منى عبد الفتاح

منى عبد الفتاح

كاتبة وصحفية سودانية


تاريخ الانتخابات
تعديل يفاقم الأزمة
إمّا الفراغ أو الفوضى

فضلا عن الأزمة الدستورية التي خلقت فراغا تشريعيا وسياسيا واقتصاديا في السودان، فإنّ حزب المؤتمر الوطني الحاكم يحاول أن يسدّ باب هذه الذرائع بمنح حكمه مشروعية شعبية وقانونية. وهذا الجهد المبذول يصبُّ في خانة الإعلان عن انتخابات تمَّ تحديد موعدها دون موافقة بقية الأحزاب السياسية الأخرى، مما يفتح باب الجدل على الحوار المتنادى له وجدواه السياسية.

ولما كان قانون الانتخابات السابق يحفل بالعديد من الأخطاء والعيوب، فقد تمّ تعديله دون الرجوع إلى مشورة بقية الأحزاب. وإن كان حزب المؤتمر الوطني الحاكم يراهن على ضعف القوى السياسية وما آل إليه وزنها التاريخي، فأيّ نجاح يُرجى من جدوى التعديل تحت ظل الضغط المتبادل وتعدد مراكز التأثير والتأثر، وتشرذم القوى السياسية. وهل بإمكان مبادرة الحوار الوطني المطروحة خدمة الوضع القائم حتى يتسنى للأحزاب المشاركة في الانتخابات.

تاريخ الانتخابات
تعدُّ الانتخابات المزمع تنظيمها في أبريل/نيسان 2015، الانتخابات التاسعة من نوعها في السودان، حيث شهدت البلاد تنظيم أول انتخابات برلمانية في العام 1953، قبيل الاستقلال بمشاركة خمسة أحزاب سياسية هي: الحزب الوطني الاتحادي، حزب الأمة، كتلة الجنوب، الحزب الجمهوري الاشتراكي، والجبهة المعادية للاستعمار. واستطاع الحزب الوطني الاتحادي الحصول على 51 مقعدا بأغلبية مطلقة خولته الحكم منفردا.

تعدُّ الانتخابات المزمع تنظيمها في أبريل/نيسان 2015، الانتخابات التاسعة من نوعها في السودان، حيث شهدت البلاد تنظيم أول انتخابات برلمانية عام 1953، قبيل الاستقلال بمشاركة خمسة أحزاب سياسية

قامت ثاني انتخابات في تاريخ السودان بعد الاستقلال 1956، وكانت في عام 1958 بمشاركة ستة أحزاب سياسية. ونص دستور السودان لعام 1956 على أن تستمر جميع أجهزة الحكم التي قامت بعد انتخابات 1953 -مثل البرلمان، ومجلس الوزراء، والهيئة القضائية، ولجنة الخدمة المدنية، والمراجع العام- حتى انتخاب الجمعية التأسيسية.

كانت تلك الانتخابات بداية لعهد الحكومات الائتلافية في السودان نتيجة لعدم حصول أي من الأحزاب الستة التي شاركت فيها على أغلبية مطلقة تؤهل أيّا منها لتشكيل حكومة منفردة.

أما الانتخابات الثالثة فقد كانت عام 1965 بمشاركة خمسة أحزاب سياسية هي: الحزب الوطني الاتحادي، وحزب الأمة، وجبهة الميثاق الإسلامي، والحزب الشيوعي السوداني، ومؤتمر البجة.

وكانت رابع انتخابات في تاريخ السودان عام 1968 بمشاركة 22 حزبا سياسيا وتجمعا إقليميا. وتوزعت الأصوات بين هذه الأحزاب، ولم ينفرد أيٌّ من هذه الأحزاب بأغلبية تمكنه من تشكيل الحكومة وحده.

أما خامس تجربة انتخابية فكانت هي آخر الانتخابات المحسوبة على التجارب الديمقراطية في السودان، وجاءت في العام 1986 بعد انتفاضة أبريل/نيسان 1985 التي أطاحت بنظام الرئيس السوداني الأسبق جعفر النميري الذي جاء إلى الحكم بانقلاب عسكري في الفترة ما بين 1969-1985.

وكانت أهم الأحزاب المشاركة في تلك الانتخابات التي تمَّ التعارف عليها بفترة الديمقراطية الثالثة هي: حزب الأمة، والحزب الاتحادي الديمقراطي، والجبهة الإسلامية القومية، والحزب القومي السوداني، وحزب البعث العربي الاشتراكي، والمؤتمر السوداني الأفريقي، والحزب الشيوعي السوداني. ولما لم يحصل أي حزب وحده على الأغلبية، وإنّما حصلت أحزاب: الأمة والاتحادي الديمقراطي والجبهة الإسلامية القومية على أعلى المقاعد في تلك الانتخابات، فقد تشكلت عدد من الحكومات الائتلافية خلال الفترة من 1986-1989.

أما بعد مجيء الإنقاذ فقد شهدت البلاد ثلاث انتخابات أقامها النظام الحاكم وقاطعتها المعارضة ووصفتها بالديكورية، ما عدا تلك التي شاركت فيها الحركة الشعبية لتحرير السودان الشريك في الحكم عام 2010 قبل انفصال جنوب السودان.

تعديل يفاقم الأزمة
أثبتت تجارب الانتخابات السابقة أنّ أي تعديل في قانون غير متفق عليه يخرج بعض القوى السياسية من الانتخابات، مثلما حدث في انتخابات 2010 التي أجريت وفقا لاستحقاقات اتفاقية السلام الشامل عام 2005، وخاضها كل من حزب المؤتمر الوطني الحاكم في الشمال والحركة الشعبية لتحرير السودان الشريك في الحكم في جنوب السودان.

على خلفية ممانعة وتعنّت البعض، رأى الحزب الحاكم أن أقرب وسيلة لجرِّ الأحزاب لمائدة الحوار بغرض إضفاء بعض الشرعية على انتخاباته القادمة، هي الزج بالقانون والحديث عن الانتخابات وفق سياسة الأمر الواقع

أعلن حزب الأمة القومي مقاطعة الانتخابات المقبلة بجانب أحزاب أخرى، مثلما قاطع انتخابات 2010، بعد إعلان رئيس الحزب الصادق المهدي خوضها وترشيحه للرئاسة. وكان حزب الأمّة قدّم قائمة بثمانية شروط للمشاركة في الانتخابات، منها التأجيل أربعة أسابيع وتمويل حكومي للأحزاب السياسية. ولما لم تتم تلبية شروطه رأى الحزب أنّها انتخابات زائفة، وخطا خطوة نحو قوى المعارضة الأخرى بتوقيع إعلان باريس في أغسطس/آب الجاري، مع الجبهة الثورية المعارضة والمكونة من الحركات المسلحة والحركة الشعبية لتحرير السودان قطاع الشمال.

ولما كان حزب المؤتمر الشعبي بقيادة حسن الترابي لا يجد بديلا لمبادرة الحوار التي طرحها الحزب الحاكم، فإنّه يُعتبر بمثابة تقارب بينه وبين حزب المؤتمر الوطني الحاكم، والذي يأتي خصما على حزب الأمة مما يعني إمكانية رضوخ الأخير أو مقاطعته الانتخابات نهائيا.

أمّا الحزب الاتحادي، فيرى أنّ تعديل قانون الانتخابات قد خلق أزمة سياسية في مسيرة الحوار الوطني، لأنّ المؤتمر الوطني أراد أن يكون التعديل وفقا لرؤيته وليس كما ترى بقية القوى السياسية. ووفقا لذلك فإنّ تعديل قانون الانتخابات يضع حدًّا للحوار الوطني.

وبعكس ترحيب حزب المؤتمر الشعبي بهذا التعديل على أنّه خطوة نحو الوحدة بين الأحزاب ذات الصبغة الإسلامية على حساب بقية الأحزاب الأخرى، فإنّ بقية الأحزاب ترى أنّ تعديل القانون يضع القوى السياسية بين خياري الحوار أو الانتخابات.

إمّا الفراغ أو الفوضى
الجدل الدائر الآن حول الانتخابات السودانية يتعلق باختلاف الأحزاب حول جدوى الحوار، ومن ثمّ جدوى الانتخابات نفسها، بسبب فقر سياسات الدولة لمبادئ الديمقراطية، ابتداء من إعادة تعيين رئيس لمفوضية الانتخابات بدلا عن انتخابه.

أما التعديلات التي تمّ إجراؤها على قانون الانتخابات فقد فجّرت عددا من علامات التعجّب حول جدوى الحوار الوطني، طالما أنّ الحزب الحاكم ما زال مصرًّا على قيام الانتخابات في موعدها دون انتظار نتائج الحوار وما سوف يتمخض عنه من تغييرات في بنية النظام الحاكم.

وبذا تكون القضية ليست في تغيير بعض مواد قانون الانتخابات وإنّما في تغيير القانون نفسه بسبب ما يعتريه من مشاكل كانت بحاجة إلى جلسات حلول متكاملة من المفترض أن تتفق حولها القوى السياسية ومنظمات المجتمع المدني.

إنّ التوقيت الذي قُدّمت فيه إجازة قانون الانتخابات بشكله المعدّل غير مناسب، خاصة مع انفراد المؤتمر الوطني بتعديله وتقديمه بدعوى عزوف الأحزاب عن الحوار الوطني ونفاذ جميع الخطط والإستراتيجيات الماضية في طريق الاستقطاب السياسي لإدخالها في الحوار.

وبعد هذه الممانعة والتعنّت رأى الحزب الحاكم أنّ أقرب وسيلة لجرّ الأحزاب لمائدة الحوار بغرض إضفاء بعض الشرعية على انتخاباته القادمة هي الزج بالقانون والحديث عن الانتخابات وفق سياسة الأمر الواقع.

تم كشف النقاب عن جزء فقط من التعديلات التي تم إجراؤها على 16 مادة من قانون 2008، وأبرزها هي: السماح للقوات النظامية بالمشاركة في الانتخابات، ومنع البرلمانيين من تقلد الوظائف الحكومية، وإسقاط مدة الثلاثة أشهر لإقامة الرحّل للمشاركة في العملية الانتخابية، ثم زيادة نسبة التمثيل النسبي من 40% إلى 50%.

وهذه الجزئيات المعلنة لم تكن محل خلاف كبير، خاصة الجزئية التي تُعنى بتكوين الهيئة التشريعية القومية والمجالس التشريعية فيما يلي التمثيل الجغرافي والنسبي للمرأة والأحزاب، بالنظر إلى بتر بعض التعديلات المهمة والخطيرة.

وما حظي بالنقد اللاذع هو تعديل التمثيل النسبي للمرأة والقوائم الحزبية المحددة في مشروع القانون بـ50% من الانتخاب على المستوى الولائي التي نصت عليها جميع قوانين الانتخاب السابقة.
إنّ التعديلات التي أجريت على قانون الانتخابات من قبل مجلس الوزراء هي التي ستحدد مستقبل الحوار بين المؤتمر الوطني والقوى السياسية، وستضع حدا للاستفهامات حول ما إذا كانت الانتخابات ستنظم في وقتها أم سيتم تأجيلها

واستطاعت المعارضة أن تستشفّ أن تعديل هذه الجزئية بالذات جاء بسبب خشية حزب المؤتمر الوطني الحاكم من السقوط في الانتخابات بعدد من الولايات، خاصة تلك التي ينعدم فيها الأمن بسبب النزاعات المسلحة. وهذا ما دعا إلى الإعلان عن تخفيض انتخاب النواب في الدوائر الجغرافية والذي كان محددا بـ60% في قانون 2008 إلى 50% لصالح زيادة نسبة التمثيل النسبي للمرأة والأحزاب السياسية.

إنّ التعديلات التي أجريت على قانون الانتخابات من قبل مجلس الوزراء هي التي ستحدد مستقبل الحوار بين المؤتمر الوطني والقوى السياسية، وستضع حدا للاستفهامات حول ما إذا كانت الانتخابات ستنظم في وقتها أم سيتم تأجيلها حسبما تنادي بذلك القوى المعارضة.

فمنذ النداء إلى الحوار ما برح المؤتمر الوطني يلمّح بإجراء الانتخابات في موعدها، الأمر الذي تتخوف منه المعارضة وترفضه، لأنّها ما زالت تتمسك بضرورة أن تجري الانتخابات في ظل وضع انتقالي، يمكّن من إقامة انتخابات حرة ونزيهة لا تشوبها عيوب انتخابات 2010، والتي اتهمت فيها المعارضة الحزب الحاكم باستغلال موارد الدولة في حملته الانتخابية، فضلا عن اتهامات أخرى بالتزوير مكنته من الهيمنة على نتائج الانتخابات.

كانت مطالب القوى المعارضة تتضمن إقامة وضع انتقالي يسبق الانتخابات العامة وهو ما رفضه حزب المؤتمر الوطني. وفي ظل تمسك كل طرف بموقفه ها هي الانتخابات تقترب دون الوصول إلى حلّ أو موقف متفق عليه مما يستدعي التفكير في طريق ثالث.

لو قدّر للانتخابات أن تنظم فستكون بأحزاب التوالي السياسي الضعيفة، وإن تم تأجيلها بواسطة القوى السياسية فإنّ حزب المؤتمر الوطني باقٍ في منصبه في الحالتين. وإزاء موقف الحزب الحاكم الذي لم يتغير منذ انتخابات عام 2010 وحتى هذا الإعلان، فإنّ تعذّر الخروج من أزمة الانتخابات والحوار توصل السودان إلى أحد طريقين، إمّا الفراغ الشامل أو الفوضى العارمة.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك