زياد منى

زياد منى

كاتب فلسطيني


ثمة دروس كثيرة وجب استيعابها وتعلمها من العدوان الصهيوني على الأرض الفلسطينية المحررة، أي ما يطلق عليه "قطاع غزة"، وعلى القائمين على شؤون إدارة الصراع مع العدو وحتى المنخرطين في مساومات لا نهاية لها على القضية وحقوقنا في وطننا، التأمل كثيرا في تفاصيل تلك المواجهة الكبرى.


ونود هنا إثارة وعرض بعض الملاحظات التي وجب لفت الانتباه إليها:

نتائج خيار المواجهة العسكرية منذ معركة الكرامة عام 1968 وحتى تحرير جنوبي لبنان والتصدي لعدوانه، رغم فداحة الأثمان، توضح أنه الطريق الصحيح للوصول إلى حقوقنا في وطننا، إذا ما قارناها بنتائج خيار التنازلات واللهاث خلف وهم "التسوية العادلة والشاملة" المستمر منذ أربعين عاما، أي منذ إقرار القيادة الفلسطينية ما يسمى "البرنامج المرحلي"، وربما وجب القول: منذ لاءات الخرطوم الثلاثة التي ثبت أنها ليست نعم واحدة، ولا "نعمين" وإنما ثلاث "نعم".

نود الآن التوقف عند ملاحظة رئيسية تتعلق بالدمار الهائل الذي ألحقه قصف العدو للمناطق السكنية المدنية على مختلف مناطق القطاع، وعلى حي الشجاعية على نحو خاص.

الصهيونية فكر وحركة عدوانية ترتكز إلى فكر أسطوري عنصري وتاريخ وهمي جعل من أتباعها يعانون أمراضا نفسية كثيرة منها عُقدتا النقص والتفوق في آن

نعم، الصهيونية فكر وحركة عدوانية ترتكز إلى فكر أسطوري عنصري وتاريخ وهمي جعل من أتباعها يعانون أمراضا نفسية كثيرة منها عُقدتا النقص والتفوق في آن، والذي يعني -ضمن أمور أخرى- حالة انفصام الشخصية والأخطار الكبرى التي تنتج ممن يعاني ذلك.

نعم، العدو لا يقيم وزنا لحياة الآخرين، وحياته قائمة على خيار "الغير لا يعرف سوى منطق القوة" والذي يعني أيضا أنه هو لا يفهم سوى منطق القوة أو لغتها. في ظننا هذا يشرح جزئيا لجوء العدو إلى خيار التدمير الشامل لمناطق سكنية، وإذا كان هذا الأمر لا تأثير له في سير المعارك عسكريا، فما الذي يدفع العدو لهذا السلوك الإجرامي والجنوني؟

ثمة غربيون، علماء تاريخ وعلماء نفسيون، بحثوا موضوع قصف المدنيين في الحروب تاريخيا وكتبوا عنه في محاولة لفهم أسباب لجوء طرف ما في الحرب لقتل جماعي لمدنيين لا يؤثر وجودهم من عدمه في مسار المعركة. لم يعد أولئك العلماء كثيرا إلى عمق التاريخ واكتفوا بمآسي الحرب العالمية الأولى.

سنعود إلى هذا لكننا سنبحث أكثر في عمق التاريخ ونعود إلى العصر الإغريقي، أي إلى عصر الإسكندر المقدوني وحروبه في المشرق. اخترنا العودة إلى هذا التاريخ بسبب الاحتفاء به كشخصية غير عادية كانت تمتلك أحلام توحيد العالم... إلخ، ولكن من المعروف أن الإسكندر المقدوني كان "يعاقب" المدن التي لم ترضخ له، وحتى تلك التي استسلمت أو هُزمت. فإحراقه صور، التي كانت مدينة بمثابة جزيرة في ذلك الوقت، بعد إسقاطها لقواته، وسبي أهلها على نحو همجي، يتناقض مع الادعاء بعالميته... إلخ.

وقد فعل الإسكندر المقدوني الأمر ذاته مع العاصمة الفارسية فارس التي تعرف حاليا باسم "تختي جمشيد، جهل منار" التي أمر بإحراقها وقتل أهلها بعد انتصار قواته على عدوه بعيدا منها.

من الممكن أن لا يقبل البعض محاكمة الإسكندر بمقاييس عصرية، لكننا نقيس أفعاله تلك بمقاييس ذلك الزمن ومن الممكن الاستعانة بسياسة الإمبراطورية الرومانية التي لم تكن بتلك الوحشية في هذا المجال.

ليست لدينا أمثلة كثيرة من العالم القديم والوسيط، ربما باستثناء المغول بقيادة هولاكو ومن ثم تيمور لينك اللذين كانا يدمران بهدف المتعة أو وسيلة من وسائل الحياة.

إذا نظرنا إلى الحرب العالمية الأولى ووحشيتها -ولا توجد حروب غير وحشية، وإنما الفرق يكمن في المدى- نجد أن البريطانيين استعملوا غاز الخردل السام في العراق ضد المقاومين العراقيين والمدنيين مما أدى إلى مجازر هائلة غير مسبوقة بحق بشر ليس لحياتهم أو قتلهم أي تأثير في مسار المعارك.

بالنظر إلى التجربة التاريخية، يتضح أن سياسة قصف العدو من الجو لإجباره على الاستسلام لم تفعل فعلها. بل العكس هو ما حصل، أي إن السكان الذين تعرضوا للقصف الإرهابي المبرمج التفوا حول قياداتهم، حتى لو لم تكن محبوبة

لجأت بريطانيا لهذا النوع من القصف الشامل أيضا في الحرب العالمية الثانية بحق المدن الألمانية وأشهرها على الإطلاق تدمير أجمل مدن أوروبا في ذلك الحين، أي مدينة درسدن التي مسح سلاحها الجوي نحو 80% منها، ما أدى إلى سقوط نحو نصف مليون ضحية مدنية.

المشكلة هنا تكمن في أن تدمير المدينة على رؤوس سكانها، الذي وقع في شهر فبراير/شباط 1945 لم يؤثر في نتائج الحرب التي كانت قد أوشكت على الانتهاء في كافة الأحوال بعد أقل من شهرين باستسلام برلين غير المشروط.

ألمانيا النازية استعملت أسلوب قصف السكان المدنيين لإرهاب العدو وإجباره على التنازل، فعلت ذلك بحق مدن برمنغهام وكفنتري ولندن، وفعلت الأمر ذاته بحق وسط مدينة رتردام في هولندا التي كانت على وشك الهزيمة.

وكذلك فعلت الولايات المتحدة الأميركية ضد اليابان عندما استعملت القنابل الذرية ضد مدينتي هيروشيما وناغازاكي مع أن الأخيرة كانت على وشك الاستسلام للقوات الأميركية استباقا لغزو سوفياتي محتمل.

اليابان فعلت الأمر ذاته بحق مدن صينية أشهرها شنغهاي، في ثلاثينيات القرن الماضي عندما أخفقت قواتها في هزيمة قوات تشانغ كاي تشيك.

القصف الإستراتيجي يدخل ضمن إطار الحرب الشاملة، ويعني أن كل فرد من أفراد العدو، طفلا كان أو عاجزا، قويا أو ضعيفا يعد طرفا في الحرب ولذا من المشروع التخلص منه بأي وسيلة كانت، وقد عاودت واشنطن استخدام هذا الأسلوب في فيتنام عندما هدد الرئيس الأميركي نكسن بإعادة فيتنام الشمالية إلى العصر الحجري عبر الغارات الجوية.

وزير خارجية إسرائيل، ليبرمان، طالب بالاتعاظ من سياسة الولايات المتحدة الأميركية أثناء الحرب العالمية الثانية وقصف الأراضي الفلسطينية المحررة من الجو، وعدم إدخال قوات مشاة إلى المعركة بسبب التكلفة المتوقعة. ولا شك أنه عنى خبرة واشنطن في هيروشيما وناغازاكي.

على أي حال، بالنظر إلى التجربة التاريخية، يتضح أن سياسة قصف العدو من الجو لإجباره على الاستسلام لم تفعل فعلها. بل العكس هو ما حصل، أي إن السكان الذين تعرضوا للقصف الإرهابي المبرمج التفوا حول قياداتهم، حتى لو لم يكونوا محبوبين، آملين في أن توفر لهم الحد الأدنى من الحماية.

القصف الإسرائيلي الجوي والبري والبحري الجنوني للأرض الفلسطينية المحررة لم يجبر المقاومة على الاستسلام، لا في هذا العدوان ولا في ما سبقه من اعتداءات، والأمر ذاته كان قد حصل في لبنان، وتجلى في عدوان عام 2006. هذا أمر يعرفه قادة العدو، السياسيون منهم والعسكريون، ويعرفه قادة كل الدول التي لجأت إلى هذا الأمر الإجرامي.

ولذلك تساءل المحللون عن سبب استمرار أطراف في استعمال هذا الإرهاب رغم عدم تأثيره في مسار الحرب؟

الإجابة لخصوها في أن المسألة مرتبطة بالمعنويات، لكن تلك العائدة إلى الطرف المهاجِم. فإزاء عدم تمكن المهاجِمِين من الانتصار في معركة و"عناد" المقاومين، يحاول الطرف الأول رفع معنويات "شعبه" بأنه يفعل كل ما في وسعه لإجبار العدو على الاستسلام.

واشنطن أدركت مبكرا فقدان إسرائيل طبيعتها الردعية وأنه ولى زمن انتصاراتها العسكرية الوهمية والحقيقية، وتجلى ذلك على نحو واضح ومبكر إبان عدوان 2006 على لبنان، وتأكدت من الأمر في غزة

هذا تحديدا أحد الأسباب الرئيسة للجوء القوات الإسرائيلية إلى تدمير شامل في القطاع، وليس فقط في حي الشجاعية الذي تعرض لدمار شامل يندرج تحت عنوان جرائم الحرب. التدمير الممنهج للمناطق السكنية لم يؤثر لا في رفع معنوياته ولا في قرار المقاومين الفلسطينيين على الاستمرار في المقاومة، ولا رفع من معنويات العرب الصهاينة الذين صمتوا عن العدوان والذين أصابتهم تلك المقاومة الكفوءة إضافة إلى الحرج أمام شعوبهم، بالذهول، كما أصابت تل أبيب.

واشنطن أدركت مبكرا فقدان إسرائيل طبيعتها الردعية وأنه ولى زمن انتصاراتها العسكرية الوهمية والحقيقية، وتجلى ذلك على نحو واضح ومبكر إبان عدوان 2006 على لبنان، وتأكدت من الأمر بعد أيام قليلة من بدء عدوان الواحد والخمسين يوميا على الأراضي الفلسطينية المحررة فوافقت على وقف إطلاق النار.

رؤوس حامية في تل أبيب لم تقبل الاعتراف بالأمر ما استدعى إرسال أوباما ممثله الشخصي جون آلان حاملا أمر واشنطن لتل أبيب بوقف العدوان، وهذا ما يشرح الشكاوى واللغط الذي انتشر في إسرائيل بعد إعلان موافقة نتنياهو منفردا على وقف الحرب بعدما كان رفض الأمر قبل ذلك بسويعات، وهو ما أثار حفيظة حلفائه في الحكومة الذين شكوا من أنه لم يستشر أحدا منهم.

ليس بإمكان أي من الأطراف المشاركة البوح بأمر واشنطن لتل أبيب، لكن ما أثار عجبنا هو تجاهل الصحافة العربية، والعالمية، لأسرار زيارة جون آلان تلك ونتائجها.

هذا وغيره من الأمور علينا أخذها في الاعتبار عند تقويم هذه المرحلة من المواجهة إذا رغبنا حقا في تحرير وطننا، وهذا موضوع مختلف سنعود إليه مستقبلا.

المصدر : الجزيرة