عبد الستار قاسم

عبد الستار قاسم

كاتب وأكاديمي فلسطيني


النظرية الأمنية الإسرائيلية
انهيار أركان النظرية الأمنية
حرب 2014

في الرابع عشر من أغسطس/آب من عام 2006 توقفت الحرب الصهيونية على لبنان، ولم توقفها إسرائيل منّة أو صدقة، لكنها فوجئت بحجم الخسائر التي منيت بها، وفوجئت بالقدرات التكتيكية العسكرية لدى حزب الله. أيقنت إسرائيل أن حربها تلك لم تكن نزهة، وأن إمكانية إحراز نصر غير واردة، فلملمت جنودها وما تبقى من دباباتها ووافقت على وقف إطلاق النار.

ثم تتالى الخذلان الإسرائيلي عام 2008/2009 في الحرب على غزة، وتكرر في غزة أيضا عام 2012، وها هو يتكرر الآن في يوليو/تموز وأغسطس/آب 2014. إسرائيل العسكرية لم تعد كما كانت، ومعاركها السهلة الميسرة لن تعود، انقلبت الأمور بالنسبة لإسرائيل، وأصبح الفشل عنوان مغامراتها العسكرية.

اختطت إسرائيل لنفسها منذ عام 1948 نظرية أمنية، وعملت على تطبيقها، وحققت وفقها الكثير من الإنجازات العسكرية، وألحقت بالعرب عددا من الهزائم أدت في النهاية إلى خضوع أغلب العرب لها، وتطبيع العلاقات معها، وإقامة علاقات دبلوماسية وتجارية واقتصادية معها. ووصل الحد ببعض العرب إلى التعاون الأمني معها ومن ضمنهم فلسطينيون.

اعترف الفلسطينيون بإسرائيل وارتضوا بالتطبيع والتنسيق الأمني معها، لكن معارك إسرائيل ضد المقاومة العربية سواء في جنوب لبنان أو جنوب فلسطين تلقي ظلالا ثقيلة على نظرية الأمن الإسرائيلية بحيث أنها غدت بلا جدوى، ومدمرة الأركان والأسس.

النظرية الأمنية الإسرائيلية
قامت النظرية الأمنية الإسرائيلية على عدد من القواعد والأسس ويمكن إجمالها بالتالي:

تتالى الخذلان الإسرائيلي -بعد حرب لبنان- في الحرب على غزة. إسرائيل العسكرية لم تعد كما كانت، ومعاركها السهلة الميسرة لن تعود، انقلبت الأمور بالنسبة لإسرائيل، وأصبح الفشل عنوان مغامراتها العسكرية

أولا: اعتمدت إسرائيل منذ البدء سياسة الاعتماد على الذات انطلاقا من أبعاد عقائدية وفكرية يهودية واردة في التوراة، وانطلاقا من تجربة اليهود التاريخية بخاصة في أوروبا وما ميزها من اضطهاد وملاحقة. تعتبر التوراة اليهود شعب الله المقدس والمختار، والذي لا يجوز له أن يتعايش مع الآخرين الغرباء وغير المقدسين أو يختلط بهم لأن في ذلك ما يمس بقدسيتهم.

ومختلف تعاليم التوراة التي بين أيدي اليهود الآن حول هذا الموضوع توصي بألا يعتمدوا على الآخرين أو يصاهروهم أو يقيموا علاقات اعتيادية معهم. وربما هذا ما يدفعهم باستمرار إلى الانعزال والانغلاق والنظر بتعالي وبصورة فوقية إلى الآخرين الذين يكرههم الرب، والذين هم الشعوب الأخرى.

أما التجربة التاريخية، فيرى حكماء صهيون ومثقفوهم وكتابهم أنهم لاقوا الاضطهاد والقتل والدمار على أيدي الغرباء، والاعتماد عليهم في النهاية يورث الفشل ويجلب المصائب.

ولهذا عملت إسرائيل منذ عام 1948 على الاعتماد على نفسها في مختلف المجالات الاقتصادية والعلمية والسياسية والعسكرية والأمنية... إلخ. أسست الحركة الصهيونية للانطلاق العلمي على اعتبار أن النهوض العلمي هو أساس النهوض في مختلف المجالات فأقامت مدرسة زراعية في يافا عام 1870 لتعليم أبنائها فن الزراعة، ثم أقامت معهد رحوفوت للبحث العلمي ولم يكن له مثيل في المنطقة وذلك عام 1910، وأقامت أيضا معهد التخنيون في حيفا عام 1912، وافتتحت الجامعة العبرية عام 1925.

انطلقت إسرائيل في أبحاثها العلمية، وركزت بداية على تطوير الزراعة على اعتبار أنها مصدر الغذاء الأول ويؤسس لإرادة سياسية مستقلة عن إرادات الآخرين الذين يملكون القمح. وانطلقت بعدها إلى تطوير قدراتها العسكرية من خلال التصنيع العسكري وتطوير التقنية العسكرية، واتجهت إلى صناعة المجوهرات، وإقامة المصانع والمعامل على اختلاف أنواعها حتى غدت من أوائل الدول المصدرة. استمرت إسرائيل بداية في الاعتماد على مساعدات مالية خارجية من الدول الغربية وعلى تبرعات أثرياء اليهود في العالم، لكن بقي هدفها التحرر من هذه المساعدات والاعتماد على نفسها حتى لا تعض أصابعها ندما في المستقبل.

ثانيا: البقاء قوة عسكرية أولى في المنطقة العربية الإسلامية بحيث تستطيع تحقيق نصر عسكري على الدول العربية والإسلامية فرادى ومجتمعة. كان الشعار الإسرائيلي الأمني المستمر أن بقاء إسرائيل مرتبط بقدراتها العسكرية الرادعة، ويجب أن يبقى جيشها أقوى جيش في المنطقة وقادرا على حسم المعارك بسرعة وكفاءة عالية.

وقد تبنت الولايات المتحدة الأميركية هذا الشعار وعملت على تمكين إسرائيل عسكريا حتى تبقى قوة عسكرية فوق التحدي. ومن هنا تولد شعار الجيش الذي لا يقهر ليكون جزءا من حرب نفسية مدعومة ميدانيا ضد العرب ومن والاهم.

لم تعتمد إسرائيل على مساعدات عسكرية غربية فقط وإنما عملت على تطوير السلاح الذي تحتاجه، فطورت الدبابات والطائرات المقاتلة والطائرات الإلكترونية والصواريخ والزوارق الحربية والبنادق... إلخ. وفوق ذلك قررت إسرائيل امتلاك أسلحة الدمار الشامل وطورت قدرات نووية كبيرة يفتقر إليها خصومها.

ثالثا: خوض المعارك الحربية في أراضي الغير، وتجنيب إسرائيل دائما ويلات القتال على مناطق سيطرتها. أقامت إسرائيل جيشا كبيرا وسريعا ومسلحا بأحدث أنواع الأسلحة، وكانت حركته متميزة من بين جيوش العالم من حيث الوصول إلى أماكن التوتر والقتال، والقدرة على الحشد وتوجيه الضربات السريعة والقاضية.

ولهذا جنبت إسرائيل تجمعاتها السكانية الكبيرة والصغيرة ويلات الحروب، وحصرت حروبها في البلدان العربية المجاورة لها، وأحيانا في بلدان عربية بعيدة عنها مثل تونس والسودان.

دمرت إسرائيل تجمعات سكانية عربية وغزت دباباتها أراضي العرب، وهاجمت طائراتها العديد من المراكز والمؤسسات العربية، ولم تقو الجيوش العربية على الدفاع عن نفسها أو وقف الاعتداءات العسكرية الإسرائيلية المتكررة.

رابعا: شن حروب ناظرة تعتمد على جمع المعلومات حول العدو وقدراته العسكرية ومخازن أسلحته ومخططاته... إلخ. ولذا عملت إسرائيل باستمرار على توظيف عملاء وجواسيس عرب في كل البلدان العربية مع تركيز على الفلسطينيين ودول الطوق العربية. وظفت إسرائيل عملاء لها من ضباط الجيوش العربية، وربما من الوزراء والحكام العرب، ونشرت عملاءها في المؤسسات المختلفة الأمنية والمدنية، واستطاعت أن تقف على دقائق الأمور في الساحات العربية.

كان العراق أول دولة عربية تغزو إسرائيل بالصواريخ، لكن صواريخها كانت قليلة ولم تؤثر جذريا على نظرية إسرائيل الأمنية، لكنها أعطت مؤشرا حول اتجاهات المستقبل. المقاومة العربية في لبنان وفلسطين كانت الأكثر تأثيرا والأكثر قوة

شنت إسرائيل حرب جمع معلومات شرسة وقوية وفعالة، وخاضت حروبها وهي تملك معلومات وفيرة حول الأهداف التي يجب ضربها أو تحييدها، فكانت خسائر الجيوش العربية كبيرة جدا، بينما بقيت الخسائر الإسرائيلية في أضيق نطاق ممكن، وقد اعتمدت باستمرار على أجهزتها الأمنية الداخلية والخارجية لتقدير موازين القوى، وقدرات العرب على المساس بها وبجيشها، وكانت تتصرف دائما بناء على علم مسبق.

خامسا: الحرب الاستباقية أو الوقائية هي أفضل الحروب وأقلها خسائر، منذ البدء اعتمدت إسرائيل على المثل القائل "تغدى فيه قبل أن يتعشى فيك" أي يجب ضرب أي قوة عربية ناهضة وتدميرها قبل أن تكبر وتصبح قادرة على ضرب إسرائيل عسكريا. ولهذا عملت إسرائيل بعد عام 1948 على القيام بأعمال استفزازية بهدف جر جيوش عربية إلى ميدان المعركة ومن ثم القضاء عليها قبل أن تصبح قادرة على الإقلاع والتحدي.

سادسا: اختطت إسرائيل برامج تثقيفية وتعليمية منذ قيامها بهدف تطوير العقلية العلمية لدى سكانها والتفكير العلمي، وبث الوعي بوجهة نظرها فيما يتعلق بالصراع العربي الإسرائيلي، وبرفع مستويات الالتزام والفداء والتضحية من أجل إسرائيل. وعملت على بث الثقة في نفوس سكانها والهدوء والطمأنينة لكي يكونوا قادرين على مقاربة همومهم ومشاكلهم بروية ومنطق وأسلوب علمي. الدولة قوية بقوة أبنائها، وأولئك غير الأحرار وغير العلميين لا ينفعون لإقامة دولة وصون وجودها.

سابعا: الهدف الأمني الإسرائيلي النهائي هو أن تبقى إسرائيل واحة الأمن الحاضنة لكل يهود العالم، وإبقاء جدلية الصهيونية بأن لا أمن لليهود إلا في إسرائيل قائمة ومقنعة.

انهيار أركان النظرية الأمنية
كان العراق أول دولة عربية تغزو إسرائيل بالصواريخ، لكن صواريخها كانت قليلة ولم تؤثر جذريا على نظرية إسرائيل الأمنية، لكنها أعطت مؤشرا حول اتجاهات المستقبل. المقاومة العربية في لبنان وفلسطين كانت الأكثر تأثيرا والأكثر قوة.

شكلت حرب عام 2006 على لبنان الهزة الكبيرة الأولى للجيش الإسرائيلي، وكل النسيج الأمني الإسرائيلي. أمطر حزب الله إسرائيل بوابل متلاحق من الصواريخ شلت الحياة المدنية، تساقطت الصواريخ على المدن الإسرائيلية والمستوطنات، وهرع الناس إلى الملاجئ. لم تعد شوارع إسرائيل وميادينها آمنة، وأصبح البشر والحجر مهددون بدمار الصواريخ. لم تعد منطقة شمال إسرائيل آمنة، وفقد الناس شعورهم بالأمن وثقتهم بقدرة دولتهم على حمايتهم.

وتبنى حزب الله على مدى السنين نظرية التحصين الأمني بحيث يقضي على الجواسيس والعملاء، ويمنع بذلك عن إسرائيل مصادر المعلومات. صحيح أن إسرائيل تملك وسائل تقنية لجمع المعلومات، لكن الحزب عمل على امتلاك وسائل تقنية مشابهة، واعتبر أن العنصر البشري هو الأهم في جمع المعلومات. لاحق العملاء والجواسيس، وطور أساليب متعددة لاقتفاء أثرهم، ولهذا أقدمت إسرائيل على حرب شبه عمياء، غير ناظرة ففاجأها الحزب بقدراته العسكرية الميدانية والتكتيكية المتعددة.

أهم ما جرى هو أن الحزب استطاع تحييد الطيران الإسرائيلي وذلك من خلال إقامة شبكة أنفاق تحت الأرض حتى لا يستطيع الطيران الوصول إلى المقاتلين. فانتقم الطيران من المدنيين ومن بيوت المواطنين العاديين.

لم يعد الفلسطينيون يحاربون من دول الجوار وإنما من بلادهم وانطلاقا من أرض محررة محاصرة. وليس هذا فحسب، وإنما يعمل سكان التجمعات السكانية اليهودية في جنوب فلسطين الآن على الرحيل ليخرجوا من همّ الصواريخ الفلسطينية

المهم أن المعركة لم تجر على أرض لبنان فقط، وأن إسرائيل لم تفاجئ حزب الله، بل هو الذي فاجأها، وواحة الأمن الإسرائيلية أصبحت تقض المضاجع، ونظرية الجيش الذي لا يقهر لم تعد موجودة، وثقة الإسرائيليين بجيشهم أصيبت بضربة قوية.

حرب 2014
أكملت حماس وقوى المقاومة الفلسطينية في غزة المشوار، وأذهلت العالم في قدراتها على النهوض والتطوير والتصنيع وغزة محاصرة ولا تملك الإمكانيات للتطوير. قصفت المقاومة الفلسطينية إسرائيل برشقات قوية من الصواريخ التي أصبحت تطال كل بقعة في فلسطين المحتلة. وهرع الناس إلى الملاجئ ليصبح كل سكان إسرائيل على بينة من أمرهم وهو أن الأمن يمكن أن يكون متوفرا في أي مكان في العالم عدا إسرائيل.

أيقنت كل إسرائيل الآن جمهورا ومخابرات وجيشا ومسؤولين أن كل إسرائيل غير آمنة، وأن إسرائيل لم تعد قادرة على حروب استباقية، أو أن المسرح الحربي حكرا عليها.

الأهم في حرب عام 2014 أن رحاها تدور على أرض فلسطين. لم يعد الفلسطينيون يحاربون من دول الجوار وإنما من بلادهم وانطلاقا من أرض محررة محاصرة. وليس هذا فحسب، وإنما يعمل سكان التجمعات السكانية اليهودية في جنوب فلسطين الآن على الرحيل ليخرجوا من همّ الصواريخ الفلسطينية.

المعنى أن أمام المقاومة الفلسطينية في غزة فرصة مستقبلية لتوسيع الرقعة الجغرافية. شكلت غزة رأس جسر فلسطيني عسكري أحسنت المقاومة الفلسطينية استخدامه، والمستقبل أمامها لتحقيق مزيد من التطوير.

لا أعني بهذا المقال أن إسرائيل انتهت، لكنني أعني أن المقاومة العربية تطور نفسها بصورة متسارعة وبدأب وإصرار. هناك الآن إسرائيلي جديد متشكك ومتردد، وعربي لبناني فلسطيني جديد يثق بنفسه وقدراته، ويتمتع بعقيدة صلبة تقوده إلى الموت من أجل الحياة، من أجل أن تحيا أجيال العرب القادمة.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك