فارس الخطاب

فارس الخطاب

أكاديمي وإعلامي عراقي


تحول الخطاب والموقف الغربي والأممي من مجريات الأمور في العراق المضطرب منذ عام 2003 إلى أعلى مستوياته بعد أن تعرض المسيحيون والإيزيديون في محافظة نينوى شمال العراق إلى الاضطهاد والتهجير القسري من قبل تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، بينما لم تحرك كل المنظومة الغربية ساكنا إزاء احتلال هذا التنظيم ثلث أراضي العراق منذ العاشر من يونيو/حزيران الماضي وتهديدهم القائم بدخول العاصمة بغداد وقلب جميع المعادلات السياسية الواهنة هناك.

صحيفة "الغارديان" البريطانية أشارت في معرض تعليقها مؤخرا على الأوضاع في العراق إلى القول إنه "بغض النظر عن المبالغة والشائعات، فما نسمعه عن "الدولة الإسلامية" مخيف، فهم يقتلون الأطفال، ويكرهون الشيعة، ويرغمون الناس على اعتناق الإسلام، أو يخرجونهم من ديارهم، ولم يتم التحقق من تقارير عن أعمال أخرى أشد فظاعة"، موضحة أن "تردد الدول الغربية في التدخل عسكريا في العراق، يجد مبررا في تبعات التدخل في الأعوام الماضية، ولكن معاناة الأقليات في العراق واستغاثتها والتهديدات الجادة التي يتعرضون لها تجعل من الضروري إعادة النظر في موقف الغرب".

ومع ردة فعل الغرب الذي تسابقت دوله للمشاركة في جهود إغاثة أبناء الأقليات الذين لجؤوا لجبل سنجار وأراضي إقليم كردستان العراق وتوظيف كل الآلة الإعلامية من أجل إظهار حالة هذه الأقليات وكأنها جريمة العصر، إضافة إلى العمليات العسكرية الجوية منها والاستخبارية التي قامت بها الولايات المتحدة وبريطانيا ودول أخرى، ثم تغير الموقف الأوروبي والأميركي من موضوع تسليح كردستان العراق والذي كان مرفوضا قبل أيام من تهجير الأقليات حيث ما لبثت دول الاتحاد الأوروبي أن تسابقت في عروض تقديم مختلف أنواع الأسلحة -التي سبقتهم بها واشنطن- لقوات البشمركة الكردية، مع هذا كله برزت تساؤلات عديدة في الشارع العراقي والعربي عن مفارقة ترتبط بمكاييل التعامل الغربي مع الحالة العراقية.

ما يعانيه سنة العراق لا يمكن مقارنته بما تعرض له الإيزيديون أو المسيحيون في هذا البلد، حيث إن محنة هذه الأقليات طارئة، والقائم عليها تنظيم إرهابي مرفوض محليا وعالميا، أما محنة سنّة العراق فهي رحلة عذاب طويلة بدأت مع الاحتلال ثم زادت وطأتها مع من جاء بعده

ولعل أبرز هذه التساؤلات يأتي من مكون رئيسي في العراق، ورئيسي في الوطن العربي والعالم الإسلامي، إنه المكون السنّي الذي أيد في العموم -وما زال- دعم وإسناد حكومة إقليم كردستان، لكنه شعر في الوقت نفسه بعدائية مع سبق الإصرار من قبل الغرب تجاه تمكنه من العيش بسلام في بلده ضمن معايير المواطنة وحقوق الإنسان.

إن ما يعانيه أهل السنة في العراق لا يمكن بأي حال من الأحوال مقارنته بما تعرض له الإيزيديون أو المسيحيون في هذا البلد، ذلك أن محنة هذه الأقليات طارئة، والقائم عليها تنظيم إرهابي مرفوض محليا وإقليميا وعالميا، أما محنة سنّة العراق فهي رحلة عذاب طويلة بدأت منذ الاحتلال الأميركي للعراق سنة 2003، ثم زادت وتزداد وطأتها ساعة بساعة ويوما بعد يوم حتى يومنا هذا.

نعم، فالكل يعلم الأعداد الكبيرة التي ملئت بها سجون ومعتقلات النظام الجديد في العراق، ثم الكم الهائل من الاغتيالات التي استهدفت العلماء والأطباء والأكاديميين وضباط الجيش العراقي وطياريه، والكل يعلم أيضا أن سلطة الاحتلال غضت بصرها عن سلوك وتصرفات الحكومات العراقية والمليشيات الطائفية المرتبطة بها والتي كانت -وما زالت- تبطش وتقتل أبناء المكون السنّي دون أي وازع من مسؤولية أو ضمير، وكان آخرها ربما مجزرة مسجد مصعب بن عمير في محافظة ديالى العراقية، والتي قتل فيها سبعون رجلا أثناء أدائهم صلاة الجمعة من قبل ما يسمى "عصائب أهل الحق" الشيعية المتطرفة.

أسئلة أهل السنّة برزت بقوة بعد الدعم الكبير الذي أولاه الغرب لأقليات تعرضت لموقف ظالم سرعان ما تم إنقاذهم وتجاوز محنتهم ثم القصاص ممن آذاه، مع مواصلة العمليات العسكرية ضد هذا التنظيم حتى دحره وتخليص الناس من شروره، لكن الذي جرى ويجري لأهل السنّة يفوق آلاف المرات الويلات والمآسي التي رآها العالم عبر شاشات التلفزيون عن نساء وأطفال على سفوح جبل سنجار، ولا أعتقد أن هناك مجالا لسرد مآسي هذه الطائفة الرئيسية في العراق عبر مقال محدود الصفحات، والكلام هنا عن كل أبناء هذا المكون وليس عن حالات فردية.

ففي عام 2003 وما بعده، حاربت الولايات المتحدة المدن السنيّة بالاسم. نعم، فقد أسمت هذه المدن بـ"المثلث السني" باعتبارها تمثل منابع المقاومة العراقية لقوات الاحتلال الأميركي للعراق، كما أن معركة الفلوجة الأولى والثانية التي خاضتها القوات الأميركية مع أبناء هذه المدينة لا يمكن للولايات المتحدة والعالم نسيانها بما استخدم فيها من وسائل قتل وتدمير لم تفض إلا لفشل هذه القوات في تطويع المدينة وسكانها السنّة.

وخلال تتابع حكومات الجعفري وعلاوي والمالكي -وهي أسوأها- كان أبناء المكون السنّي ضحايا النظام ومليشيات الأحزاب الشيعية الحاكمة، إضافة إلى سرايا جيش القدس الإيراني التي تصول وتجول في الأراضي العراقية بمباركة من حكوماتها المتعاقبة، ونتيجة لذلك نفذت مذابح جماعية غاية في الوحشية ضد أهل السنّة في أحياء: بغداد، وديالى، والبصرة، والأنبار، والتأميم، من قبل المليشيات والقوات الحكومية التي تعتبر امتدادا عقائديا وتنظيميا لهذه المليشيات.

ونتيجة أيضا لهذا الاضطهاد والتعسف والقتل، هاجر الكثير من أبناء السنّة إلى خارج العراق أو إلى محافظات سنية بالكامل، انطلقوا منها للتعبير عن مطالبهم القانونية في حقهم بالعيش في وطنهم وإطلاق سراح سجنائهم الذين يقبعون في السجون الحكومية دون اتهامات محددة أو محاكمة منذ سنين وإلغاء القوانين التي تحد من حريتهم وحقهم في العمل والمشاركة السياسية، وهو ما أطلق عليه ساحات الاعتصام في مدن محافظات الأنبار وديالى والحويجة والموصل وغيرها.

إن الحكومة التي تتربص بأبناء الوطن الموكلة بإدارته قامت خلال فترة حكم المالكي بمجازر حقيقية تجاه مواطني ساحات الاعتصام هذه، ففي أبريل/نيسان 2013 قامت القوات المسلحة العراقية، ووحدات التدخل السريع، وقوات الشرطة، باستخدام القوة المفرطة تجاه اعتصام الحويجة السلمي، مما أودى بحياة 91 مدنيا وإصابة 254 شخصا بجروح، كما فرّق الجيش اعتصام الفلوجة السلمي أيضا بالقوة وتم حرق الخيام التي كانت مأوى للمعتصمين.

ولم تكتف الحكومة بذلك، بل أعلنتها حربا شاملة واسعة على محافظة الأنبار بحجة القضاء على بضعة أشخاص من "داعش" تسللوا إلى الأراضي العراقية، لكن الغاية الحقيقية كانت قتل وتدمير وإذلال محافظة عرفت بقوة إرادتها وصلابة رجالها، فاستخدم الجيش والمليشيات كل أنواع الأسلحة الفتاكة ودون تحديد لإجبار سكان مدن هذه المحافظة على تركها، حتى قالت منظمة "هيومن رايتس ووتش" -في تقريرها عن الأوضاع في الفلوجة- إن الجيش العراقي يلقي براميل متفجرة على مناطق مأهولة ويستهدف مستشفى المدينة بالقصف.

إن سكوت العالم عن إرهاب الدولة في العراق والمليشيات الموالية لإيران في قتل وتهجير بربري لسنّة العراق امتد لأكثر من 11 عاما، قد يفضي إلى نتائج خطيرة لا يمكن معالجتها، وقد تقود البلاد والإقليم إلى ما لا يمكن السيطرة عليه نهائيا

إن سكوت العالم عن إرهاب الدولة في العراق وكذلك المليشيات الموالية لإيران في قتل وتهجير بربري لسنّة العراق امتد لأكثر من 11 عاما، وقد يفضي إلى نتائج خطيرة لا يمكن معالجتها وقد تقود البلاد والإقليم لما لا يمكن السيطرة عليه نهائيا، خاصة مع استمرار الاستهانة بأبناء هذا المكون والاكتفاء بالإدانة الخجولة بين الحين والآخر كما فعل الأمين العام للأمم المتحدة عندما أدان "الاعتداء" على جامع مصعب بن عمير في محافظة ديالى، وكذلك إدانة واشنطن الهجوم واصفة إياه بـ"العبثي والبغيض".

هي إدانات لا تشفي ولا تجدي نفعا لمن يفقدون أبناءهم وآباءهم في إعمال قذرة ووحشية من قبل قوات حكومية ومليشيات تابعة لها، لذا فإن من يحصد ثمار هذا الحنق في نهاية الأمر هي التنظيمات المتطرفة مثل "داعش" وسواها، وعندما يشعر الإنسان -أي إنسان- بأن هناك ظلما يقع عليه ولا يجد من ينصفه فإنه سيلجأ لأول صوت أو إرادة تمهد له وسائل المنعة والقدرة على البقاء والانتقام لذويه، وقد أوجز الجنرال مارتن ديمبسي رئيس هيئة الأركان المشتركة الأميركية هذا الأمر بقوله في مؤتمره الصحفي الأخير "ستتم هزيمة تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام حقا عندما يرفضه عشرون مليون سني محرومين يعيشون بين دمشق وبغداد".

لا بد من القول -إذن- إن الولايات المتحدة يجب أن تتحمل مسؤوليتها القانونية والأخلاقية والتاريخية باعتبارها من أوصل الأمور في العراق إلى هذا المنحى الخطير، ثم دول أوروبا التي تتعامل مع موضوع العراق وكأنه هامشي وخيطي، ركناه: الحكومة التي لا تتحرك فعليا أبعد من المنطقة الخضراء، والمرجعية التي تعني -في ما تعني- تكريسا لفكر واتجاه مكون طائفي واحد دون سواه، وأخيرا الحكومة العراقية، خاصة وهي الآن في مخاض التشكّل الذي يفترض بالسيد حيدر العبادي رئاسته، وقد بارك العالم له هذا التكليف ليس حبا وإيمانا بشخصه، فهو مجهول القدرات غير معروف الملكات القيادية، لكنه بغض لفترة حكم السيد نوري المالكي التي أوصلت البلد والمنطقة إلى هذا المأزق الخطير.

هذه الحكومة يجب أن تسعى للتعامل مع شعبها كشعب وليس كطوائف، وبدل أن توجه لدول مثل المملكة العربية السعودية وقطر وتركيا تهمة تحريض السنّة في العراق، عليهم الاستجابة لمطالب هذا المكون التي يعرفون صدقها وقانونيتها، وإلا فأبواب التطوع مفتوحة لتنظيمات يمكن الانخراط بها جزعا من استمرار الظلم وجرأة الظالم على الحق وأهله.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك