جاء انعقاد عقد مؤتمر قمة حلف شمال الأطلسي الأخيرة في ظل متغيرات دولية مقلقة: انهيار ترتيبات ما بعد الحرب الباردة مع روسيا، توترات وأزمات في أكثر من منطقة، مع تشكّل تحالفات وتوازنات قوى جديدة تستدعي وضع إستراتيجية عسكرية جديدة بعد أن تآكلت الإستراتيجية السابقة وترهلت دول الحلف بسبب مشكلاتها المالية والاقتصادية، وأحجم الجناح الأوروبي عن رصد موازنات كبيرة للشؤون العسكرية.

فهل ينجح الحلف في مواجهة هذه الأخطار؟
كانت سياسة الولايات المتحدة إزاء الأطلسي ومستقبله أيام الرئيس السابق جورج بوش الابن تنطلق من تصور مبني على ضرورة الوجود العسكري المباشر في عدد من الأقاليم حول العالم خاصة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى ومحيط البحر الأسود بهدف السيطرة على التغيرات الإقليمية السياسية والاقتصادية والتحكم بالخريطة الجيوسياسية في هذه الأقاليم ما جعل هدف توسيع الحلف يحتل موقعا مركزيا في هذه الخطة.

لم يستمر حلف الأطلسي بعد نهاية الحرب الباردة ويوسع ساحة عمله فقط بل واندفع بتوسيع عضويته بضم دول أوروبا الشرقية، مستغلا ضعف روسيا وارتباكها ودخولها في حالة انعدام وزن خلال فترة يلتسين

وقد أطلقت لتحقيق ذلك مجموعة تكتيكات وفعاليات بهدف وضع دول الحلف أمام الأمر الواقع مثل برنامج "الشراكة من أجل السلام"، الذي ينطوي على تدريبات عسكرية مشتركة ضد الإرهاب، والذي يعتبر شكلا من أشكال توسيع الحلف، ووضع نظام إنذار مبكر للحلف للكشف المبكر عن الأزمات، بحيث يتيح إدارة هذه الأزمات دون الحاجة إلى التدخل، أو قبل التدخل العسكري، والحوار المتوسطي حول المبادرة من أجل مكافحة الإرهاب وانتشار أسلحة الدمار الشامل مع دول المتوسط (مصر والمغرب) وتعزيز التعاون العملي معها في مكافحة الإرهاب في إطار خطة اكتيف انديفور، ونشر منصات للصواريخ المضادة للصواريخ وملحقاتها (الرادارات ونظم الحماية والرقابة) في عدد من دول الحلف (بولندا، والتشيك، وتركيا) كجزء من مشروع أوسع مدى لإقامة درع صاروخي عالمي متكامل في أوروبا من دون التشاور مع دول الحلف.

كل هذا في إطار ما أسماه الرئيس الأميركي السابق جورج بوش الابن في قمة ريغا عام 2007 بـ"الشراكة الكونية". وقد ترافق ذلك مع إحراز تقدم كبير في مجال الدفاعات الإستراتيجية خلال العقود الأربعة الأخيرة، معظمها تم في مختبر "لورانس ليفرمور" الوطني في جامعة كاليفورنيا، سواء تعلق الأمر بصواريخ أرض جو البالستية المضادة، أو بأسلحة شعاع الجسيمات، أو بمركبات تتبع توجيه الرادار، أو "الريلغان" (مطلق قذائف كهرومغناطيسي) ذي السرعة الفائقة، أو بأشعة الليزر، أو بمركبات قتل الحركية التي تعمل بالأشعة تحت الحمراء، أو غيرها من النظم المتطورة.

لم يستمر حلف الأطلسي بعد نهاية الحرب الباردة ويوسع ساحة عمله فقط بل واندفع بتوسيع عضويته بضم دول أوروبا الشرقية، حيث ضم أحد عشر بلدا من بلدان أوروبا الشرقية، بما فيها بولندا وبلدان البلطيق الثلاثة: لاتفيا وإستونيا وليتوانيا، مستغلا ضعف روسيا وارتباكها ودخولها في حالة انعدام وزن خلال فترة حكم يلتسين.

وقد جاء نشر أجزاء من الدرع الصاروخي في التشيك ورومانيا وتركيا، وأجزاء أخرى متحركة على ظهر ناقلات في دول البلطيق ليثير مخاوف روسيا، لأنه يمنح أميركا فرصة توجيه الضربة الأولى ويشل قدرة روسيا على الرد. ففي ذهن الروس مقولة هنري كيسنجر "روسيا ما زالت كبيرة لذا فهي خطيرة".

تحفظت روسيا على عمليات التوسع لتعارضها مع التفاهم الذي تم بين الغرب والاتحاد السوفياتي خلال مفاوضات توحيد ألمانيا، لكن موسكو -مع التصريحات الرسمية الروسية الحادة التي ترفض توسّع الحلف- رضخت ووقعت معه في عام 1997، عهد الرئيس يلتسين، "ميثاق باريس" الذي فتح الباب أمام انضمام بولندا والتشيك والمجر إلى صفوفه كدفعة أولى.

وبعد ذلك، وفي عهد الرئيس بوتين، تم التوقيع على "إعلان روما" في 2002، الذي جرى بموجبه تأسيس مجلس "روسيا-الأطلسي" ومواصلة الحلف ضم المزيد من دول شرق أوروبا. لقد تقبل القادة الروس عمليات التوسّع حتى أن بوتين عندما وصل إلى السلطة تحدث عن احتمال انضمام روسيا ذاتها إلى الحلف.

مع رئاسة بوتين الثالثة تبنت روسيا -مدفوعة بنزوع قومي روسي لإعادة الاعتبار لروسيا والثأر من مرحلة الضعف والاحتقار الغربي- رؤية قائمة على قوة الدولة وضمان ولاء الكنيسة الأرثوذكسية والتمسك بالقيم الثقافية العريقة، وإستراتيجية هجومية بهدف فرض هيبتها ودورها الإقليمي والدولي، وعملت على تعزيز الوجود العسكري الروسي في الساحة السوفياتية السابقة من خلال قواعد عسكرية في طاجيكستان وقرغيزستان وروسيا البيضاء وأوكرانيا وأبخازيا وأوسيتيا الجنوبية وأرمينيا، ومن خلال تقوية منظمة معاهدة الأمن الجماعي، التي تضم حاليا ست دول، هي روسيا وروسيا البيضاء وكازاخستان وقرغيزستان وطاجيكستان وأرمينيا.

لقد ارتكبت روسيا بضمها جزيرة القرم وتدخلها في شرق أوكرانيا، ناهيك عن دورها في سوريا خطأ نسف ادعاءها -تبريرا لموقفها في سوريا- بتمسكها بسيادة الدول ورفض التدخل في شؤونها الداخلية والحفاظ على وحدة أراضيها

ووضعت عام 2010 عقيدة عسكرية جديدة تسمح للقيادة الروسية باستخدام القوة النووية دفاعا عن البلاد لمواجهة تمدد الأطلسي باتجاه حدودها واحتواء تبعات نشر الدرع الصاروخي في عدد من دوله، ودعت إلى تشكيل اتحاد جمركي يضم دول الاتحاد السوفياتي السابق تحت اسم الاتحاد الأوراسي، كإطار مواز ومنافس للاتحاد الأوروبي، يمثل برأيها عالما بديلا قائما على رفض القيم الغربية، ومبنيا على تصور لا يسمح لأية دولة فيه أن تصوغ سياساتها وتحدد أطر مستقبلها بشكل منفرد، ويقع تحت السيطرة الروسية الكاملة، وأطلقت مستفيدة من تحسن سعر النفط والغاز -الذي مكنها من تجاوز حالة العجز التجاري والمالي وحوّلها إلى وضع إيجابي مع احتياطي نقدي كبير سمح برفع الموازنة العسكرية- برامج اقتصادية وعسكرية لإعادة التوازن لوضعها الداخلي وزيادة قدرتها على التحرك الإقليمي والدولي.

وهذا أجج الخلافات مع الغرب بعامة وأميركا بخاصة، وقد جاءت تحولات الربيع العربي والتصرف الغربي في ليبيا،، وانفجار الثورة السورية على الضد من هوى موسكو لتزيد في سخونة المواجهة، في ضوء خشيتها من فقدان آخر معاقلها في المتوسط، فتبنت موقفا منحازا للنظام السوري في محاولة لتحقيق هدفين، الأول حماية مصالحها ووجودها في المتوسط (قاعدة طرطوس)، والثاني الانتقام من حرمانها من الكعكة الليبية.

لقد ارتكبت روسيا بضمها جزيرة القرم وتدخلها في شرق أوكرانيا، ناهيك عن دورها في سوريا خطأ نسف ادعاءها -تبريرا لموقفها في سوريا- بتمسكها بسيادة الدول ورفض التدخل في شؤونها الداخلية والحفاظ على وحدة أراضيها، خاصة وأنها بفعلتها قد خرقت تعهدا روسيا أميركيا بريطانيا لأوكرانيا وقّع عام 1994 يتضمن حماية استقلالها ووحدة أراضيها مقابل تخليها عن الأسلحة النووية السوفياتية المنشورة على أراضيها، وعزلت نفسها دوليا.

تزامن هذا التحرك مع إدارة أميركية تبنت لاعتبارات داخلية (الرفض الشعبي للحروب الخارجية بسبب الضحايا والتكلفة المالية العالية حيث قُدر إجمالي خسائر الحرب في أفغانستان والعراق بثمانية تريليونات، خلل مالي، مشكلات اقتصادية: بطالة، تضخم، تآكل البنى التحتية) خيار الحد من التدخل الخارجي، والتعاون والعمل المشترك لمواجهة المشكلات والعمل على تحقيق المصالح بطرق أقل تكلفة ماديا وبشريا، ما منح التحرك الروسي فرصة تسجيل نقاط تفّوق ظاهرية.

وهو الأمر الذي عزز من اندفاع بوتين ورفع من أسهمه الداخلية والدولية، ودفعه إلى الرفع من نبرة التحدي والتوسع في عرض العضلات، واستخدام القوة ضد خصومه الداخليين والخارجيين في جورجيا وأوكرانيا، وقد أغراه غياب الرد المباشر بالعمل على تحقيق نصر على الغرب في أوكرانيا عبر دعم الانفصاليين وتشجيعهم على طلب الانفصال، وفي سوريا عبر دعم النظام السوري بأسباب البقاء وتغطيته إعلاميا وحمايته سياسيا، والمبادرة لدعم حكومة المالكي عسكريا في مواجهتها مع داعش.

شكل التحرك الروسي تحديا ليس لحلف الأطلسي فقط بل وللولايات المتحدة التي ظنت أنها قد تخلصت من الدور الروسي وقيدت حركته بترتيبات نهاية الحرب الباردة.

لذا كانت قضية التحدي الروسية ومواجهة تدخله في أوكرانيا على رأس أولويات قمة الأطلسي في نيوبورت الويلزية بالإضافة إلى الوضع في العراق وسوريا في ضوء إقامة دولة الخلافة والممارسات الإرهابية التي ينفذها داعش ضد المختلفين دينيا ومذهبيا وسياسيا.

لقد ناقش قادة الأطلسي هذه القضايا بروح هجومية، ووضُعت تصورات لمواجهتها عبر تشكيل قوة تدخل سريع، وصفها راسموسن برأس الحربة، تكون جاهزة للتحرك لنجدة أي دولة من دول الحلف تتعرض لاعتداء خارجي خلال أيام، وإقامة قواعد شبه ثابتة في دول شرق أوروبا (خمس قواعد عسكرية في لاتفيا وليتوانيا وإستونيا ورومانيا وبولندا، ونشر نحو أربعة آلاف عسكري فيها بالإضافة إلى إنشاء صندوق لدعم أوكرانيا عسكريا ورفع كفاءة جيشها، مواصلة الضغط الاقتصادي على روسيا وفرض عقوبات اقتصادية جديدة).

تشكل التحركات الروسية الجديدة تحديا ليس لحلف الأطلسي فقط بل وللولايات المتحدة التي ظنت أنها قد تخلصت من الدور الروسي وقيدت حركته بترتيبات نهاية الحرب الباردة

كما اتفقوا على تشكيل تحالف دولي للتصدي لتنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، تشكلت نواته الأطلسية من دول الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وفرنسا وألمانيا وإيطاليا والدانمارك وبولندا وكندا وأستراليا وتركيا بالإضافة لدول عربية (استبعدت إيران والنظام السوري من التحالف).

وأعلنت الولايات المتحدة تأسيس فريق عمل دولي لتبادل المعلومات والاستخبارات حول المقاتلين الأجانب المتجهين إلى سوريا ومن سوريا إلى العراق. وقد وصف كيري وهيغل المقاتلين الأجانب بأنهم "يمثلون تهديدا شديدا لحلفاء الأطلسي". وشدد الاجتماع أيضا على منع شراء أي منتجات نفطية من تنظيم داعش ومحاسبة من يخترق الحظر الدولي على المتاجرة بتلك المنتجات النفطية.

أُدرك الكرملين مدى خطورة خطة الحلف تكبير قوة التدخل السريع على الأمن القومي الروسي، ومحاولات محاصرة روسيا وتطويقها بقواعد عسكرية أطلسية أميركية لتغيير الوضع الجيوسياسي لها وحولها، ودفعه ذلك إلى الإعلان عن تعديل في العقيدة العسكرية أساسه إعادة تأكيد رفض توسع الحلف في اتجاه الحدود الروسية وزيادة وجوده العسكري في أوروبا الشرقية، ورفض نشر الدرع الصاروخية، وحق روسيا في استخدام درعها النووية، ورفض انضمام أوكرانيا إلى الحلف، واعتماد سياسة إحلال الواردات في المجالين العسكري والمدني، وهو ما يعني زيادة النفقات العسكرية، بأكثر مما هو مخطط له، لموازنة النفقات العسكرية لحلف الأطلسي والولايات المتحدة الأميركية.

وسينعكس هذا سلبا على روسيا بسبب التكلفة المادية التي ستترتب على العقوبات الاقتصادية وعلى الدخول في سباق تسلح في ظل اقتصاد هش يعاني من نقطة ضعف بنيوية ثابتة وهي اعتماده على تصدير النفط والغاز.

تنذر هذه المعطيات بتوترات ومواجهات عنيفة تستمر لسنوات تتوقف نتيجتها على مدى انخراط الجناح الأوروبي، وخاصة استعداد ألمانيا للعب دور قيادي على الصعيد الأوروبي، بما في ذلك القضايا الأمنية، ومستوى المشاركة العربية في الحملة على داعش، وقيام القوى المحلية في سوريا والعراق بالجهد الرئيس في قتال التنظيم المتشدد.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك