بان كي مون

بان كي مون

الأمين العام للأمم المتحدة


خلال زيارة قمت بها مؤخرا إلى مجتمع لوس بالماس الريفي في هايتي، حظيت بالفرصة لتبادل الحديث هناك مع الأسر المتضررة بشكل مباشر من وباء الكوليرا الذي تعاني منه البلاد منذ زلزال عام 2010.


شرح لي أحد الرجال هناك أن ذلك المرض لم يقتل أخته فحسب، بل وأجهز أيضا على حماته بعد سيرها لساعات طويلة إلى أقرب مستشفى. والآن يتولى هو وزوجته رعاية بنات وأبناء أخته الخمسة اليتامى.

في هايتي اليوم، أصبحت مثل هذه الروايات شائعة. والواقع أن الآلاف من البشر في مختلف أنحاء البلاد تحملوا العديد من المحن والمآسي المماثلة.

ولكن هناك أيضا بوادر أمل، فبفضل المشاركة المجتمعية المتزايدة والتغيرات في ممارسات الصحة العامة، تحرر الرجال والنساء والأطفال في لوس بالماس والقرى المجاورة من وطأة الكوليرا -وهو تحول درامي هائل مقارنة بالسنوات القليلة الماضية- ونجحوا في الحد من خطر الإصابة بأمراض أخرى تنقلها المياه الملوثة. على سبيل المثال، أرتني إحدى الأسر بفخر مرشح المياه الجديد لديها.

خلال الأشهر القليلة الأولى من هذا العام، انخفض عدد حالات الإصابة بالكوليرا والوفيات الناجمة عنها بنحو 75% مقارنة بنفس الفترة من عام 2013، لكي يبلغ أدنى مستوى له منذ بداية تفشي المرض

الواقع أن هذا النهج القائم على المجتمع سيشكل أهمية بالغة لنجاح حملة صيانة الصحة العامة الشاملة التي أطلقتها أنا ورئيس هايتي لوران لاموث في لوس بالماس خلال زيارتي. وبتشجيع الأسر على الاستثمار في المراحيض الدائمة الصحية، وتوفير منتجات وخدمات الصحة العامة المحسنة بأسعار معقولة، وضمان حصول المدارس والمراكز الصحية على البنية الأساسية اللائقة للمياه والصرف الصحي، ستفضي هذه المبادرة إلى تحسن الظروف الصحية لثلاثة ملايين إنسان معرضين للخطر الشديد على مدى السنوات الخمس المقبلة. وقبيل مغادرتي القرية مباشرة، أرسينا حجر الأساس الرمزي لمصدر المياه الآمنة الجديد.

تُعَد هذه الحملة أحدث خطوة في عملية شاملة تدعمها الأمم المتحدة للقضاء على الكوليرا في هايتي. ومؤخرا أنشأت المنظمة الدولية بالتعاون مع حكومة هايتي لجنة رفيعة المستوى مكلفة بتنفيذ إستراتيجية شاملة تغطي كافة جوانب الوقاية من الكوليرا والاستجابة لهذا المرض، بما في ذلك زيادة المساعدات المقدمة للأسر والمجتمعات هناك.

وعلاوة على ذلك، تبدأ وزارة الصحة في هايتي ومنظمة الصحة العالمية المرحلة الثانية من مبادرة التطعيم التي تمولها الأمم المتحدة والتي تستهدف 600 ألف شخص في مناطق تفشي الكوليرا. ومن المتوقع أن يتم تطعيم نحو 200 ألف شخص في غضون الشهرين المقبلين، ثم يعقب ذلك تطعيم 300 ألف بحلول نهاية هذا العام. وخلال المرحلة الأولى في العام الماضي تم تطعيم 100 ألف شخص.

وقد نجحت هذه الجهود بالفعل في الحد من أعداد الموتى نتيجة لهذا الوباء بشكل كبير. فخلال الأشهر القليلة الأولى من هذا العام، انخفض عدد حالات الإصابة بالكوليرا والوفيات الناجمة عنها بنحو 75% مقارنة بنفس الفترة من العام 2013، لكي يبلغ أدنى مستوى له منذ بداية تفشي المرض.

من المؤكد أن هايتي لا تزال تؤوي العدد الأكبر من الحالات المشتبه في إصابتها بالكوليرا في نصف الكرة الأرضية الغربي، وهو أمر غير مقبول على الإطلاق في عالم يتمتع بهذا القدر الهائل من المعرفة والثراء. ولكن هايتي أصبحت الآن على مسار يقودها إلى النجاح، وكما تم القضاء على الكوليرا في بيئات أخرى صعبة في مختلف أنحاء العالم، يمكن القضاء على هذا المرض في هايتي.

وتتحسن آفاق هايتي في مجالات أخرى أيضا، وهو ما يرجع جزئيا إلى التزام الأمم المتحدة بمساعدتها، فمنذ العام 2004 تعمل البعثة الأممية لتثبيت الاستقرار في هايتي على تحسين البيئة الأمنية، ودعم العملية السياسية، وتعزيز مؤسسات الحكم، وحماية حقوق الإنسان. وقد لعبت أيضا دورا رئيسيا في تثبيت الاستقرار وإعادة بناء البلاد بعد زلزال عام 2010.

بفضل الجهود التي تبذلها هذه البعثة الأممية وتلك التي تبذلها هيئات أممية أخرى، تحسّن الوضع الأمني بشكل كبير، بدعم من جهاز قضائي أكثر قوة وقوات شرطة وطنية أكثر فعالية. ومن ناحية أخرى، ارتفعت معدلات الالتحاق بالمدارس الابتدائية إلى عنان السماء، من 47% عام 1993 إلى نحو 90% اليوم.

على زعماء هايتي من مختلف ألوان الطيف السياسي أن يرتفعوا فوق خلافاتهم من أجل ضمان إدارة العملية الانتخابية بنزاهة، وبالتالي تعزيز سيادة القانون، وحماية حقوق الإنسان، وترسيخ أسس الديمقراطية في البلاد

ولكن نظرا لهشاشة الأوضاع السياسية والاجتماعية، وضعف الاقتصاد، والأحوال المالية المقيدة بشدة، فإن استمرار تقدم هايتي يظل غير مؤكد على الإطلاق. ومن أجل تحسين فرصها في تحقيق أهداف التنمية، يتعين عليها أن تواصل خططها الرامية إلى إجراء الانتخابات التشريعية والمحلية التي طال انتظارها في وقت لاحق من هذا العام، على أن تعقب ذلك انتخابات رئاسية في العام المقبل.

ويتعين على زعماء هايتي من مختلف ألوان الطيف السياسي أن يرتفعوا فوق خلافاتهم من أجل ضمان إدارة العملية الانتخابية بنزاهة، وبالتالي تعزيز سيادة القانون، وحماية حقوق الإنسان، وترسيخ أسس الديمقراطية في البلاد.

سيظل الدعم المستمر من قِبَل المجتمع الدولي يشكل ضرورة أساسية. ويتلخص الأمر الأكثر إلحاحا الآن في احتياج هايتي إلى المساعدة لتمويل الخطة الوطنية للقضاء على الكوليرا في غضون عشرة أعوام بتكلفة 2.2 مليار دولار. وحتى الآن تم جمع 40% فقط من 448 مليون دولار مطلوبة خلال أول عامين في الخطة للاستثمار في الإنذار المبكر، والاستجابة السريعة، والمياه، والصرف الصحي، والتطعيم. ولم تتجاوز المبالغ المتعهد بتقديمها حتى الآن 10% من التكاليف الإجمالية للخطة.

الواقع أن أهل هايتي يملكون كل العزيمة اللازمة للتغلب على وباء الكوليرا وتحقيق التنمية الاقتصادية الشاملة. ولكن المجتمع الدولي -وبشكل خاص المؤسسات المالية الدولية العاملة في المنطقة- لا بد أن يبادر إلى تكثيف الجهود في دعمهم.

لقد تأثرت بشدة إزاء ما عاينته من كرم الضيافة والمشاعر الجياشة في لوس بالماس، ولكني أفهم أيضا أن أهل هايتي ينتظرون من حكومتهم والأمم المتحدة الوفاء بالوعود التي بُذِلَت في ذلك اليوم. وإذا قام كل طرف معني بهذا الأمر بدوره، فسيكون في وسعنا أن نعطي أهل هايتي المستقبل الأكثر صحة وازدهارا الذي يستحقونه.

المصدر : بروجيكت سينديكيت

شارك برأيك