مؤمن بسيسو

مؤمن بسيسو

كاتب فلسطيني


فشل أهداف العدوان
فشل عسكري واستخباراتي
جدوى الحرب البرية
المحددات والمآلات

ما يجري في طول وعرض فلسطين المحتلة اليوم من انهيارات أمنية متلاحقة على إيقاع صواريخ المقاومة الفلسطينية المنهمرة، يؤكد -بما لا يدع مجالا للشك- أن إسرائيل تغرق شيئا فشيئا في بحر النار.

كما يثير التساؤلات حول جدوى المعركة البرية مع غزة في ضوء الفشل العسكري والاستخباراتي الذريع، وفشل أهداف العدوان رغم أساليب الإرهاب الأعمى والإبادة الجماعية ضد المدنيين الفلسطينيين.

فشل أهداف العدوان
ما تم تسريبه من جهات صحفية ومصادر سياسية إسرائيلية حول الأهداف التي رصدتها الحكومة الإسرائيلية لعدوانها الأخير على غزة، يشكل فشلا مريعا للحملة العسكرية الإسرائيلية التي عجزت عن تحقيق أي منها حتى الآن.

لم يتمكن العدوان -على وحشيته البالغة وإجرامه الكبير- من "سحق قوة حركة حماس السياسية"، ولم تتمكن إسرائيل من "ترميم قوة الردع" في مواجهة قوى المقاومة الفلسطينية، ولم تتمكن من "إيقاف الصواريخ وضرب المنظومة الصاروخية الفلسطينية

لم يتمكن العدوان -على وحشيته البالغة وإجرامه الكبير- من "سحق قوة حركة حماس السياسية"، ولم تتمكن إسرائيل من "ترميم قوة الردع" في مواجهة قوى المقاومة الفلسطينية، ولم تتمكن من "إيقاف الصواريخ وضرب المنظومة الصاروخية الفلسطينية".

ومما يبدو، فإن حجم الغرور ومستوى الغطرسة الإسرائيلية اللذين تأسسا على تقديرات عسكرية وأمنية محدودة وغير دقيقة، قد أسهما في رفع سقف الأهداف والمطالب التي ابتغتها إسرائيل من وراء العدوان، وهو ما أورث المؤسسة السياسية والعسكرية والأمنية الإسرائيلية صدمة نفسية مدوية جراء بوار الآمال وانقلاب التوقعات، وحشرها في زاوية ضيقة للغاية من الخيارات التي يبدو أحلاها أكثرها مرارة، كما يقولون.

والواقع أن إسرائيل لم تتوقع في أسوأ كوابيسها كثافة النيران الصاروخية الفلسطينية التي ضربت عمقها السكاني والجغرافي، لتتجاوز مدينة تل أبيب ومناطق وسط إسرائيل إلى مدينة حيفا الشمالية التي تبعد 160 كيلومترا عن حدود قطاع غزة، فضلا عن كسر واختراق المحرمات الأمنية التي تحيط بمفاعل "ديمونا" النووي عبر قصف المدينة الواقعة شرق القطاع بعدة صواريخ موجّهة يمكن أن يتسبب أحدها -وفي أية لحظة قادمة- في كارثة كبرى لدولة الاحتلال.

لكن الوجه الآخر للصدمة الإسرائيلية تمثل في فعالية المبادرة الفلسطينية المُقاوِمة التي زاوجت بين القصف الجوي والعمل البري والبحري عبر تنفيذ عمليتين نوعيتين ضد موقع "زيكيم" العسكري على شواطئ مدينة عسقلان الساحلية، وثالثة ضد الموقع العسكري الحصين لمعبر كرم أبو سالم جنوب القطاع الذي تم تدميره بالكامل، مما ترك الإسرائيليين -جميعا- في حالة ذهول غير مسبوق.

فشل عسكري واستخباراتي
لا شك أن نقطة الفشل الأهم التي ضربت العمل العسكري والاستخباراتي الإسرائيلي في مقتل تجسدت في ضعف ومحدودية المعلومات الاستخباراتية عن القدرات العسكرية لقوى المقاومة، وشبه انعدام المعطيات الخاصة بالصواريخ وأنواعها وكمياتها ومنصاتها وأماكن إخفائها.

ولعل العمود الفقري الذي بنت عليه المؤسسة العسكرية والأمنية الإسرائيلية تقديراتها الأساسية، يكمن في الصعوبات البالغة التي تقف عائقا كبيرا أمام تهريب الأسلحة إلى قطاع غزة، ومن بينها الصواريخ بعيدة المدى، بفعل الإجراءات العسكرية المشددة والرقابة الأمنية الصارمة التي تشمل المنطقة ككل، وتمتد من جنوب البحر الأحمر، مرورا بالشواطئ السودانية التي كانت تمر عبرها قوافل وشحنات الأسلحة الواردة من إيران، ميممة وجهها شطر الأراضي المصرية التي يتم عبورها في اتجاه شبه جزيرة سيناء، وصولا إلى قطاع غزة عبر الأنفاق الحدودية.

وما أثار ارتياح إسرائيل أن عدة قوافل أسلحة تم استهدافها في عقر الأراضي السودانية في أوقات سابقة، وأن عدة سفن محملة بالأسلحة والصواريخ الثقيلة تم ضبطها في عرض البحر الأحمر في طريقها إلى قطاع غزة، ناهيك عن حملة هدم وإغلاق الأنفاق مع مصر التي بدأها الجيش المصري في عهد الرئيس محمد مرسي، وتم الانتهاء منها عقب الانقلاب.

لذا، فإن المستوى السياسي والعسكري والأمني في إسرائيل دلف إلى المعركة مع المقاومة الفلسطينية بثقة عالية، وكله يقين بأن المقاومة لا تملك سوى أعداد محدودة من الصواريخ التي سيتم علاج جزء كبير منها موضعيا وميدانيا، بينما ستتكفل القبة الحديدية بإسقاط عدد آخر منها، بينما سيسقط العدد المحدود المتبقي على المدن والمستوطنات الإسرائيلية.

جدوى الحرب البرية
لم يترك الفشل العسكري والاستخباراتي الإسرائيلي في مواجهة المقاومة الفلسطينية أمام صناع القرار في إسرائيل سوى اتخاذ قرار التصعيد، والشروع في الحرب البرية تحت غطاء القصف الجوي الكثيف تمهيدا لوقف المعركة وانتهاء العدوان.

ولم يكن أمام المجلس الوزاري المصغر "الكابينت" في إسرائيل سوى خيارين اثنين، بحيث ينحى الخيار الأول نحو الاجتياح البري الشامل الذي يشمل معظم مدن ومناطق القطاع، وهو ما تم رفضه واستبعاده كونه خيارا صعبا ومكلفا للغاية، ولا تقوى إسرائيل -حكومة وجيشا ومجتمعا- على احتمال ما يمكن أن يتمخض عنه من نتائج وتداعيات.

دخلت إسرائيل الحرب، وكلها يقين بأن المقاومة لا تملك إلا أعدادا محدودة من الصواريخ التي سيتم علاج جزء كبير منها ميدانيا، بينما ستتكفل القبة الحديدية بإسقاط عدد آخر منها، بينما سيسقط العدد المحدود المتبقي على المدن والمستوطنات الإسرائيلية
والحال أن إسرائيل تدرك يقينا أن الاجتياح البري الشامل لن يحوز عناصر التفوق الكبرى التي يحوزها العدوان الجوي، وتخشى أكثر ما يكون من تكرار تجربتها في حرب لبنان عام 2006 حين سقط سلاح مدرعاتها ودباباتها في فخ القذائف المضادة للدبابات التي امتلكها حزب الله في واقعة "وادي الحجير" الشهيرة التي أسفرت عن تدمير 35 دبابة إسرائيلية ومقتل عشرين جنديا، فضلا عن عدم رغبتها في تحمل المسؤولية المدنية والحياتية عن سكان القطاع بأي حال من الأحوال.

لذا، لم يتبق أمام "الكابينت" سوى اللجوء إلى الخيار الآخر المتاح الذي ينص على التوغل البري المحدود في مناطق مختارة وقطع الطرق الرئيسية الفاصلة بين مدن القطاع الرئيسية.

وهكذا، فإن اتجاهات القرار الإسرائيلي الرسمي تذهب باتجاه الاجتياح البري المحدود الذي مهدت له تصريحات رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو ووزير حربه موشي يعلون ورئيس الأركان بيني غانتس، الذين أكدوا أن المعركة صعبة ومعقدة ومركبة، وأنها ستشهد الانتقال إلى مراحل أخرى، داعين الجمهور الإسرائيلي إلى مزيد من الاحتمال والصبر والثبات حتى تحقيق الأمن والاستقرار للشعب اليهودي.

ووفقا للمعطيات التي تسربت عن اجتماع "الكابينت" الأخير، فإن ملامح الاجتياح البري المحدود المقرّة تتضمن عزل محافظات القطاع عن بعضها البعض، ومن بينها عزل محافظة رفح عن باقي مناطق القطاع لضمان عزل غزة عن شبه جزيرة سيناء فوق الأرض وتحتها.

وبحسب الخطة، فإن الاجتياح البري سيشمل العديد من "الخواصر الرخوة" بالمصطلح العسكري الإسرائيلي، مثل بيت حانون، وبيت لاهيا، والعطاطرة، التي تقع شمال القطاع، والدهينية، وعبسان الكبيرة، وعبسان الصغيرة، التي تقع جنوب القطاع، بالإضافة إلى الضواحي الشرقية لمحافظات القطاع بشكل عام.

ويعتقد صناع القرار داخل إسرائيل أن الاجتياحات البرية -المحدودة والمدروسة- لبعض مناطق القطاع كفيلة بتحقيق الأهداف التالية:

- إرباك حركة حماس وقوى المقاومة الفلسطينية بشكل عام من خلال ولوج مرحلة جديدة ضاغطة تحمل قدرا كبيرا من الألم والمعاناة للفلسطينيين.

- قطع خطوط التواصل والإمداد بين مختلف مناطق القطاع من وجهة نظر قادة الاحتلال، مما يعني -عمليا- عزل المناطق عن بعضها البعض، وبالتالي تضييق الخناق على المقاومة وجهدها العسكري.

- حرمان المقاومة من استخدام وتوظيف بعض الهوامش والمساحات المتاحة أمامها لإطلاق الصواريخ على البلدات والمناطق الإسرائيلية عبر اجتياح أطراف القطاع والسيطرة المؤقتة عليها.

- استنزاف المقاومة ومحاولة جباية ثمن باهظ منها قدر الإمكان.

لكن تفحص وتمحيص هذه الأهداف الموضوعة إسرائيليا، انطلاقا من قراءة عسكرية محضة، يكشف رؤية عسكرية أحادية وآمالا إسرائيلية زاهرة لم تأخذ في الحسبان المتغير الفلسطيني الذي تمثله قوى المقاومة، وهو متغير أثبت قدرته على قلب وتغيير كل المعادلات والتوقعات الإسرائيلية حتى اليوم.

والواقع أن القرار الإسرائيلي القاضي بالاجتياح البري المحدود من شأنه أن يجرّ جيش الاحتلال إلى فخ محقق، ويدفع به إلى مواقعة إخفاق مؤكد بكل المقاييس العسكرية.

وكما عجزت القدرات الاستخباراتية الإسرائيلية عن تقدير قوة المقاومة الصاروخية، فإنها ستواجه المصير ذاته بشأن قوة المقاومة البرية.

ولا يخفى على المتابعين لأحوال وشؤون المقاومة الفلسطينية أن عدوان 2008-2009 قد شكل نقطة فارقة في تاريخ المقاومة، إذ أقدمت المقاومة في إثره على إجراء مراجعات عسكرية صارمة تمخضت عن استخلاص كافة العبر، لتصل الليل بالنهار، وتحول باطن أرض القطاع إلى شبكات كاملة من الأنفاق الهجومية والدفاعية واللوجستية، وتتزود بالأسلحة الحساسة، ومن بينها القذائف الفعالة المضادة للدروع والدبابات، وترسم خططها العسكرية المحكمة لمواجهة وكسر أي تجربة اجتياح إسرائيلية جديدة.

المحددات والمآلات
قد لا يتراءى سوى أربعة محددات -داخلية وخارجية- في التأثير على مجرى المعركة والعدوان المستمر على غزة ورسم مآلاته المتوقعة.
لئن بحثت إسرائيل عن سيناريو "الخروج الآمن" في حرب عام 2012 عبر الهدنة، فإن انعدام الوساطة المصرية هذه المرة، وعدم رغبة إسرائيل في طي الملف مستقبلا، سيجعلان سيناريو وقف النار الإسرائيلي من طرف واحد أكثر قبولا وترجيحا

المحدد الأول: يتمثل في مدى قدرة الجبهة الإسرائيلية الداخلية على الاحتمال والصبر على أمد المعركة، فكلما أبدت الجبهة الداخلية صمودا أكبر وقللت من حجم انتقاداتها لأداء حكومتها وجيشها، منح ذلك مزيدا من الوقت أمام نتنياهو وحكومته وجيشه للمواصلة والاستمرار.

المحدد الثاني: يكمن في مدى قدرة إسرائيل على تحقيق الأهداف المتوخاة من وراء العدوان، إذ إن مرور الوقت دون الاقتراب من إنجاز الأهداف الأساسية يجعل من القرار الإسرائيلي أشد يأسا وأكثر اقترابا من خط النهاية.

المحدد الثالث: يتعلق بمدى قدرة المقاومة الفلسطينية على اختراق العمق الإسرائيلي من خلال تنفيذ عمليات هجومية، سواء أكانت ضد مواقع عسكرية على شاكلة عملية "زيكيم" أم ضد مصالح تجارية ومواقع عامة، مما يجعل القدرة الإسرائيلية -الرسمية والشعبية- على الاحتمال في أضعف ما يكون، ويمهد -بالتالي- لتقصير أمد المعركة وبحث سيناريو إنهائها دون تأخير.

المحدد الرابع: يتجسد في طبيعة الموقف الإقليمي والدولي إزاء العدوان، ومدى إمكانية تحوله إلى عنصر ضغط فاعل على إسرائيل لإجبارها على وقف العدوان، وما لم يتبلور جهد دولي ضاغط للجم العدوان، فإن إسرائيل ستشعر بأريحية واضحة تمكّنها من استقطاع المزيد من الوقت لمواصلة العدوان.

وفي ضوء ما سبق، فإن خط النهاية ما زال بعيدا بالمعنى النسبي، وما زال في الأفق ما يشير إلى أيام أخرى -قد تطول أو تقصر- قبل انتهاء المعركة ووقف العدوان.

ولئن بحثت إسرائيل عن سيناريو "الخروج الآمن" في حرب عام 2012 عبر الهدنة التي وقعت برعاية مصرية، فإن انعدام الوساطة المصرية هذه المرة، وضعف الوساطات الأخرى، فضلا عن رغبة إسرائيل في عدم طيّ ملف الأحداث مع غزة إبان المرحلة المقبلة، من شأنه أن يجعل سيناريو وقف النار الإسرائيلي من طرف واحد أكثر قبولا وترجيحا.

وعلى أية حال، فإن وقف العدوان الإسرائيلي وانتهاء المعركة الراهنة، على أية شاكلة كانت، لن يطوي سوى جولة من جولات التصعيد والمواجهة، وقد لا يمر وقت طويل قبل أن تعيد إسرائيل إنتاج هوايتها المحببة في القتل والاغتيال، وخاصة الكوادر العسكرية المؤثرة التي تُذيقها الأمرين، وتُجرّعها الويلات، وتُغرقها في بحر النار خلال المعركة الحالية.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك