روبرتو ماسكارو

روبرتو ماسكارو

كاتب وأديب من أورغواي


في حقبة الأربعينيات والخمسينيات بالأورغواي وخلال وفاق ما بعد الحرب التي عانت منها البلاد من بعيد، عزز رعب معسكرات الاعتقال النازية التي بقيت كابوسا لدى شعب ذلك البلد العلماني الديمقراطي، ولجوء مهاجرين وملاحقين سياسيين منذ بدايات القرن العشرين، ووصول لاجئين أوروبيين إلى الأورغواي؛ الصورة الكارثية التي لاحقت من سموا أنفسهم "شعب الله المختار"، أي اليهود.

وكانت البلاد (الأورغواي) سخية مع هؤلاء الملاحقين -سواء أكانوا يهودا أم غير يهود- فأقامت هناك الكثير من العائلات وحصلت على الجنسية الأورغويانية.

أتذكر أنه في أجوائنا العائلية، كان من الممنوع ضمنيا أن نناديهم باليهود، كي نجنبهم استحضار فترة الإبادة للذاكرة، رغم أنهم من أصول قوقازية وليسوا من السامية في شيء، لا في جيناتها ولا في لغتها.

أتذكر أنه في أجوائنا العائلية، كان من الممنوع ضمنيا أن نناديهم باليهود، كي نجنبهم استحضار فترة الإبادة للذاكرة، رغم أنهم من أصول قوقازية وليسوا من السامية في شيء، لا في جيناتها ولا في لغتها

لقد سموا أنفسهم "يهودا" ومارسوا دينهم وطقوسهم بكل حرية، ثم تحولوا لضحايا مستوطنين وحصلوا على امتيازات، فلم يعودوا بحاجة لتبرير أي شيء بسبب ما مروا به من معاناة.

ومنذ ذلك الوقت، ظهرت الاتهامات بمعاداة السامية ولغاية اليوم ضد أدنى بادرة تصنفهم كجماعة، وهذا ليس عدلا بالنسبة لشعوب أخرى مضطهدة وملاحقة، تفتقر للامتيازات، ومن بينهم الأورغويانيون أنفسهم من جيل الخمسينيات والستينيات الذين هم ضحايا نقص كفاءة السياسيين ووحشية العسكر.

إن الشرعية التي منحتها الأمم المتحدة لدولة لليهود (الشعب المطارد والمُباد حتى قبل وجود معسكرات الاعتقال حسب الأدب اليهودي) بدت فكرة إنسانية تسعى لحل مشاكل ذلك الشعب، مع انتشار الدعاية للأفكار الصهيونية، وخصوصا عن طريق الأدب (روايات ليون أوريس كانت قراءات إجبارية للطبقة المتوسطة في الأورغواي).

وقد قدم الأورغويانيون دعما واسعا لدولة إسرائيل، وبرزت فكرة "الكيبتوز" كمقاربة للمجتمع الراعي، بملامح اشتراكية استطاعت إقناع اليسار الأورغوياني، وهو تفصيل لم نكن ننتبه له في تلك الحقبة، لمن كنا نراهم بعين العطف كونهم فارين من فظائع النازية، ووجدوا أرضا يتمكنون فيها من تطوير هويتهم.

كانت "البروباغاندا" تُظهر لنا وجها واحدا من العملة في تلك الحقبة، وكانوا يُخفون عنا بتعمد أحقية الشعب الفلسطيني في العيش بتلك المنطقة أكثر من اليهود، ويحاولون إظهار المستعمرين الجدد كأبطال، أما العرب فهم "أوغاد". كانت الأمور معدة من أجل التمييز ضد الفلسطينيين، فالاستعمار الإنجليزي في المنطقة دفع إلى إنشاء دولة إسرائيل متجاهلا دولة فلسطين.

أما السينما الأميركية فقد أخذت على عاتقها إظهار العرب كعرق مخز وجاهل، لا شيء جديد إذن منذ الحروب الصليبية. وخلال بضعة عقود، صُدِّقت الحكاية.

أما بالنسبة لنا نحن الأورغويانيين، فلم نكن نعرف أصلا ما الصهيونية، وأنها أصولية متطرفة وخطرة كغيرها من الأصوليات، وحين تحدد أهدافها تتحول لأصولية إرهابية، أما في حالة إسرائيل، فقد تحولت لإرهاب دولة.

وهكذا فقد كنا نؤمن خلال عقود كثيرة بالفوائد من ارتباطنا بالولايات المتحدة وبخططها الاستعمارية المتنكرة بأسماء كـ"التحالف من أجل التقدم" لكيندي، أو "خطة الكوندور" لنيكسون. وفيما كانوا يقترحون علينا خططا للتنمية، اجتاحوا بكل وقاحة كوبا في خليج كوتشينوس، حيث خرجت القوات الأميركية الداعمة لكوبيين في المنفى بهزيمة نكراء من قبل حكومة فيدل كاسترو وحشود الشعب الكوبي. في تلك الفترة بدأت الولايات المتحدة بالتورط في فيتنام، التي ألحقت بها هزيمة أخرى وآلافا من القتلى من كلا الجانبين.

أظهر الزمن أن توسع دولة إسرائيل المتحالفة بشكل رئيسي مع الولايات المتحدة في الشرق الأوسط، يشكل جزءا من ذات الخطة الإمبريالية للاستيلاء على نفط الكوكب واستخدام إسرائيل كقاعدة وواجهة عسكرية في المنطقة.

وفي الوقت نفسه، كان يتم استبدال الشعب الفلسطيني وتهميشه انطلاقا من ذات المبدأ العنصري الذي استخدمه المفكرون وصُنَّاع دعاية ألمانيا النازية.

وهكذا نرى أن "معاداة السامية"، هو مفهوم يستخدم بشكل مشين في الإعلام وفي الدبلوماسية وفي لغة الصحافة، للإشارة إلى أولئك الذين يشككون بقوة الاحتلال الإسرائيلي و"اليهود" بشكل عام، وما زال (المصطلح) يستخدم كحجة لذبح وخنق شعب كامل، أما من يرددون مصطلح "معاداة السامية" ويستخدمونه كورقة رابحة، فعليهم أن يدركوا أن هذا المصطلح المستخدم بطريقة عنصرية لم يعد مجديا.

نرى أن مصطلح "معاداة السامية" يستخدم بشكل مشين في الإعلام والدبلوماسية ولغة الصحافة، للإشارة إلى أولئك الذين يشككون بقوة الاحتلال الإسرائيلي و"اليهود" بشكل عام. لكن على الذين يستخدمونه كورقة رابحة أن يدركوا أنه لم يعد مجديا

فالسامية هي مجموعة من اللغات ومن ضمنها العبرية بل العربية أيضا، فالجهل المطلق يمهد الطريق أمام الخدمات الدعائية، وهو مورد استخدمه غورينغ للحديث عن "معاداة الألمانية" وتبرير إرسال اليهود والمثليين والغجر والمعاقين وبعض الأقليات لمعسكرات الاعتقال وغرف الغاز.

إن سرقة الأراضي والاستيطان غير الشرعي والحروب الخاطفة كالعملية الأخيرة في قطاع غزة، تكشف عن خدعة مستهلكة، وهي تشبه كثيرا حروب احتلال العراق وأفغانستان (بنسبة ضحايا مدنيين عالية) وتشبه أي مجزرة أخرى في حق مدنيين أبرياء.

واليوم في الأورغواي ترتفع أخيرا أصوات تحتج ضد وضع لا يطاق في غزة، ولم يتردد الرئيس موخيكا في وصف الهجمات الأخيرة بالإبادة، إذ قُتل مئات الأطفال من بين مئات الضحايا المدنيين الآخرين.

أما لويس ألمارغو، وزير الخارجية فقد ضم صوته لاحتجاج الرئيس مصنِّفا الهجوم الإسرائيلي بالمجزرة، ومحتفظا بإجابة فظة لممثلي الجالية اليهودية في الأورغواي. قبل هذه الإجابة، صاغ ألماغرو هذا السؤال: "هل تعتبر إدانة مقتل 400 طفل تطاولا؟" -إذا، سأستمر بالتطاول.

إنها المرة الأولى التي تنضم فيها الأورغواي -من خلال حكومتها- للأصوات المحتجة في أميركا اللاتينية، والتي أدانت بالإجماع تقريبا هذه المجزرة الجديدة. في أميركا الجنوبية، كولومبيا فقط هي الحليف الوثيق للولايات المتحدة (التي لها سبع قواعد في أراضيها)، لم تُدِن قتل الأطفال من قبل نتنياهو الذي تفاخر علنا بذلك مخاطبا هيلاي كلينتون وأوباما.

هذا القتل ليس له -ولن يكون له- أي مبرر. وما زلنا نأمل أن يضاعف المجتمع الدولي إدانة مجزرة الشعب الفلسطيني الجديدة.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك