باسم عالم

باسم عالم

مستشار قانوني


ما زلت منذ انقلاب الجيش المصري على الرئيس الشرعي محمد مرسي في الثالث من يوليو/تموز 2013، أتأمل المشهد المصري وتطور أحداثه محاولا قراءته في ضوء الحراك الإقليمي والعالمي تجاه الربيع العربي وإفرازاته المتعددة.

ولا شك أن الحالة المصرية تعتبر بكل المعايير حالة كاشفة مفندة اضطرت الجميع بقصد وبغير قصد أن يتمايزوا سلبا أو إيجابا، كلٌ متخندق في خندق قناعاته أو مصالحه أو عداواته.

ولعل أول ما تكشف عنه الأحداث هو حقيقة الطبقات الليبرالية التي استحوذت على المشهد الثقافي والإعلامي متبنية قيم الليبرالية والحرية والإصلاح السياسي فإذا بها ترخي العنان لخيلها تسابق به في مضمار الانقلاب والانقلابيين وتبرر لهذا العمل الشنيع مستعينة بسيطرتها على الساحة الإعلامية الرسمية وشبه الرسمية.

وما ذاك إلا بعد أن تكشف لها أن مكانتها كطبقة مخملية ثقافية لم تشفع لها لدى الشعب ولم تجد عنده القبول المرجو الذي يترجم هذه المكانة من قوة ناعمة إلى قوة حقيقية تتمثل بسلطة وتأثير في مرافق الدولة الحديثة.

أول ما كشفته الحالة المصرية هو حقيقة الطبقات الليبرالية التي استحوذت على المشهد الثقافي والإعلامي متبنية قيم الليبرالية والحرية والإصلاح السياسي فإذا بها ترخي العنان لخيلها تسابق به في مضمار الانقلاب والانقلابيين وتبرر لهذا العمل الشنيع

وقد كانت تظن وتوهم نفسها بأنها الأقدر والأحق بقيادة مرحلة بناء الدولة وإدارة دفتها وتوجهاتها على جميع الأصعدة. وقد كان لإخفاق الطبقة الثقافية الليبرالية وانحسار دورها ردود فعل شديدة تمثلت معظمها في العداء المحكم للتيارات الإسلامية والتخلي عن المبادئ التي تمترسوا خلفها زمنا طويلا في سبيل إزاحة هذا الكابوس الإسلامي عن صدورهم وفتح المجال أمامهم ليتصدروا المشهد من جديد.

ولم ينحصر هذا الأمر في المشهد المصري بل أينعت رؤوس الليبرالية في المشهد التونسي والليبي بل والمشهد الخليجي حتى تورط بعض نجوم الليبرالية الخليجية ودعاة الإصلاح والديمقراطية فيها بالوقوف مع الانقلاب المصري وتبريره بشتى المبررات التي لا يجرؤ أحدهم على استخدامها في المشهد السياسي الأوروبي أو الأميركي حين تُوجد ذات المعطيات الاقتصادية والاجتماعية التي يبررون بها موقفهم الداعم للانقلاب.

وليس فيما ذهبنا إليه إدانة للفكر الليبرالي بالمطلق ولكنه إدانة للعلمانية المتغولة المتوحشة في النفوس التي تدثرت بدثار الليبرالية وهي منها براء.

والمطالع للمشهد يدرك اندهاش الليبراليين الغربيين من موقف أقرانهم في المشرق العربي الذين ظلوا ردحا من الزمن يقدمون أنفسهم على أنهم سدنة الفكر الليبرالي والحريات المطلقة والصندوق الانتخابي المقدس في المنطقة، فإذا بهم ينكصون ويحنثون.

وبالمقابل فإن التيار الإسلامي والذي كان ولا يزال صاحب الشعبية المطلقة في الوجدان والضمير الجمعي العربي المسلم تكشف عن عدة حقائق أولها سهولة استغلال الفكر المتنطع واستخدامه تارة في تشويه المشهد الإسلامي وتارة في المساعدة على انقسامه.

وأسوة بالليبرالية فقد ظهر منها من باع دينه بدنيا الانقلابيين بل وزايد على الليبراليين بتأليه على الله ورسوله وشرعنة الانقلاب بل والتمادي إلى شرعنة سفك الدماء ومباركة من يضغط على الزناد في سبيل الانقلاب وتثبيت دعائمه. وهنا يتفوق "المعمم" على الليبرالي بقدرته على استغلال ومداعبة الإرث الثقافي الإسلامي لدى المجتمع المسلم.

أما الإخوان المسلمون في مصر فهم كمن ملأ الدنيا وشغل الناس، فقد ظهرت قوة تنظيمهم السياسي على الساحة وأسقط في يد كل المتشدقين بالمسيرة والعملية الديمقراطية. وتحول الإخوان في نظرهم من تيار صاحب استحقاق انتخابي نجح في الانتخابات، ليصبح بالنسبة لهم مشكلة وعقبة كأداء تحول بينهم وبين طموحهم السياسي. وفي سبيل إزاحتهم تحالف الجميع ضدهم.

أما الكاشفة في هذه المسألة فهي أنهم لم يجدوا مناصا من التحالف مع عدوهم الذي ادعوا أنهم ناضلوا ضد هيمنته سنوات طوال. فإذا بهم، يعيدون تصويره باعتباره المنقذ المخلص لهم من هيمنة الإخوان على المشهد السياسي المصري.

وهذا التحالف والتحول السريع من العداء إلى الغرام السياسي بين قوى الليبرالية وقوى التنطع الإسلامي (التي تنسب نفسها زورا وبهتانا إلى السلفية) من جهة والعسكر من جهة أخرى يدل على حقيقة انتمائهم الكاذب لهذه المبادئ التي كانوا يتشدقون بها ويرفعون رايتها.

أما الإخوان الذين -كما ذكرت- ملؤوا الدنيا وشغلوا الناس، فلا شك أنهم استجلبوا معهم إلى دوائر السلطة إرثهم الفكري والثقافي والحزبي بكل ما في ذلك من إيجابيات وسلبيات، وبكل ما في ذلك من نجاحات وإخفاقات، بل وبكل ما في ذلك من تراكمات السنين التي عانوا فيها من القمع والتنكيل.

كان التقدير المسيطر على المشهد السياسي في وجدان الإخوان هو إنقاذ ما يمكن إنقاذه والحفاظ علي المكتسبات واستكمال المشوار من خلال المشروعية الدستورية وصناديق الاقتراع وليس من خلال الاجتثاث الكامل لسلطة الحزب الوطني وقياداته

ورغم القصور والإخفاقات في ظل ما سمي "حكم الإخوان" فقد كانوا ولا يزالون الأوفر حظا على الساحة السياسية وكانوا بحق الأجدر بالنجاح تنظيميا من حيث الرؤية والبرنامج الانتخابي وكان تفوقهم على سواهم من التيارات الأخرى تفوقا ملحوظا، إلا أنهم وبرغم هذا التفوق كانت لديهم إخفاقات يمكن تبرير بعضها ولكن من الصعب تبريرها جميعها.

لقد تعامل الإخوان مع المشهد الثوري بشكل فيه الكثير من التردد وعدم الرغبة في المجازفة إلا أن كوادرهم الشابة هي التي وضعتهم أمام الأمر الواقع لتحمل مسؤولية المحافظة على الحراك الثوري الذي بدأته حركة ٦ أبريل وصفحة كلنا خالد سعيد وغيرهم فنزل الإخوان إلى الساحة من خلال شبابهم ليدركوا سريعا أن الجميع قد التف حولهم باعتبارهم التيار الثوري الوحيد القادر على الحركة المنظمة والذي له إمكانيات تؤهله لحماية الميدان واستمرار الزخم الثوري فقبل الإخوان هذه المسؤولية في تلك اللحظة التاريخية وقادوا الحراك الثوري وحموه من استشراس سلطة مبارك وإن كان دخولهم إلى الميدان قد تأخر عن غيرهم من المبادرين إليه.

وما إن وجد الإخوان أنفسهم وراء عجلة القيادة بشكل قدري، حتى سيطرت عليهم مخاوف الماضي وآثاره، فكانوا الأقل مبادرة في رفع سقف المطالبات كما كانوا سباقين إلى تلقف كل يد تفهم أو سلام تمتد إليهم من قبل أعداء الأمس من أهل السلطة الحاكمة والعسكر وهو أمر اعتبره الثوريون خيانة لمسار الثورة في حين تقبله الإخوان على مضض باعتبارهم المعنيين بالمبادرات والأكثر عرضة للخسارة والتنكيل فيما لو اضطروا لمواجهة الآلة العسكرية بصدر عار وهم يشكلون القوة الضاربة في الميدان وعلى أرض الواقع وإن لم يكونوا كذلك على صفحات التواصل الاجتماعي.

وقد كان التقدير والعامل الرئيس المسيطر على المشهد السياسي في وجدان الإخوان هو إنقاذ ما يمكن إنقاذه والحفاظ على المكتسبات واستكمال المشوار من خلال المشروعية الدستورية وصناديق الاقتراع وليس من خلال الاجتثاث الكامل لسلطة الحزب الوطني وقياداته المدنية والعسكرية والأمنية.

والحق الذي يجب أن نصدع به هو أن هذا التقدير المؤلم على ما فيه من خنوع وضعف يظل تقديرا واقعيا. فلم يكن من الممكن وقتها تجييش الناس ضد قيادات الجيش أو القضاء الفاسد أو الإعلاميين المأجورين وإن حاولوا، فقد كان ذلك على وجه الحقيقة بعيد المنال ولا يمكن لأي مصري اليوم وهو يلوم على الإخوان تقاعسهم أن يجزم بأنهم أخطؤوا إذ لم يسيروا في هذا المسار الصدامي وقتها.

وفي خضم كل هذا الهرج والمرج كانت الدولة العميقة بكل مكوناتها الفاسدة لا تزال مسيطرة على مفاصل الدولة والحكم من وراء الكواليس فتحينوا الفرصة للانقضاض مرة أخرى، واكتشفت القوى المضادة للثورة سريعا أنها أمام تحقيق المناورات السياسية يصعب عليها إدراك مآربها والنجاح في تحقيق أهدافها.

نحو٥٠% من عامة الشعب يتصفون باللامبالاة أو بالخضوع والولاء لأي طرف ينجح في الوصول إلى الحكم، وهو ما يعطي شعورا كاذبا لدى المتربع على السلطة بالدعم الشعبي له، وهو شعور كما قلنا خداع وفي غير محله

ثم جاء الإخفاق الثاني للقوى المضادة للثورة عندما حاولت قوى الدولة العميقة إجهاض المرشحين المستقلين للرئاسة حين دفع الإخوان بشخصيات مستقلة ولكنهم اعتذروا لأسباب شخصية أو بسبب ضغوط الجيش عليهم، وتكشَف سريعا لدى الإخوان والقوى الثورية الأخرى، أن الدولة العميقة تدفع بأحد رجالاتها محاولة أن تقدمه باعتباره شخصية مستقلة ومقبولة فاضطر الإخوان للمنازلة والدفع بأحد كوادرهم مكرهين بعد أن تأكد لهم (إحصائيا وعمليا) أن باقي القوى والتيارات لا يمكن بحال أن تحظى بالدعم المطلوب لفوزها، وبالفعل تم الإنقاذ الثاني للثورة حيث كان موقف الإخوان في الميدان هو الإنقاذ الأول لها.

وبهذا نصل مع الثورة المصرية إلى سنة حكم الرئيس محمد مرسي حين تضافرت جميع الجهود، وتحالف الجميع على إفشاله وإعادة مصر إلى حظيرة الخنوع.

ورغم المؤامرات والرهان على فشل الرئاسة كانت النتائج الاقتصادية والاتفاقيات الدولية تُظهر أن مصر تسير في طريق يمكنها من الاستقلال بقرارها وبأن الرئيس المصري إن تُرك ليقضي فترته الرئاسية سيتمكن من إظهار إنجازاته وسيصعب على القوى المضادة للثورة استعادة السيطرة من خلال المناورات والمؤامرات السياسية وحدها. فشاء الله لمصر وللأمة، أن يتحرك قادة الجيش للانقلاب على الحكم بإرادة ربانية عظيمة ليكشف من خلالها عن الكثير من الأوجه المزيفة الإسلامية والليبرالية وطفو الكثير من العوالق والطفيليات التي كانت قابعة في أسفل مستنقع الدولة العميقة، وغيرها من مؤسسات الدولة الفاسدة كالقضاء والجيش والأمن والإعلام دون إغفال البعد الإقليمي والدولي في هذا التآمر.

أما وقد كان ما كان ولا تزال مصر والأمة من خلفها تتأرجحان بين الرجاء واليأس، فثمة قائل إن الأمر قد حُسم إلى غير رجعة وثمة من يتأمل ويتطلع إلى عودة الرئيس المغدور به محمد مرسي إلى كرسي الرئاسة، فإننا نقرر هنا بعض العلامات الفارقة التي تحكم طبيعة الحراك السياسي:

أولا: إن المجتمعات لا بد وأن تعاني على الدوام من حالة الاستقطاب السياسي سواء كان هذا الاستقطاب مرده المعتقد أو الفكر أو العنصر أو الاقتصاد. وفي هذا الإطار، فإن النسبة المؤثرة الصانعة لهذا الاستقطاب لا تتجاوز العشرة بالمئة لدى الأقطاب المتناقضة المتنافرة، وتبقى البقية الباقية غير الصانعة للحدث بين منحاز لقطب من الأقطاب وهم الأقل، وبين لا مبال بمن يحكمهم وهم الأغلبية الغالبة وهذه الأغلبية دائما ما تتأرجح بتأرجح المصلحة ترغيبا وترهيبا.

ثانيا: أما القطب المؤثر على الطرف الآخر من هذا الحراك فإنه يختلف اختلافا جوهريا عن غريمه، لأنه لا يملك محور ارتكاز أخلاقي أو عقائدي أو فكري أو سياسي ولكنه تجمع وتواطأ على حماية مصالحه ومكتسباته الخاصة من خلال تجسيد صورة للعدو الواحد الذي جسدوه في صورة الحكم الديمقراطي للدولة المدنية ذات البعد والمنهج الإسلامي.

ثالثا: ومن المسلم به في علم الانتخابات أن هناك قاعدة عريضة تضيق وتتسع بحسب الخلفيات الحضارية وولائها وانحيازها لمن تربع على الكرسي كائنا ما كان هذا الشخص. والعامل الرئيس في اتساع هذه القاعدة أو ضيقها هو طبيعة العلاقة بين الفرد والحكم عبر الحضارات فكلما كانت الدولة تتصف بالمركزية المطلقة وابتعاد الناس ترغيبا أو ترهيبا عن المشاركة في اتخاذ القرار اتسعت دائرة الولاء الأعمى للمنصب دون قيود فكرية أو عقائدية.

فإن قلنا (على سبيل المثال) إن العاملين في الحراك الشرعي هم 5% من الشعب المصري والمناصرين لهم 20% وكذا الحال لدى القطب المناوئ فإنه يبقى 50% من عامة الشعب يتصفون باللامبالاة أو بالخضوع والولاء لأي طرف ينجح في الوصول إلى الحكم، وهو ما يعطي شعورا كاذبا لدى المتربع على السلطة بالدعم الشعبي له، وهو شعور كما قلنا خداع وفي غير محله ولن تتغير هذه الظاهرة إلا بعد زمن من التفعيل الأخلاقي للمجتمع وإعادة انخراطه في العمل السياسي بأوجهه المختلفة.

إن حقيقة المعادلة في عناصرها البدائية تنحصر في أمرين لا ثالث لهما هما: الإمكانيات المادية من جهة، والإرادة وما يستتبعها من استعداد للتضحية من جهة أخرى.

لا شك أن استمرار وثبات داعمي الشرعية وامتصاصهم للضربات والصدمات المتتالية محليا وإقليميا أعاد المد الداعم والذي عززه الإحباط الشديد الذي سرى ويسري في أفراد القطب المناوئ للشرعية

ويبقى السؤال (ماذا بعد؟) ولا سيما أن الكثيرين قد أُصيبوا بالإحباط الشديد ولسان حالهم (أوذينا من قبل أن تأتينا ومن بعد ما جئتنا)، بل وذهب البعض منهم إلى جلد الذات واحتقار النفس.

ولا شك أن استمرار وثبات داعمي الشرعية وامتصاصهم للضربات والصدمات المتتالية محليا وإقليميا أعاد المد الداعم والذي عززه الإحباط الشديد الذي سرى ويسري في أفراد القطب المناوئ للشرعية والذي استنفد كل ما يملك من إمكانيات أمنية وقضائية وإعلامية واقتصادية دون أن تستقر له الأحوال أو تتوازن الحالة الاقتصادية فبدأ يفقد أنصاره ويأكل أفراده بعضهم بعضا.

وبالرغم من أن البعض يرى أن الشقة بعيدة والمنال أبعد في أن تعود الشرعية فإننا نرى أن وجود السيسي على رأس الهرم المصري يجعل منه هدفا سهلا لتلقى عليه جميع المثالب والملامة منذ الانقلاب وحتى اللحظة، خصوصا بعد أن أسهم شخصيا في انتزاع صلاحيات الرئيس من خلال الدستور الجديد وتسليمها على طبق من ذهب للمجلس العسكري، الذي لن يقبل باستمرار الحالة الراهنة ولا بد أن يُقدم على تغيير واجهة الحكم إذا ما دنا منه الخطر ورأى أن في تغيير هذه الواجهة حلا مناسبا في تقديره.

إن عودة الشرعية بقوة ضاربة أو عودتها على استحياء تحت رقابة وإشراف قوة عسكرية فتية من الجيش لا شك أنه سيكون اللبنة الأولى لاستعادة المبادرة وتحول الصراع بين أقطاب المجتمع من العنف الانقلابي والمواجهة العسكرية والأمنية، إلى صراع مدني برلماني وبداية طريق طويلة لتأسيس مجتمع ديمقراطي يحاكي طبيعة الصراع الذي قاده حزب العدالة والتنمية في تركيا من خلال البرلمان دفعا وجذبا.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك