خليل العناني

خليل العناني

كاتب وباحث مصري


وسيط أم شريك بالعدوان؟
محددات الموقف المصري
مفاوضات بلا نتائج

أثار الموقف المصري من الحرب الإسرائيلية على غزة العديد من الإشكالات والتساؤلات حول حقيقته وطبيعته، وما إذا كانت القاهرة "وسيطا" نزيها قد يساعد على حل الأزمة أم أنها جزء أصيل منها ومعوقة لأي حلول قد يجري طرحها.

فقبل أيام غادر الوفد الفلسطيني المفاوض القاهرة بعد أن قضى فيها قرابة أسبوعين دون إحراز أي تقدم حقيقي، سواء فيما يخص إنهاء الحرب على غزة أو فيما يتعلق بإمكانية تحقيق المطالب المشروعة للفلسطينيين، وأهمها إنهاء الحصار على قطاع غزة.

وسيط أم شريك بالعدوان؟
منذ بداية الأزمة اتسم الموقف المصري بالتخبط والارتباك في إدارة الأزمة، وذلك بافتراض حسن النية. وقد بدأت ملامح هذا الارتباك منذ أن طرحت القاهرة مبادرتها للتهدئة بعد أيام من بدء العدوان على غزة، دون عرضها على الطرف الأصيل في الصراع وهو المقاومة الفلسطينية، وهو ما أثار شكوكا عديدة حول نزاهة الموقف المصري ومدى الاعتماد عليه كوسيط لإنهاء الأزمة.

ومع بدء العملية البرية الإسرائيلية بعد فشل القصف الجوي في تحقيق أهدافه، ومع صمود المقاومة الفلسطينية، تعرى الدور المصري بشكل فاضح إلى الدرجة التي تحدثت فيها وسائل الإعلام الإسرائيلية من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار بوضوح عن التورط المصري مع إسرائيل وسعيها إلى خنق وتقويض حركة المقاومة الفلسطينية (حماس).

كان تشدد الإدارة المصرية وإصرارها على عدم إدخال أية تعديلات على المبادرة التي طرحتها أمرا ملفتا للنظر ومستغربا، خاصة وأن الأوضاع على الأرض كانت قد تجاوزت بنود المبادرة وفرضت واقعا جديدا

وهو الأمر الذي لم تنفه القاهرة بشكل صارم، بل على العكس ساهمت الحملة التحريضية التي مارسها الإعلام المصري الرسمي والخاص ضد حركة "حماس" وأهل غزة في ترسيخ الانطباع بعدم حيادية الدور المصري في الأزمة.

وقد ترسخ هذا الانطباع بعد تشدد القاهرة ورفضها إدخال أية تعديلات على المبادرة التي طرحتها في بداية الحرب رغم المطالبات الدولية والإقليمية. ومع صمود المقاومة الفلسطينية على الأرض وزيادة التورط الإسرائيلي وارتفاع حجم الخسائر البشرية والمدنية في قطاع غزة، ازداد انكشاف الموقف المصري، خاصة في ظل عدم فتح معبر "رفح" بشكل كامل واقتصاره على السماح بمرور الحالات الحرجة التي تسقط نتيجة العدوان الإسرائيلي على القطاع.

وقد كان تشدد الإدارة المصرية وإصرارها على عدم إدخال أية تعديلات على المبادرة التي طرحتها أمرا ملفتا للنظر ومستغربا، خاصة أن الأوضاع على الأرض كانت قد تجاوزت بنود المبادرة وفرضت واقعا جديدا، في حين لم تتعاط مصر مع المطالب الفلسطينية المشروعة بقدر من الجدية والالتزام الذي يمليه عليها دورها كوسيط.

محددات الموقف المصري
لا يمكن فهم الموقف المصري من الحرب على غزة بعيدا عن أربعة محددات رئيسية، أولها الأزمة الداخلية في مصر وتحديدا العلاقة بين النظام السياسي الجديد برئاسة عبد الفتاح السيسي وجماعة "الإخوان المسلمين".

فالرجل جاء للسلطة على أرضية الصراع مع الإخوان والسعي لاستئصالهم والتخلص منهم، وهو ما انعكس على تعاطيه ونظرته لحركة "حماس"، لذا فهو لا يتعاطى معها باعتبارها حركة مقاومة وطنية وأصيلة وإنما بكونها مجرد فرع إقليمي لجماعة الإخوان. وهي نظرة قاصرة تكشف مدى سطحية الرجل وتهافت رؤيته حول المقاومة الفلسطينية والقضية برمتها، وهو ما جعله يرى فيها مجرد خطر وتهديد أمني بحت، مما انعكس على الموقف المصري خلال الأزمة الحالية.

وكان التوتر بين الدولة المصرية وحركة "حماس" قد بدأ بعد قيام ثورة الخامس والعشرين من يناير، وصعود نبرة الاتهامات السخيفة التي أطلقها إعلام الدولة العميقة والثورة المضادة ضد حركة "حماس" حول دورها في الثورة، وهي الاتهامات التي وصلت أحيانا حد الابتذال والسخرية واللامعقول.

وقد ازداد هذا الهوس والتشكيك تجاه "حماس" بعد انقلاب يوليو/تموز 2013 وانتقل إلى الموقف الرسمي، وهو ما برز بوضوح في أمرين: أولهما حملة هدم وإغلاق الأنفاق الحدودية بين مصر وقطاع غزة وزيادة الحصار على القطاع الذي اتسع بشكل غير مسبوق. وثانيهما الاتهام الذي وجهه القضاء المصري لحركة "حماس" واعتبرها حركة إرهابية مطالبا بغلق مقراتها (غير الموجودة أصلا) وتجميد أنشطتها في مصر. لذا كان من الطبيعي أن تتوتر العلاقة بين الطرفين في أول احتكاك مباشر بينهما، وهو ما جسدته بوضوح الأزمة الحالية.

المحدد الثاني هو التحالف الإقليمي الداعم للنظام الحالي في مصر، وهو تحالف يخوض حربا "وجودية" مع تيارات وقوى الإسلام السياسي في المنطقة وفي القلب منها جماعة "الإخوان المسلمين".

المحدد الثاني للموقف المصري من حرب غزة هو التحالف الإقليمي الداعم للنظام الحالي في مصر، وهو تحالف يخوض حربا وجودية مع تيارات وقوى الإسلام السياسي في المنطقة، وفي القلب منها جماعة الإخوان المسلمين

هذا التحالف يتعاطى مع السيسي ومن خلفه مؤسسات الدولة المصرية، خاصة الجيش المصري، كما لو كانت "حصان طروادة" في المواجهة مع الحركات الإسلامية في المنطقة، ويضغط بكل قوة كي لا تستعيد هذه الحركات توازنها أو تكتسب أرضية جديدة. ويعد هذا الأمر جزءا وشرطا أساسيا في "الصفقة" أو الاتفاق غير المكتوب بين الطرفين منذ انقلاب الثالث من يوليو/تموز في مصر، والذي بمقتضاه تتحول مصر إلى "شرطي المنطقة" الذي يتم استخدامه يمينا ويسارا.

هذا التحالف ضيَّق خيارات ومساحة الحركة أمام الدبلوماسية المصرية وجعلها أسيرة لنظرة ضيقة لا تفرق بين القضية الفلسطينية، كقضية عربية أصيلة وإحدى الثوابت التاريخية، وفصائل المقاومة.

وقد ازداد الأمر سوءا مع صعود "اليمين الشوفيني" المتطرف في مصر الذي هاجم المقاومة الفلسطينية بضراوة شديدة أكثر مما فعل مع العدو الإسرائيلي، وهو ما انعكس على موقف الأجهزة المصرية المعنية بإدارة الأزمة ووضعها تحت ضغوط ومزايدات إعلامية كثيرة، وذلك بافتراض حسن النية في عمل هذه الأجهزة، وهو أمر يبدو مستبعدا في هذه المرحلة.

أما المحدد الثالث فهو الحرب الإقليمية الباردة التي تدور رحاها في المنطقة العربية منذ بداية "الربيع العربي" وزادت حدتها بعد انقلاب الثالث من يوليو/تموز 2013. فالقاهرة تعتقد أن ثمة محاولة من أطراف عربية (قطر) وإقليمية (تركيا) للقفز على دورها في المنطقة، خاصة فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية.

وبغض النظر عن مدى صحة هذا التصور من عدمه، فإنه خلق حاجزا نفسيا وسياسيا لدى القاهرة جعلها تخلط الأوراق ببعضها البعض بشكل مراهق وغير محسوب، وهو ما يفسر أولا تعنت القاهرة وتمسكها بالمبادرة التي طرحتها في بداية الحرب على غزة، وعدم قبول أية مبادرة بديلة حتى لو جاءت من حلفاء آخرين كما حدث مع مبادرة "جون كيري".

ثانيا إصرارها على عدم قبول أي حل للأزمة خارج إطار المبادرة، وأن تكون هي الوسيط الرئيسي في الأزمة، وذلك رغم توتر علاقتها بالمقاومة الفلسطينية وافتقادها للقدر المطلوب من النزاهة والاعتدال والمرونة.

أما المحدد الرابع، وربما الأهم، فهو التحول في موقف الأجهزة السيادية المصرية المسؤولة عن ملف التفاوض بين الفلسطينيين والإسرائيليين، وهو تحول بدأ بعد ثورة يناير وترسخ خلال الأعوام الثلاثة الماضية.

وربما كان لتغيير قيادة جهاز المخابرات العامة المصرية بعد الانقلاب دور في هذا التحول، وهو ما انعكس على التعاطي مع الأزمة الحالية. فالرئيس الحالي للجهاز هو اللواء محمد فريد التهامي وهو من المحسوبين على تيار الصقور داخل الدولة المصرية، ولديه موقف سياسي وأيديولوجي مناهض للإسلاميين بوجه عام ولجماعة الإخوان المسلمين بوجه خاص.

وحسب تقارير غربية، فإن التهامي كان من أهم المؤيدين لاستخدام الحل الأمني والعسكري مع جماعة الإخوان ومن المدافعين بقوة عن فض اعتصامي جماعة الإخوان بميداني "النهضة" و"رابعة العدوية" من خلال القوة وليس التفاوض، وهو ما أسفر عن المذبحة الشهيرة التي راح ضحيتها المئات حسبما ورد في التقرير الأخير لمنظمة "هيومان رايتس ووتش"، الذي وضع التهامي ضمن قائمة العشرة المتورطين في المذبحة، والتي تضم السيسي ووزير داخليته محمد إبراهيم.

من هنا فإنه لا يمكن تجاهل التوتر في علاقة التهامي بحركة "حماس"، وذلك على عكس أسلافه خاصة عمر سليمان الذي كان يحتفظ بعلاقة جيدة مع كافة فصائل المقاومة الفلسطينية بما فيها حركة "حماس" طيلة عهده كرئيس للمخابرات العامة المصرية. وقد تعمقت هذه الشكوك بعد الزيارة السرية التي قام بها التهامي لتل أبيب قبل يوم واحد فقط من بدء العدوان على غزة ولم يتم كشفها إلا من خلال الإذاعة الإسرائيلية.

مفاوضات بلا نتائج
في ظل هذا الوضع المعقد، وفي ظل الهواجس والشكوك المتبادلة بين الطرفين المصري والفلسطيني خاصة من جانب حركة "حماس"، كان منطقيا أن تتسع فجوة الثقة. وقد آثرت المقاومة الفلسطينية عدم الدخول في صراع مع الطرف المصري، واضطرت للقبول به كوسيط أولا من أجل إذابة جبل الجليد في العلاقة وإبراز حسن النية، وثانيا من أجل تفويت الفرصة على التصيد والمزايدات الداخلية والخارجية التي قد تعقد الأزمة وبالتالي زيادة معاناة الفلسطينيين في القطاع.

لذا فقد سافر وفد فلسطيني ممثلا لكثير من الفصائل الفلسطينية -بما فيها حركة "حماس"- إلى القاهرة من أجل التفاوض حول إنهاء الحرب ووقف إطلاق النار، وهو ما استمر لحوالي أسبوعين دون التوصل إلى نتيجة حقيقية. وقد خاض الطرف الفلسطيني مفاوضات شاقة، وصفها عزت الرشق، القيادي في حماس وأحد المشاركين في المفاوضات، بأنها "معركة شرسة" من أجل تثبيت الحقوق الفلسطينية في أي عملية تفاوضية مع إسرائيل.

وتتمثل نقاط الخلاف التي هيمنت على مفاوضات القاهرة في عدة أمور بعضها مصري فلسطيني، وبعضها الآخر بين المقاومة وإسرائيل.

أولا فيما يخص الخلاف المصري الفلسطيني، ترى القاهرة أن أية مفاوضات يجب أن يسبقها وقف إطلاق النار، وهو موقف يتماشى مع الموقف الإسرائيلي ومعه بقية المواقف الغربية خاصة أميركا وفرنسا، وكان عجيبا إصرار الطرف المصري -الذي يفترض أنه يلعب دور الوسيط- على هذا المطلب دون الاستماع للطرف الفلسطيني.

ثمة شعور متزايد لدى كثيرين برغبة نظام السيسي في عدم السماح لحماس بتحقيق مكاسب وترجمة صمودها العسكري في القطاع إلى واقع جديد قد يمنحها شعبية وشرعية واسعة وتمثل إحراجا له ولمن يدعمونه في المنطقة

وقد انعكس هذا الموقف على رؤية كل طرف لإنهاء الأزمة. ففي الوقت الذي تسعى فيه القاهرة إلى تأجيل التفاوض حول القضايا الأساسية مثل إنهاء الحصار وإقامة مطار وميناء غزة لحين تثبيت الهدنة ووقف الحرب، فإن الأطراف الفلسطينية ترفض ذلك بشكل صريح لأسباب منطقية ومفهومة ليس أقلها عدم الثقة في وفاء الطرف الإسرائيلي بالتزاماته، وهو ما يعني عمليا العودة إلى وضع مع قبل العدوان الأخير وكأن شيئا لم يحدث.

الأمر الثاني يتعلق بإدارة معبر رفح، ففي الوقت الذي تسعى فيه المقاومة الفلسطينية إلى فتح كامل ودائم للمعبر، فإن مصر تصر على أن يكون ذلك وفق شروط ومواعيد محددة تراعي "اعتبارات الأمن القومي المصري"، وهي عبارة غامضة وفضفاضة تساهم في تجذير عدم الثقة مع الطرف الفلسطيني.

أما فيما يخص نقاط الخلاف مع إسرائيل فهي تتمثل في فتح المعابر التي تم النص عليها في اتفاقية 2005، وإنشاء مطار وميناء بحري في غزة فضلا عن توسيع مناطق الصيد وتضييق الشريط الحدودي مع قطاع غزة.

فإسرائيل ترفض مناقشة هذه القضايا، على الأقل قبل أن يتم تثبيت وقف إطلاق النار والاتفاق على هدنة طويلة، ناهيك عن مطالبة إسرائيل بوجود إشراف ورقابة على عمليات إعادة إعمار قطاع غزة.

كما تطالب تل أبيب بضرورة نزع سلاح قطاع غزة وهو الأمر الذي ترفضه كل فصائل المقاومة الفلسطينية بشدة وتعتبره خطا أحمر وغير خاضع للتفاوض. وتعد هذه القضايا أمورا حيوية للمقاومة الفلسطينية خاصة بعد الثمن الكبير الذي تمّ دفعه طيلة العدوان على غزة، وأي تراجع عنها أو تنازل سوف يؤثر سلبا على شرعيتها وصورتها.

وحسب تقارير متواترة، فقد ضاقت الفجوة نسبيا بين الطرفين المصري والفلسطيني خلال مفاوضات القاهرة خاصة فيما يتعلق بمسألة التهدئة والتفاوض، حيث أبدت القاهرة تفهما لموقف المقاومة وإن طرحت تأجيل مسألتي الميناء والمطار لمدة شهر بعد تثبيت الهدنة. كما رفضت القاهرة، بحسب تصريحات قيادات فلسطينية، طرح مسألة نزع سلاح المقاومة على مائدة التفاوض. أما فيما يخص معبر رفح فلا تزال المسألة غامضة وربما تتم مناقشته بشكل ثنائي بعد انتهاء الحرب.

ورغم ما سبق، فإن ثمة شعورا متزايدا لدى كثيرين برغبة نظام السيسي في عدم السماح لحركة "حماس" بتحقيق مكاسب سياسية حقيقية وترجمة صمودها العسكري في القطاع إلى واقع جديد قد يمنحها شعبية وشرعية واسعة وتمثل إحراجا له ولمن يدعمونه في المنطقة، وهو ما ستكشف عنه الأسابيع القليلة المقبلة.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك