يحيى اليحياوي

يحيى اليحياوي

كاتب وأكاديمي مغربي

يصادف تحرير هذه المقالة مرور ثلاث سنوات كاملة على وصول حزب العدالة والتنمية إلى السلطة بالمغرب، ليكون بذلك أول "حزب إسلامي" في تاريخ المغرب المعاصر يشكل الحكومة ويقودها، أو لنقل تدقيقا يشكل أغلبية أعضائها بحكم الطبيعة الائتلافية التي يفترضها التقطيع الانتخابي، وترتضيها الوثيقة الدستورية ضمنيا وبالتلميح.

لم يكن حزب العدالة والتنمية المغربي يحلم بالوصول إلى السلطة في المدى المنظور، على الأقل بالقياس إلى ما كانت ترتب له منظومة الدولة العميقة من توجهات لم تكن تستشرف -فما بالك أن تستحضر- معادلات ما أتت به رياح "الربيع العربي".

وعلى الرغم من أن الحزب قد ناهض بقوة انتفاضة تنسيقيات 20 فبراير (وهي "الصيغة المغربية" للحراك العربي)، فإنه قد أفاد كثيرا من تموجاتها، ليس فقط من زاوية الضغط غير المباشر على نظام سياسي أتته الاحتجاجات على حين غرة وفي غفلة كبيرة من استعلاماته، ولكن أيضا لظهوره بمظهر أنه قد غدا "التركيبة المثلى" في مناخ لا شعار من بين ظهرانيه هنا وهناك إلا شعار الإسلام السياسي والتنظيمات المتفرعة عنه، أو الملقحة بإبره.

ولذلك، فعندما فاز الحزب بالمرتبة الأولى في الانتخابات التشريعية (دون أن يمنحه ذلك الأغلبية الضرورية لتشكيل الحكومة بمفرده)، فإنه إنما اتكأ عل ناصيتين قويتين لم تكونا يوما إلى جانب من سبقه في السلطة أحزابا وتشكيلات سياسية:

1- الناصية الأولى تكمن في التصويت العقابي الذي استفاد الحزب كثيرا منه على حساب أحزاب حكمت، فاستتبع ذلك تلطخ أياديها -لعقود طويلة من الزمن- بالفساد وشيوع الريع والمحسوبية والرشوة والزبونية والاتكالية والإفلات من المحاسبة والعقاب.

ولهذا السبب، فعندما رفع الحزب -أثناء حملته الانتخابية، وفي معمعة "الربيع العربي"- شعار محاربة الفساد والمفسدين، صدقته الجماهير فساندته، ثم سارت في ركبه تبنيا وتصويتا بالصناديق حتى أوصلته لسدة السلطة.

2- أما الناصية الثانية فتتمثل في "احتماء" الحزب بدستور جديد -صيغ على عجل في حُمى "الربيع العربي" لامتصاص غضب شارع متفجر- للنفاذ إلى رئاسة الحكومة بصلاحيات "واسعة" لم يكن للملك أن يمنحها لذات الرئاسة في الظروف العادية، وقد كانت في السابق مثار تجاذبات كبرى بين الأحزاب والمؤسسة الملكية، ومع ذلك لم "تستسلم" هذه الأخيرة لضغوط المطالب وإلحاحية المطالبات.

بفضل هذين المعطيين إذن -أو لنقل تحديدا في سياقهما- وصل حزب العدالة والتنمية للسلطة، واستطاع في ظلهما أن يستمر فيها ثلاث سنوات طوال، وليس المجال هنا للتفصيل في مدى نجاحاتها وإخفاقاتها.

استطاع حزب العدالة والتنمية حقا أن يطوّع خطابه وشعاراته، ويضعها بـ"جرأة" على محك إكراهات السلطة والحكم. وقد يكون جانب الصحة كامنا أيضا في أن الحزب لم يرفع شعار القطيعة، بل عمد إلى الدفع بمبدأ الاستمرارية والاعتراف لمن سبقوه في السلطة ببعض الفضل

بيد أن الذي يتابع تموجات هذه السنوات الثلاث من الخارج (أعني من الغرب أو من المشرق العربي) غالبا ما يرى في "التجربة" عربون تعايش ناجح بين حزب "إسلامي" ونظام حكم لم يستلطف الإسلاميين كثيرا فيما مضى لاعتبارات شتى، لعل أحدها المزايدات التي ما فتئ الإسلاميون يرفعونها هنا وهناك حول مسألة إمارة المؤمنين.

ويذهب بعض هؤلاء إلى الاعتقاد بأن الإسلام المعتدل -الذي يدفع به حزب العدالة والتنمية- يمكن اعتباره نموذجا يحتذى به في المزاوجة بينه وبين أي نظام سياسي قائم، ما دامت العبرة بالواقعية والبراغماتية، وتغليب المصلحة العامة الواسعة على الإيديولوجيا الفئوية الضيقة.

لا، بل يذهب آخرون إلى اعتبار أن فشل رافعي لواء "الإسلام السياسي" في مصر وتونس (وإلى حد ما في جزائر التسعينيات، واليمن وليبيا اليوم) إنما مرده غياب ثقافة التعايش، والجنوح إلى منطق إعادة إنتاج ثقافة الاستبداد، وعدم تمثل قيم الواقعية والتدرجية في التفاعل مع الآخرين، كما في الفعل على أرض الواقع.

قد يكون كل هذا صحيحا أو به نسبة ما من الصحة، إذ استطاع حزب العدالة والتنمية حقا أن يطوّع خطابه وشعاراته، ويضعها بـ"جرأة" على محك إكراهات السلطة والحكم. وقد يكون جانب الصحة كامنا أيضا في أن الحزب لم يرفع شعار القطيعة، بل عمد إلى الدفع بمبدأ الاستمرارية والاعتراف لمن سبقوه في السلطة ببعض الفضل.

إلا أن الذي يبدو لنا أكثر أهمية من كل هذا إنما هو البحث عن سر "صمود" حزب العدالة والتنمية (بينما لم يستطعه آخرون بالجزائر ومصر وتونس، مع أخذ تباين السياقات بعين الاعتبار) في عوامل أخرى ربما لم تسعف جل "تجارب الربيع العربي":

1- العامل الأول هو أن النظام الملكي بالمغرب هو عضد الدولة ومرتكزها، لا بل هو قطب رحاها، وكل ما يأتي من أمامه أو من خلفه يشتغل في إطاره وينهل من معينه، ويعمل تحت إشرافه المباشر ويحتمي بمظلته عندما تتعقد الأمور أو يبلغ التجاذب بين الفاعلين مبلغه.

ولذلك، فإن حكومة حزب العدالة والتنمية لم ولن تستطيع أن تخرج قيد أنملة عن هذه القاعدة، شأنها في ذلك شأن باقي الحكومات السابقة، لا بل إنها لم تفتأ -طوال السنوات الثلاث الماضية- تعمل على تكريس هذه القاعدة، في سياق ما يسميه علماء الاجتماع السياسي بالمغرب "كسب ثقة القصر".

وهو أمر لا يتعذر كثيرا التحاجج بشأنه، إذ إن القرارات الإستراتيجية الكبرى (التي تحدد حاضر البلاد أو ترهن مستقبلها) إنما تتم بالتشاور مع "حكومة القصر"، أعني مستشاري الملك أو المكلفين بمهمات في الديوان الملكي، أو المشرفين على الجوانب التقنية لهذا الملف أو ذاك.

وفي صلب كل ذلك ومن أجل تثبيت "ثقة" البلاط في الحكومة، لم يفتأ رئيسها يقول سرا وعلانية إن "الملك هو رئيس الدولة" و"هو رئيسه المباشر"، وأنه -بهذا القرار أو ذاك- إنما "ينفذ توجيهات جلالة الملك".

من أجل تثبيت "ثقة" البلاط في الحكومة، لم يفتأ رئيسها يقول سرا وعلانية إن "الملك هو رئيس الدولة" و"هو رئيسه المباشر"، وأنه -بهذا القرار أو ذاك- إنما "ينفذ توجيهات جلالة الملك"

ليس الأمر مدعاة غرابة ولا مثار استغراب، إذ الدستور (والعرف أيضا) إنما ينص على المكانة المركزية للملك في المعمار المؤسساتي، لدرجة تنصيصه على أن مشاريع القوانين النابعة من الحكومة لا يمكن أن تحال على غرفتيْ البرلمان إلا بعدما يصادق عليها مجلس الوزراء الذي يرأسه الملك شخصيا.

ولهذا السبب، فإن رئيس الحكومة لا يخجل من التذكير بأن حزبه "لا يحكم المغرب، وإنما يقود حكومة ائتلافية في إطار الدولة المغربية التي يرأسها الملك محمد السادس".

لا بل إن من المستجدات أنه حينما صرح ضاحي خلفان مؤخرا بأن "الإخوان" هم "أجسام بغال وعقول عصافير" لم يتعرض لهجوم من رئيس الحكومة، بل أعلن هذا الأخير أن العلاقة بين المملكة المغربية والإمارات العربية هي علاقة "عاطفية وعائلية"، وسيعالجها الملك وفق متطلبات المصلحة.

كل هذا قد يكون من مجريات تدبير الشأن الجاري الذي يستوجب بالمغرب حالات توافق ما، من مواصفاتها إيجاد حل وسط في المتعذر والجوهري منها. لكن الذي وددنا الإشارة إليه مما سبق إنما هو تثبيت حقيقة أن الدولة بالمغرب (الدولة العميقة أقصد) لا تشتغل دائما بمنطق التوافقات -المروج له خطابة وفي الإعلام- بل بمنطق الإدماج، أي تلقيح الوافدين على المنظومة بما يضمن ولاءهم المطلق لها، وقبولهم الطوعي الاشتغال في ظلها دون تحفظ أو تردد، فما بالك بالحد الأدنى من الاستقلالية.

ولذلك، فإن سر "نجاح" حزب العدالة والتنمية في هذه الجزئية إنما تأتى له من قابليته للاندماج غير المشروط، وقبوله بقواعد لعبة حددتها الممارسة وضبطها العرف، قبل أن يحيل عليها النص الدستوري بهذا الشكل أو ذاك.

2- أما "السر" الثاني خلف "صمود" حكومة العدالة والتنمية -بينما تهاوت مثيلاتها بمصر وتونس أو تراجع نفوذها- فيكمن في نجاحها في ضمان استمرارية سياسات كان الحزب من المناهضين لها عندما كان في المعارضة، وبنى على النقيض منها البرنامج الانتخابي الذي حصد بمقتضاه المرتبة الأولى في مقاعد البرلمان.

لا يرمي التلميح هنا فقط إلى تراجع الحكومة عن شعار محاربة الفساد -برفعها لشعار "عفا الله عما سلف" بعدما بدا لها أن الفساد هو من القوة بحيث لا تمكن مجابهته فما بالك بمحاربته- بل أيضا إلى مهادنة أصحاب الممتلكات الكبرى، وعدم قدرتها على إخضاعهم "لضريبة الثروة" التي رفعها الحزب في خطاباته وحملاته الإعلامية مدخلا لإعادة توزيع الثروة، وإنصاف الشرائح الاجتماعية التي اكتوت لعقود طويلة بسياسات اقتصادية واجتماعية أغنت الغني بسخاء وأفقرت الفقير دون رحمة.

إننا نزعم هنا أن الذي تضرر أكثر -خلال ثلاث سنوات من "حكم" حزب العدالة والتنمية- إنما هو الطبقات الهشة والمتوسطة، حتى ليبدو الأمر للعامة كما لو أن هذه الحكومة قد أتت للإجهاز حقا وحقيقة على بعض ما كان يُعتبر -في ظل الحكومات "اليمينية" السابقة- مكاسب من شبه المستحيل الاقتراب منها.

إننا نزعم أن الذي تضرر أكثر -خلال ثلاث سنوات من "حكم" حزب العدالة والتنمية- إنما هو الطبقات الهشة والمتوسطة، حتى ليبدو الأمر للعامة كما لو أن هذه الحكومة قد أتت للإجهاز حقا وحقيقة على بعض ما كان يُعتبر -في ظل الحكومات "اليمينية" السابقة- مكاسب من شبه المستحيل الاقتراب منها

ولهذا السبب، فإننا نزعم أيضا أن حكومة العدالة والتنمية قد نجحت -وبامتياز لا يضاهى- في تنفيذ برامج التقويم الهيكلي، الذي أفرز في ثمانينيات القرن الماضي هزات اجتماعية كبرى نزل بموجبها الجيش إلى الشارع لفض الاحتجاجات بنيران الرشاشات تارة، وبخشونة المتابعات القضائية القاسية تارات أخرى:

أ- أول إجراء عملي كبير في تنفيذ برنامج المؤسسات المالية الدولية هو الاحتكام إلى "حقيقة الأسعار" في تحديد أثمان السلع والخدمات. وهو ما عملت به وعمدت إليه الحكومة من خلال تقويض منظومة المقاصة، التي كانت الدولة تلجأ إليها سابقا لضمان أسعار "مقدور عليها" من لدن الفئات الهشة.

لم يعد المواطن المغربي -بهذا الإجراء- وجها لوجه مع سوق جشع مضارباتي ومبني على ثقافة الريع، بل بات غير قادر على الإيفاء بالحد الأدنى من حاجياته الضرورية، وأولاها المأكل والمشرب والتنقل، لا سيما بعد رفع الدعم عن المحروقات.

صحيح أن مصاريف المقاصة كانت تذهب في الماضي -ودون وجه حق- لأصحاب المداخيل العليا ولفائدة شركات الأغذية والمشروبات فكان من المفروض الحد منها، لكن البدائل المقترحة (من قبيل المعونات المباشرة للفئات المعوزة) لم يتم تنفيذها لحد الساعة، بل من الوارد ألا يتم تنفيذها بالمرة.

ب- نفس الملاحظة يمكن إبداؤها بخصوص معضلة التشغيل، إذ تكتفي الحكومة بقولها -كما في أدبيات المنظمات الدولية- إنه ليس من صلاحياتها أن تخلق مناصب الشغل، لأن ذلك بمنظورها من "صلاحيات الاستثمار" وبالتالي من "صلاحيات سوق الشغل".

قد يكون التشخيص والتحليل المترتب عنه سليما، لكن من غير المسلم به -في لغة الاقتصاد الاجتماعي- أن يترك المرء وجها لوجه مع سوق غير مهيكل، وغير مقنن، ومرتكز على المحسوبية، ولا يعير اعتبارا للكفاءة والاستحقاق.

ج- الأمر ذاته يسري على عزم الحكومة رفع سن التقاعد ونسبة مساهمات الأفراد، حتى يتسنى لها بالتالي إصلاح منظومة التقاعد المهترئة والمشارفة على الإفلاس.

لا تتساءل الحكومة هنا عن السبب في إفلاس هذه الصناديق (ونعتبر أنها أفلست بسبب الفساد وسوء التسيير وغياب المحاسبة)، بقدر ما يهمها إصلاح اختلال باللجوء إلى خلق اختلال موازٍ له في القوة والمفعول.

هي كلها نماذج لتدابير موجعة بحق، لكن خاصيتها ونقطة قوتها أنها تفعل من داخل المنظومة وتحت غطائها، وليس من خارجها أو بموازاتها. ولهذا السبب استمرت حكومة "الإخوان" بالمغرب، وتهاوت بسرعة باقي التجارب الشبيهة.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك