مصباح الله عبد الباقي

مصباح الله عبد الباقي

​أكاديمي وكاتب أفغاني


تدخل مستمر
لماذا التلاعب؟
أضرار التدخل الأميركي

تدعي أميركا أنها تترك من ورائها دولة أفغانية ديمقراطية بعد تواجدها فيها لعقد ونصف من الزمن منذ دخولها إليها عام 2001، لكن الحقيقة المُرّة التي يعلمها القاصي والداني أنها أساءت للديمقراطية والعملية الانتخابية بصورة مستمرة أثناء وجودها في أفغانستان.

تدخل مستمر
والواقع أنها كانت سببا لفقد ثقة الشعب في العملية الانتخابية بسبب تدخلاتها المستمرة في نتائج جميع الانتخابات التي أجريت في هذه الفترة، وكان من أوضح أمثلة ذلك، تدخلها في نتائج الانتخابات الرئاسية التي أجريت عام 2009، فقد تحدث حامد كرزاي عن هذا التدخل أكثر من مرة بالتفصيل أمام وسائل الإعلام وفي مجلس الأعيان "لويا جركا" وتحت سقف البرلمان الأفغاني.

وجاء حديث الرجل بعد إلحاح الأميركيين عليه لتوقيع الاتفاقية الأمنية في العام الماضي، حيث تحدث في مجلس الأعيان الذي عقده لمناقشة الاتفاقية المذكورة بالتفصيل، وكان من أهم ما وضع من شروط لتوقيع الاتفاقية أن تتعهد أميركا بعدم التدخل في الانتخابات المقبلة.

التدخلات الأميركية المستمرة في نتائج جميع الانتخابات أفقدت الأفغانيين الثقة في العملية الانتخابية، ومن أوضح أمثلة ذلك تدخلها في نتائج الانتخابات الرئاسية التي أجريت عام 2009

وقال: إن أميركا تدخلت في الانتخابات الرئاسية الماضية، وحاولت التشكيك في شرعيتها، وكنت على رأس السلطة فلم تحدث من الاضطراب ما أرادته، لكن تخيلوا معي أن الانتخابات المقبلة لو لم يحسم أمرها في الجولة الأولى ولم تقبل نتائجها وأعلن كل واحد من المرشحَين فوزه فيها، وتكون فترة الحكومة الحالية منتهية، ولن تتولى الحكومة الجديدة زمام الأمور للخلاف بين المرشحين، في مثل هذه الظروف إلى أين ستتجه أفغانستان؟!

وأضاف: يبدو أن أميركا تخطط لذلك (كان هذا الكلام في مايو/أيار عام 2013) واستدل على ذلك بقوله لوفد أميركي (كان مشتملا على السفير الأميركي في كابل، والجنرال دونفورد قائد القوات الأميركية في أفغانستان) إن الانتخابات الرئاسية على وشك الإجراء، وإن الرئيس القادم سيوقع هذه الاتفاقية، فكان جواب الوفد المذكور أن نتائج الانتخابات يمكن ألا تحسم في الجولة الأولى، ويمكن أن تتأخر نتائج الجولة الثانية لخمسة أو ستة شهور أخرى.

يؤكد كرزاي: بمجرد ما قالوا لي هذا الكلام تنبهت إلى ما فعلوا في الانتخابات الرئاسية السابقة، ويبدو أنهم يريدون أن يتلاعبوا في الانتخابات المقبلة كما فعلوا في تلك الانتخابات، (وكان ظن حامد كرزاي في محله على ما يبدو من الظروف التي تلت الانتخابات الحالية) ومن هنا طالب كرزاي في خطابه ذلك أن يضمن المجتمع الدولي الانتخابات النزيهة وفي مواعيدها، لئلا يبقى مجال لأميركا للمساومة كما فعلت معه في الانتخابات الرئاسية الماضية.

وقد وصل تدخلهم في تلك الانتخابات إلى أن تم تهديد أعضاء المفوضية العليا للانتخابات في ذاك الوقت بعواقب وخيمة إن هم أعلنوا نتائج الانتخابات الرئاسية، وكانت المفوضية العليا للانتخابات في أفغانستان تضم أعضاء أجانب يتدخلون في النتائج حسب مصالحهم، ومع أنهم قد استبعدوا من عضويتها قبل إجراء الانتخابات الرئاسية الحالية، لكن أميركا مازالت تملك وسائل التأثير عليها والتدخل فيها.

لماذا التلاعب؟
لو أرادت أميركا أن تجبر الأطراف المختلفة على قبول نتائج الانتخابات الحالية لفعلت ذلك من غير عناء، كما حدث ذلك في الانتخابات الرئاسية الماضية، لكن أميركا لم تفعل ذلك في الانتخابات الحالية بل أرخت الحبل للطرفين لتجد وسيلة للمساومة معهما والوصول إلى أهدافها.

لكن السؤال الذي يطرح نفسه هنا هو: ما الهدف الذي تريده من افتعال هذه الأزمة؟ وللوصول إلى إجابة هذا السؤال يجب أن نلقي نظرة على العلاقات المتوترة بين الأميركيين وحامد كرزاي وخاصة في الفترة الرئاسية الأخيرة له.

فقد حاولت أميركا عدة مرات أن تملي عليه إرادتها لكنه رفض تلك الإملاءات في العديد من القضايا، منها إيجاد منصب تنفيذي إلى جانب منصب الرئيس على خلاف ما ينص عليه الدستور الأفغاني، حاولت ذلك عقب الانتخابات الرئاسية الماضية، وعرضت عليه المساعدة في كسب الجولة الأولى من الانتخابات، وحاولوا معه بكل الطرق، وساوموه لكنه لم يقبل ذلك.

ولما اشتد الخلاف مرة أخرى بين الإدارة الأميركية وبين حامد كرزاي حول توقيع الاتفاقية الأمنية في العام الماضي، حاولت أميركا بشتى الوسائل والطرق أن تجبره على توقيعها لكنها لم تنجح في ذلك، وكان السبب الوحيد في تمكن حامد كرزاي من الوقوف في وجه المطالب الأميركية عدم وجود مراكز متعددة للقوة داخل نظام الحكم.

قد يكون تشكيل حكومة ائتلافية وسيلة بيد أميركا للوصول إلى أهدافها، وقد يفتح لها طريق المساومة مع مراكز قوى مختلفة داخل الحكومة الأفغانية، لكن ستترتب عليه سلبيات خطيرة في المستقبل  بالنسبة نظام الحكم في أفغانستان

وللتخلص من هذه المشكلة، كان قرار الإدارة الأميركية إيجاد مراكز للقوة داخل نظام الحكومة في أفغانستان، ومن هنا كانت الأزمة الحالية، ولأجل إيجاد الأزمة لم تضغط أميركا على مختلف الأطراف للقبول بنتائج الجولة الثانية، وبدل اقتراح حل للأزمة يخدم مصالح الشعب الأفغاني، اقترح وزير الخارجية الأميركي جون كيري بمجرد وصوله إلى كابل تشكيل "حكومة وحدة وطنية" وبتعبير أدق (تشكيل حكومة ائتلافية) تتضمن منصبا تنفيذيا على غرار منصب رئيس الوزراء، وهو مسعى للأميركيين منذ نحو خمس سنوات مضت.

ومن هنا نستطيع أن نقرر بكل تأكيد أن الأزمة الحالية أوجدتها أميركا أو على الأقل استغلتها للوصول إلى هدفها، وقد استفادت الإدارة الأميركية للوصول إلى أهدافها في الأزمة الحالية من ضعف طرفي الصراع أمام المناصب والكراسي.

أضرار التدخل الأميركي
السؤال الذي يطرح نفسه هنا هو عن أضرار هذا التعامل على مستقبل العملية الانتخابية، وماذا سيترتب على ذلك من أضرار على مستقبل الديمقراطية في أفغانستان؟

نعم قد يكون تشكيل الحكومة الائتلافية وسيلة بيد أميركا للوصول إلى أهدافها، وقد يسهل لها الطريق للمساومة مع مراكز مختلفة للقوة داخل الحكومة الأفغانية، لكنه أمر تترتب عليه أمور أخرى غاية في الأهمية بالنسبة لمستقبل نظام الحكم في أفغانستان، من أهمها ما يلي:

1- نقض للدستور الأفغاني: رغم اتفاق وزير الخارجية الأميركي مع المرشحين على إيجاد منصب تنفيذي وتحويل حزمة من صلاحيات الرئيس الأفغاني إليه، وتعديل الدستور من أجل ذلك، فإنه يمثل نقضا صريحا للدستور الأفغاني، وتلاعبا واضحا بالنصوص الدستورية المعمول بها في البلد.

في الدول المحترمة يضبط الدستور الأوضاع، أما في الأوضاع التي نعيش فيها فيتم تعديل الوضع بناء على رغبة أميركية، أليس ذلك ضوءا أخضر للدكتاتوريين للتلاعب بالدستور وتعديل الأوضاع حسب رغباتهم مادامت تلك الرغبات تحافظ على المصالح الأميركية.

2- رفع ثقة الشعب عن العملية الانتخابية: لقد أدى هذا التلاعب الأميركي إلى رفع ثقة الشعب الأفغاني عن الانتخابات كوسيلة لاختيار القيادة، لأن نتائج الانتخابات في الدول الأخرى تعلن بعد التصويت مباشرة خلال يوم وليلة، والمرشح الخاسر يهنئ الفائز، وتنتهي القضية بتشكيل حكومة جديدة، تشكلها الجهة التي كسبت ثقة الشعب، أما في أفغانستان فالشعب ينتظر منذ شهور نتيجة الانتخابات من غير بارقة أمل تظهر في الأفق السياسي.

مع العلم أن الاتفاقية التي تم توقيعها بإملاءات أميركية قد ألغت العملية الانتخابية برمتها، لأن الانتخابات تجرى في الدول المحترمة لتشكيل الحكومة من قبل الجهة التي نجحت في كسب أصوات الأغلبية، وتكون الجهة الخاسرة في المعارضة، أما هنا فسيكون الطرفان -وفق الاتفاقية المذكورة- شركاء في الحكومة التي سموها "حكومة الوحدة الوطنية"، مع أن الانتخابات فقدت مصداقيتها بهذه الاتفاقية، لكن مهزلة عد الآراء وإبطالها مازالت مستمرة.

الآثار الآنية للتعامل الأميركي مع الانتخابات الأفغانية كانت سيئة جدا، فقد أدى لفرار رأس المال من أفغانستان كما أدى إلى توقف النشاط الاقتصادي والمالي منذ ظهور الأزمة الانتخابية الحالية، وقد تضرر بذلك الشعب الأفغاني كثيرا

3- ستدار الحكومة في الفترة المقبلة كشركة مساهمة: هذه الحكومة التي تم الاتفاق عليها بوساطة أميركية أو بالأحرى بطلب أميركي ستكون مثل شركة مساهمة ستوزع فيها الوزارات بين الأطراف المختلفة، وكل وزير سيكون تابعا للجهة التي عينته، ولن يشعر بضرورة تنفيذ برنامج الرئيس الأفغاني.

ومن هنا، لن يتمكن الرئيس الأفغاني المقبل من تطبيق برنامجه الانتخابي، وهذه حالة عانى منها الشعب الأفغاني كثيرا في فترة الرئيس حامد كرزاي، لأن الجهات المؤثرة كانت ترتكب كل أنواع الفساد والاختلاس، والاستيلاء على ممتلكات الدولة والعامة، وكان الرئيس عاجزا عن محاسبتهم، لأنهم كانوا شركاءه في الحكم، إلى جانب ذلك لم تتمكن الحكومة من القيام بمسؤولياتها تجاه الشعب في مجال التنمية والتقدم لنفس السبب.

وإذا شكلت هذه الحكومة التي سميت بحكومة الوحدة الوطنية سيستمر الحال على ما هو عليه، بل سيكون أسوأ مما كان، مع أن الشعب الأفغاني كان يتوقع تغييرا إيجابيا بعد الانتخابات.

4- ستجد أميركا وسيلة لممارسة الضغط على مثل هذه الحكومة للخضوع لمطالبها، لأنها تكون مشكلة من أطراف مختلفة، ستقرب طرفا للضغط على طرف آخر وإخضاعه لمطالبها، وهذا أهم ما تقصده أميركا من هذه الوساطة، وإنهاء المشكلة بهذه الصورة.

5- وأما الآثار الآنية لهذا التعامل الأميركي مع الانتخابات الأفغانية فكانت سيئة جدا، لأنه أدى إلى فرار رأس المال من أفغانستان كما أدى إلى توقف النشاط الاقتصادي والمالي منذ ظهور الأزمة الانتخابية الحالية، وقد تضرر بذلك الشعب الأفغاني كثيرا.

يظهر جليا مما سبق أن كل الادعاءات التي تدعيها أميركا بخصوص استقرار النظام والديمقراطية في أفغانستان لا تمت إلى الواقع بصلة، وأن أميركا بنفسها هي السبب في ذلك، لأنه لا تهمها إلا مصالحها، وإن أدى ذلك إلى التخلي عن مبادئها وما تدعيه، أو أدى إلى ضياع مصالح الشعوب الأخرى.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك