زياد منى

زياد منى

كاتب فلسطيني

غَزة شجرة سنديان لا تنحني، ووردة لا تذبل، وشوكة عصية على الكسر. غزة، دماؤها تنتصر على السيف والسياف.

غزة أو عَزة، كما عُرفت في لسان كنعان، اقرأها كما شئت، تختصر صفاتها، فقد أطلق عليها قدماء المصريين اسم بوابة كنعان. فمصر، منذ البدايات، إلى آخر قائد من أبنائها البررة، كانت تنظر إليها حيث تشرق الشمس.

من أراد دخول مصر، كان عليه المرور بغزة، وعندما نظرت مصر إلى بلاد الشام، كانت غزة بوابتها. هكذا يختصر تاريخ طويل، يمتد إلى أكثر من خمسة آلاف عام، في تاريخ هذه المدينة الصامدة، هي وشقيقاتها في القطاع المحاصر.

بناها قدماء المصريين قلعة لحماية البلاد من الغزاة، وقاعدة للانطلاق نحو بلاد الشام وساحلها. وكانت أيضا طريق مرور القوافل التجارية الآتية من الساحل الشامي.

غزة عرفت كل ممالك العصور القديمة، مارون ليس غير!، قدماء المصريين والفرس والآشوريون والبابليون والإغريق والرومان، ومن جاء من بعدهم. كانوا جميعهم عابرين في تاريخها. كل الغزاة عملوا على تدميرها، علهم يستبدلون بتاريخها الحقيقي تاريخا مزيفا. لكن عندما أتاها العرب، بقيادة كل من خالد بن الوليد وعمرو بن العاص، وضموها للخلافة الراشدة في عهد الخليفة الأول، لم يمسسها أي أذى. حتى من حارب من أهلها إلى جانب البيزنطيين نالوا الحرية.

من غزة انطلق العمل الفدائي أيام الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، وبقيادة الشهيد مصطفى حافظ، أحد ضباط الجيش المصري الذي انتدبه الرئيس الراحل لإطلاق العمل الفدائي ضد إسرائيل

منذ ذلك الحين، في عام 637 ميلادية، إلى يومنا هذا، كسبت المدينة، كما الإقليم كله، هويته العربية. جاء من جاء ورحل من رحل من الغزاة، لكنهم جميعهم بقوا كلمات باهتة في تاريخ ثري، وهويتها العربية بقيت مستمرة منذ القرن السادس قبل الميلاد، كما كتب أبو التاريخ هيرودت.

غزة أيضا جاءها من جاء، كما قال الشاعر تميم البرغوثي عن القدس: الزنجُ والإفرنجُ والقِفْجَاقُ والصقْلابُ والبُشْنَاقُ والتتارُ والأتراكُ، أهلُ الله والهُلاك، والفقراءُ والملاك، والفجارُ والنساكُ.

كلهم رحلوا، تركوا حجرا هنا وهناك، لا أكثر. وحدها بقيت. لكن هاشم بن عبد مناف، جد النبي الأعظم، أقام فيها، وفي ثراها دفن، فاستحالت غزة هاشم.

وأول أساقفتها، فيلمون، كان من حواريي عيسى بن مريم الاثنين والسبعين، ولذلك يقال عن حق: في غزة أبنية حجارتها اقتباسات من الإنجيل والقرآن.

جمال عبد الناصر ارتبط فكره بفلسطين، وبالجمع بين تحرير بلاده مصر وفلسطين فيها، وتحديدا في بلدة الفلوجة الفلسطينية القريبة من غزة.

غزة عِزة عصية، كما نراها اليوم، وكما رأيناها من قبل. منها انطلق العمل الفدائي أيام الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، وبقيادة الشهيد مصطفى حافظ، أحد ضباط الجيش المصري الذي انتدبه الرئيس الراحل لإطلاق العمل الفدائي ضد إسرائيل، والذي أوقع وقتها في صفوف العدو أكثر من ألف وأربعمائة قتيل.

عندما احتل الإسرائيليون العنصريون قطاع غزة في عام 1956 إبان العدوان الثلاثي، وجدوا صورة مصطفى حافظ معلقة في البيوت والمقاهي والمحال التجارية. هو العقيد مصطفى حافظ مدير المخابرات العسكرية المصرية في قطاع غزة وأحد الضباط الأحرار: أمر عبد الناصر بشن حرب الفدائيين من القطاع في ربيع 1955 وتواصلت حتى أكتوبر/تشرين الأول 1956 ونالت من إسرائيل بطولها وعرضها ولم تتوقف إلا بسبب العدوان الثلاثي.

عاونه العقيد صلاح مصطفى الملحق العسكري المصري في الأردن، الذي قاد حملة فدائيين مماثلة انطلقت من الضفة. كانت حصيلة أعمال الفدائيين 1400 قتيل للعدو، كلفت موشي شاريت رئيس الوزراء حينئذ منصبه، ومن ثم اتخذ بن غوريون مع وزارته قرار الحرب على مصر في غضون عام، مما دفع إسرائيل للإسراع في سبتمبر/أيلول 1956 لعرض خدماتها على بريطانيا وفرنسا بالاشتراك في عدوانهم على مصر الذي كان هدفه القضاء على نظام جمال عبد الناصر.

مطالع يوليو/تموز 1956 وصلت يد الموساد الى العقيدين مصطفى وصلاح بالاغتيال عبر الطرود المتفجرة، ونعاهما عبد الناصر في خطاب التأميم : 26 يوليو/تموز.

ما من قائد اقترب من فلسطين إلا واعتز، وما من قائد تنكر لفلسطين أو ابتعد عنها أو تهرب من الالتزام بقضيتها إلا واهتز وتعثر وانهار، ومسحت كتب التاريخ أحرف اسمه وألقابه ونياشينه الصدأة

المصريون يتذكرون أن كمين القوات المظلية الصهيونية للجيش المصري في 28 فبراير/شباط 1955 في خان يونس، الذي تمكن فيه الصهاينة من قتل وجرح أكثر من سبعين من أفراد الجيش المصري البطل، كانت نقطة تحول في تاريخهم المعاصر، كما في تاريخ الأمة كلها، إذ أطلق سلسلة من الديناميات والتداعيات أدت، كما يعرف الجميع، إلى إطلاق المد القومي العربي الذي توجته وحدة مصر وسوريا عام 1958، والذي انتصر لثورات الاستقلال والتحرر في الجزائر والعديد من أقطار الأمة وامتد إشعاعه ليصل إلى بلدان أفروآسيوية وأميركية جنوبية.

إذلال غزة كان هدفه قتل مصر يوليو، مصر عبد الناصر عن طريق إجباره على الانضمام إلى حلف عسكري غربي وعقد صلح مع العدو. عبد الناصر رفض ذلك وأصر وقتها على تطبيق قرار الأمم المتحدة رقم 181، مما دفع واشنطن، وعبر تل أبيب، إلى إطلاق غارة غزة.

عبد الناصر كان رده مزدوجا: أطلق حرب الفدائيين من قطاع غزة بمشاركة من الضفة، دامت عاما ونصف، ثم سعى إلى السلاح السوفياتي وناله.

أنفاقك يا غزة منارات مضيئة نحو فلسطين ونحو مستقبل عربي أفضل. مداخل أنفاقك ومخارجها شعلة ضوء لكل من يبحث عن طريق المجد الوطني.

دماؤك يا غزة لا تنزف. لا. فرضع غزة وأطفالها ونساؤها ورجالها وشيوخها يتبرعون بدمائهم لِمَن مِن أمة العرب في عروقهم جفت الدماء، والأحاسيس.

غزة، فيك يختصر في هذه الأيام اسم وطننا فلسطين. أنتِ رايتنا وأنت علمنا، على قمة الجبل نهتدي به طريقا للتحرير والعودة وهزيمة للمعتدين العنصريين.

يا غزة، أيتها العِزة، ما من قائد اقترب من فلسطين إلا واعتز، وما من قائد تنكر لفلسطين أو ابتعد عنها أو تهرب من الالتزام بقضيتها إلا واهتز وتعثر وانهار، ومسحت كتب التاريخ أحرف اسمه وألقابه ونياشينه الصدأة، التي تملأ الكتب والأسفار. غَزة أو عَزة، اقرأها كما شئت، تبقى الشوكة والعزة.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك