سامح راشد

سامح راشد

باحث وخبير في الشؤون الإقليمية


الإسلاميون والسلطة
الاصطفاف الإقليمي
الجهادية العائدة

في مرحلة الربيع العربي كان الشرق الأوسط منقسما بشأن الثورات والموقف منها، والعلاقة الجدلية مع القوى العالمية وبعض القوى الإقليمية خصوصا إسرائيل وإيران. كما كان للتنازع بين التيارات الدينية والقوى الفكرية الأخرى (الليبرالية، واليسارية..) نصيب كبير من تفاعلات واستقطابات تلك المرحلة.

بعض تلك القضايا لا تزال محل خلاف وتنازع، مثل العمل على استكمال الربيع العربي وإنجاحه، مقابل السعي إلى القضاء عليه تماما. وهو تنازع أكثر حضورا ووضوحا في النطاق الداخلي، بينما التجاذبات الإقليمية حوله فقدت كثيرا من زخمها. أما حركة التفاعلات الإقليمية فتشهد مدخلات مختلفة، بعضها جديد مستحدث وبعضها قديم مُستعاد.

الإسلاميون والسلطة
تحول ما كان يُعرف بالإسلام السياسي من الاكتفاء بلعب دور محدود في الحياة السياسية، إلى نزوع نحو الحكم والسلطة، بل والوصول إليها فعليا. وأدى ذلك إلى ردود فعل رافضة في الدول التي لم يطلها الربيع العربي، فضلا بالطبع عن القوى والنظم القديمة التي أُطيح بها في دول الربيع العربي.

تحول ما كان يُعرف بالإسلام السياسي من الاكتفاء بلعب دور محدود في الحياة السياسية، إلى نزوع نحو الحكم والسلطة، بل والوصول إليها فعليا. وأدى ذلك إلى ردود فعل رافضة في الدول التي لم يطلها الربيع العربي

وفى المقابل لوحظ وجود دعم ومساندة من أطراف داخلية وإقليمية لذلك التوجه الإسلامي نحو السلطة، فتحول الأمر إلى استقطاب حاد بين تأييد ورفض ذلك الإسلام السياسي، أو بالأحرى "السلطة الإسلامية".

وسيستمر هذا الاستقطاب لفترة قد تمتد لعدة سنوات مقبلة في ظل عدم قدرة القوى الإسلامية والأطراف الداعمة لها على فرض هيمنتها وإحكام السيطرة على السلطة والحكم. وفى الوقت ذاته عجز القوى الرافضة لها عن القضاء عليها أو ضمان عدم وصولها للسلطة مجددا.

ويزيد الصراع تعقيدا وصعوبة، انتقاله من مربع السياسة والآليات السلمية، إلى العنف واستخدام القوة المسلحة. والنتيجة أن التنازع الإقليمي حول الإسلاميين (السلطويين تحديدا) أصبح يتلحف برداء الأمن الوطني ويتمثل مقوماته وتهديداته.

وبغض النظر عن صحة أو خطأ ذلك الالتباس، فالحاصل أن حملة الخلط المتعمد بين قوى الإسلام السياسي وجماعات العنف قد تطورت من إعلامية إلى سياسية ثم أمنية. فصار الإخوان، مثلا، بل ومن ناصرهم، صنوا للعنف والإرهاب في سياسات القوى والدول الرافضة لأي سلطة ذات مرجعية إسلامية. وبينما جوهر الصراع هو الإسلاميون والحكم، بات مظهره مواجهة بين الاستقرار والأمن مقابل العنف والإرهاب.

الاصطفاف الإقليمي
طوال السنوات بل العقود التي سبقت الربيع العربي، استقرت الموازين الإقليمية بشكل شبه ثابت بين مجموعتين أساسيتين متناقضتين، وثالثة تتحرك بينهما:

المجموعة الأولى تضم مصر والأردن ودول الخليج والجزائر والمغرب وتونس، وتضم الثانية إيران وسوريا والعراق والسودان وليبيا، وبينهما دول وأطراف لها مواقف متحركة مثل لبنان واليمن وحركة حماس وتركيا.

التوازن بين هذه المجموعات اختل مع الربيع العربي، ولم تُتح الفرصة لبلورة وضع إقليمي جديد قبل أن ينتكس ذلك الربيع، وتظهر حالة اصطفاف جديدة في الإقليم مع بعض الاختلافات في تركيبة كل مجموعة، وفى ديناميكية وحدة التنافس.

في نطاق التركيبة يمكن ملاحظة خروج قطر من المجموعة الأولى وكذلك تونس، بينما انضمت تركيا وليبيا إلى دول المجموعة الثانية. كما أصبح التوافق داخل كل مجموعة جزئيا وأحيانا مرحليا، والمثال الأوضح على ذلك هو التوافق السعودي المصري، الذى استُعيد بعد 3 يوليو/تموز 2013 لكنه عاد جزئيا.

فالاتفاق حول الوضع الداخلي في مصر وعلى العمل ضد الإسلاميين وداعميهم، لم يحُل دون تباعد المواقف بشأن العراق ومستجداته، بل إن المساعدات الاقتصادية السعودية لمصر تبدو في اللحظة الراهنة محل مراجعة، متأثرة بالموقف المصري من الوضع العراقي.

وإذا كان هذا هو حال العلاقات البينية داخل المعسكر الواحد، فإن الصورة تبدو أوضح كثيرا بين المعسكرين المتقابلين. فالتوافق الضمني على تثبيت مناطق النفوذ انتهى تلقائيا مع هبوب رياح الربيع العربي، ولا تزال تلك الرياح تعصف بما تبقى من دول ذلك الربيع وتصل أصداؤها إلى دول أخرى مثل العراق والسودان فضلا عن اليمن التي يتغير منحنى التوتر الداخلي فيها صعودا وهبوطا وفق اعتبارات وعوامل إقليمية أكثر منها داخلية.

رغم أن ظاهرة الجهاد الإسلامي لم تختف يوما من العالم، فإنها عادت أخيرا لتتركز في الشرق الأوسط داخل أكثر من بؤرة، والجديد ليس الانتشار الأفقي بامتداد المنطقة وحسب، لكن أيضا التزايد الكمي في أعداد الجهاديين والتنوع الكيفي في انتماءاتهم

ومن السهولة بمكان العثور على قاسم مشترك في تلك الحزمة من التفاعلات المتضاربة والمتقاربة، وهو العامل الإيراني، فطهران حاضرة في كل تلك الاصطفافات سواء بشكل مباشر كطرف فاعل أصيل كما في العراق واليمن وسوريا ولبنان، أو بشكل غير مباشر كطرف مُستهدف أو منافس إقليمي كما في حسابات العلاقات السعودية المصرية، والقطرية السعودية، والعراقية العربية بشكل عام.

هناك، إذن، ثلاثة مستويات للتنافس والتصارع الإقليمي: المستوى الأول بين مجموعات كلية متوافقة في العموم، وقد اختلفت تركيبتها عما كانت عليه قبل الربيع العربي. وهذا المستوى هو الأقل تماسكا بفعل التباينات الداخلية وتسارع المتغيرات الحاكمة لمواقف أعضائها.

المستوى الثاني هو التنافس والتنازع داخل كل مجموعة سواء على قيادة المجموعة أو بسبب خلافات ثنائية مباشرة، وهو ما يتجسد بجلاء في التوتر القطري السعودي، الذى تفجر بسبب الموقف من الوضع في مصر، غير أن أبعاده أوسع نطاقا. فتعود في جذورها إلى الملف السوري، وقبله العلاقة مع إيران، وخلف كل ذلك التنازع على قيادة التحركات الخليجية في المنطقة.

المستوى الثالث هو التنافس الفردي الحر، غير المقيد بروابط أو ارتباطات مع أطراف إقليمية أخرى. وإن كان يؤدى بذاته إما إلى ارتباطات أو إلى خلافات مع الدول المعنية. مثال ذلك، التحركات المصرية في الجوار الحيوي المباشر كما بالنسبة لليبيا أو جنوب السودان، إذ تنطلق القاهرة في هذين الملفين من حسابات أمنية وسياسية فردية تماما، في حين تتقاطع تحركاتها مع مواقف أطراف أخرى سلبا أحيانا وإيجابا أحيانا أخرى.

وينطبق النمط ذاته على المواقف الأردنية من الملف العراقي وتطوراته المتلاحقة. وأخيرا حسابات تركيا بالنسبة لما قد تؤول إليه أوضاع العراق وتحديدا ما يتعلق منها بمصير كردستان. في كل تلك الحالات المنطلق قُطري بالأساس لكن التداعيات والتقاطعات إقليمية.

الجهادية العائدة
رغم أن ظاهرة الجهاد الإسلامي لم تختف يوما من العالم، إلا أنها في الأشهر الأخيرة عادت لتتركز في الشرق الأوسط داخل أكثر من بؤرة، من مالي غربا مرورا بليبيا وسيناء وسوريا إلى العراق شرقا، والجديد ليس الانتشار الأفقي بامتداد المنطقة وحسب، لكن أيضا التزايد الكمي في أعداد الجهاديين والتنوع الكيفي في انتماءاتهم.

فالآلاف منهم ينحدرون من أصول وجنسيات أوروبية وغربية، ويترافق مع تلك الظاهرة تصاعد انتشار السلاح في المنطقة. وبعد أن كان تهريب الأسلحة عبر ليبيا ومن داخلها إلى الدول المجاورة أمرا معروفا ومسكوتا عنه، أصبح هاجسا إقليميا مع توافر الأيدي التي يمكنها استخدام تلك الأسلحة.

والنتيجة أن العنف المسلح العابر للحدود صار يمثل محورا أساسيا في الاصطفاف الإقليمي، وذلك حسب موقف كل دولة، ليس إزاء الظاهرة بحد ذاتها، وإنما إزاء الأهداف والأغراض التي تستهدفها.

فاستخدام العنف في سيناء أو مناطق مصرية أخرى "إرهابٌ" ينبغي القضاء عليه، أما ما تشهده بعض المناطق العراقية من قتل على الهوية أو تهجير لمجموعات سكانية بعينها أو الاستيلاء على مؤسسات بالقوة، ثورة ضد حكومة المالكي (الطائفية). وهكذا تغلب النسبية والسببية على التقييمات الإقليمية، وبالتالي الاصطفاف وراء أو في مواجهة تلك الظاهرة.

وتجسد الحالة السورية نموذجا لتلك الالتباسات في التوصيف والتعريف، إذ تشهد ساحة القتال ضد النظام السوري أطيافا متدرجة في استخدام العنف من جماعات مسلحة بعضها لا يحمل الطابع الإسلامي بالمرة، مثل فصائل الجيش السوري الحر، إلى جماعات تكفيرية جهادية مثل داعش والنصرة، وبينهما درجات متفاوتة في التشدد وأيضا في التسلح والتمسك بالمرجعية الإسلامية في قتال الأسد.

يمكن استخلاص أن الحراك الإقليمي في المنطقة ناجم عن ديناميكية القضايا والمحاور محل الاستقطاب الحاصل، وهو ما يعني أن خارطة الشرق الأوسط ستشهد مزيدا من التحول والتبدل في تحالفاتها وأيضا في صراعاتها

وبالقدر ذاته من الالتباس جاءت مواقف دول المنطقة إزاء دعم أو تأييد أو غض الطرف عن تلك الجماعات. ورفض بعضها ومساندة البعض الآخر دون وضوح معايير الرفض أو التأييد. بل إن بعض الدول غيرت مواقفها تجاه ذات المجموعات المسلحة بين فترة وأخرى، كما جرى استخدام بعض تلك الجماعات المقاتلة للأسد كأدوات للنفوذ والحضور في الملف السوري لتأمين دور لهذه الدولة أو تلك في ترتيبات مستقبل سوريا، وتفرع عن ذلك حالة من التنافس بين الدول الداعمة للثورة السورية حول تمويل وتسليح تلك الجماعات لتحقيق هدف السيطرة وتعظيم الدور أكثر مما هو بهدف إنزال هزيمة بالأسد أو إنجاح الثورة فقط.

وتشير دلائل وتطورات الموقف في العراق إلى وضع مشابه، مع زيادة في التعقيد والتشابك عن سوريا، حيث المقومات الذاتية للعنف متوافرة بدرجة أعلى في ظل الطبيعة القبلية والعشائرية بالإضافة إلى الحس الطائفي الغالب على الأزمة.

من هنا فإن دخول مجموعات مسلحة وجهادية سيمثل بالضرورة محورا لاستقطابات وتنازعات إقليمية جديدة قد تمتد وتتشعب إذا استمرت الأزمة دون حل سياسي عاجل ومقبول من كافة الأطراف.

في ضوء ما سبق، يمكن استخلاص أن الحراك الإقليمي في المنطقة ناجم عن ديناميكية القضايا والمحاور محل الاستقطاب الحاصل. وهو ما يعني أن خارطة الشرق الأوسط ستشهد مزيدا من التحول والتبدل في تحالفاتها وأيضا في صراعاتها.

غير أن المرجح هو عدم عودة التحالفات القديمة التقليدية على الرغم مما يبدو في الظاهر من عودة الأنظمة والقوى القائمة عليها، حيث القضايا تغيرت والمعطيات الداخلية خصوصا اختلفت كثيرا، وكذلك الحسابات والمصالح حتى بين الحلفاء قد تطورت بما يجعل المنطقة بالفعل حاليا بصدد بلورة وتشكل شرق أوسط جديد بأسس ومقومات ذاتية وتلقائية، نتاج حراك وشقاق إقليمي بامتياز، تجتمع فيه مردودات الحراك الداخلي، مع التفاعل والاحتكاك الخارجي. بيد أن كلاهما سَيّار لم يتبلور بعد، لذا ستظل السيولة والتذبذب غالبة على المشهد الإقليمي حتى إشعار آخر.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك