "وونغا" في أفريقيا يؤكد ضرورة احترام شعار: "حلول أفريقية للمشكلات الأفريقية". فالحلول المفروضة من الخارج -ولا سيما تلك التي تحركها دوافع خاصة- محكوم عليها دائما بالفشل.

ومع ذلك؛ فإن الخبرة الأفريقية تثبت عكس ذلك تماما حيث تتم مكافأة الحكام المستبدين. فقد أصبح أوبيانغ (رئيس غينيا الاستوائية) رئيسا لإحدى دورات الاتحاد الأفريقي، واستغل ثروات بلاده النفطية لشراء المكانة والنفوذ من خلال استضافة العديد من المؤتمرات الأفريقية.

ومما لا شك فيه أيضا أن الرئيس جامع سوف يستفيد من فشل هذه المحاولة الانقلابية لتعزيز أركان حكمه المستبد والترويج لقدراته الخارقة المزعومة.

وأيا كان الأمر؛ فإن دور العسكر في التغيير وكسر حدة الجمود السياسي وفشل الدولة أو انهيارها لا يزال حاسما في الخبرة الأفريقية. ويبدو أن طموحات الثروة والمكانة -التي دفعت بكثير من المغامرين الأجانب إلى التكالب على أفريقيا في العهد الإستعماري- قد عادت مرة أخرى لتشكل أحد مكونات المشهد الأفريقي الراهن.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك