أحمد زهران

أحمد زهران

باحث في الشأن المصري


مما يروى من حكايات الهند أن رجلا مات عن ثلاثة بنين، وكان بين تركته "بطيخة" جميلة اعتز بها الأولاد غاية الاعتزاز، لأنها من تراث أبيهم، فحفظوها في مكان حريز من المنزل، ولكن الزمن أفسدها، فانتشرت منها رائحة خبيثة، وعم النتن الحجرة، وجلس الأولاد الثلاثة يتشاورون فيما يصنعون إزاء هذه المشكلة.

أما أولهم فقال: لا بد من الاحتفاظ بها رغم فسادها، ولو جلبت الرائحة الكريهة لنا، لأنها من تراث أبينا، ولا نستطيع أن نفرط فيه. وقال الثاني: وإذا كانت هذه حالتها، فإن من المخجل أن نحتفظ بها على هذا السوء، ولنشتر بطيخة جديدة تكون مثلها وتذكرنا بأبينا، لأن البطيخ متماثل متشابه.

فقال الثالث: أُخالفكم الرأي، وأقترح أن نفتح البطيخة، ونأخذ منها بذرها قبل أن يفسد، ونزرعه في أرضنا، ليخرج كثيرا من هذا النوع، وكله يذكرنا بأبينا.

الثورة كالإعصار، إنْ يهدأ يمت، وهدوء الثورة لا يعني فقط التوقف عن فعالياتها، وإنما قد تكون الثورة قائمة وحراكها كثير ومتعدد، لكن لا أثر له، ومن هنا تأتي أهمية التجديد، خاصة وأن أعداءها يطورون حراكهم وتكتيكاتهم

وطال الجدل حتى سمع الضجيج في الشارع، ودخل الأصدقاء يحلون النزاع، وبعد أخذ ورد، انتهوا جميعا إلى استحسان الرأي الثالث، ففُتحت البطيخة، وأخذت منها البذور، وزرعت في الأرض، فملأت المنزل بطيخا جيدا ذا طعم ممتاز.

يقول الأستاذ عباس محمود العقاد تعليقا على هذه القصة: "ألست هذه قضية التجديد في أوضح صورها وأبسطها، أليس المحتفظون بالبطيخة حتى تفسد ويفسد ما حولها هم الجامدون الغافلون؟

أليس الذين يبيعونها ويشترون غيرها هم المجددون الذين يستبدلون جديدا بقديم، ولكنهم يقطعون الصلة بين هذا وذاك؟ أليس الذين زرعوا البذور هم المجددون الصالحون الذين يصونون تراث الآباء، ولا يخسرون طرافة التجديد في كل موسم؟ أليست هذه حكمة يسيرة عسيرة، تستدني النجم البعيد، فإذا هو في متناول اليدين؟

إن هذا التنازع الذي حدث بين الأشقاء الثلاثة يحدث مثله -كثيرا- إما بين فصائل الثورة بعضها مع بعض، أو حتى بين أبناء الفصيل الواحد.

لقد مضى على الثورة قرابة أربعة أعوام، انتصرت في بعض معاركها ضد النظام وسدنته، ولكنها هزمت في أكثرها ضد الدولة العميقة التي أنشأها هذا النظام طوال أكثر من ستين عاما.

وحتى بعد الانقلاب على أول رئيس شرعي منتخب انتخابا حرا ديمقراطيا بنزاهة وشفافية لأول مرة في تاريخ مصر، رأينا الاختلافات في طرق التفكير، وفي وسائل المقاومة، وفي كيفية استدامة الفعل الثوري وتحقيق فعاليته على أرض الواقع.

البعض فضل أن يسلك طريق السلمية والدبلوماسية في الداخل والخارج، وقال كما أسقطنا نظام مبارك بالسلمية المبدعة سنسقط السيسي والدولة العميقة. وفريق ثان قال إن الثورات متشابهة، وما أُخذ بالقوة لا يُسترد إلا بالقوة، فلنبحث عن أقرب نموذج للشأن المصري، فنصنع مثله، وسيدركنا النصر كما أدركهم.

أما الفريق الثالث فذهب إلى استغلال الإيجابيات السابقة والبناء عليها، فكلا الطريقين لا غنى لأحدهما عن الآخر وإنما هي تفضيلات وقتية، وتحركات ميدانية، ورؤى وخطط إستراتيجية، والضغط المتنوع في كافة المسارات هو ما سيفقد هذه الدولة العميقة قواعدها، وينهي بسط أجنحتها، ويقطع خطر تمددها.

إن الثورة كالإعصار، إنْ يهدأ يمت، وهدوء الثورة لا يعني فقط التوقف عن فعالياتها، وإنما قد تكون الثورة قائمة وحراكها كثير ومتعدد، لكن لا أثر له، ومن هنا تأتي أهمية ولزومية فكرة التجديد، خاصة وأن أعداءها يطورون حراكهم وتكتيكاتهم، فلزم الثوار أن يطوروا ويبدعوا ويأتوا بالجديد الذي يربك أعداء الثورة ويفشل خططهم.

وتجديد الثورة عموما يشمل أكثر من معنى، ولا يغني أحدها عن الآخر، ومن ذلك: تجديد فكرها، ليكون فكرا اقتحاميا لا انسحابيا، هجوميا لا دفاعيا، مبادرا لا مستنسخا. وكذلك تجديد وسائلها، لتكون أنجع وأقوى أثرا، وقد تكون الوسيلة بسيطة جدا لكنها فعالة ومؤثرة، بحيث يمكنها قلب الطاولة، وتمزيق قوة العدو.

تجديد الثورة يشمل أكثر من معنى، ومن ذلك: تجديد فكرها، ليكون فكرا اقتحاميا لا انسحابيا، هجوميا لا دفاعيا، مبادرا لا مستنسخا. وكذلك تجديد وسائلها، لتكون أنجع وأقوى أثرا، وقد تكون الوسيلة بسيطة جدا لكنها فعالة ومؤثرة

وهناك تجديد "القوة الدافعة" التي تستطيع إكمال طريق الثورة حتى النهاية، فلا ينتاب الثوار ضيق أفق أو قصر نظر، أو الاستسلام لأعداء الثورة بما يتبعونه من وسائل إجرامية لملاحقة الثوار وقمعهم والقضاء عليهم، وهنا يجب أن يكون في الحسبان أن كثيرين ممن يرجون المنافع الحاضرة أو الغنائم العاجلة، أو يستطيلون الطريق خوفا وفزعا، أو استعجالا، كل هؤلاء سيسقطون في الطريق، وستتضح حقيقتهم للثوار يوما بعد يوم.

أضف إلى ذلك أيضا تجديد بؤرة الحركة، لتشمل العرب والأوربيين والأفارقة وجميع ما ضم العالم من جنسيات وأعراق.

ولا نغفل جانبا مهما وهو تجديد الشخصيات لتشمل كافة الفئات والأحزاب والحركات والمنظمات والجماعات، وهو ما يعني أن جهدا كبيرا سيُبذل للمحافظة أولا على نواة الثورة الصلبة، ثم بعد ذلك التوسع لضم فئات جديدة، حتى يصير المجتمع بمثابة الحاضنة الشعبية للثورة.

وهو يعني كذلك أن حوارا لا بد أن يُجرى بين جميع التيارات والحركات الثورية، وخصوصا الشباب، لتقريب وجهات النظر، والالتقاء في المتفق عليه، وترك المختلف فيه، أو المتنازع عليه، لحين إسقاط من خانوا الثورة، وانقلبوا على الثوار، ومزقوا الوطن طمعا في وجاهة أو منصب، أو تحقيقا لمخططات عدو داخلي وآخر خارجي.

وقد يكون استدعاء الخبرات والتجارب السابقة ضروريا، فهي لم تجمد على طريق واحد أو وسيلة واحدة، وإنما كان التجديد والابتكار دأبها وديدنها في جميع مراحل ثورتها، حتى تم لها الانتصار في النهاية.

جنوب أفريقيا -على سبيل المثال- لها تجربة ثرية في تجديد وسائل المقاومة، بدءا من سلسلة الإضرابات العمالية سنوات 1920، 1946.

وشهدت فترة الخمسينيات تناميا في الوعي السياسي لدى الجماهير في جنوب أفريقيا، من عقد مؤتمرات، والدعوة إلى إضرابات، وتنظيم حملات عصيان مدني، وحملات مقاطعة للمواصلات العامة في الحضر احتجاجا على رفع أجرة المواصلات.. وغيرها.

وعقب مذبحة "شاربفيل" عام 1960 التي راح ضحيتها ما يزيد عن ستين أفريقيا، بدأ الحراك الثوري يأخذ منحى آخر نحو المقاومة المسلحة، وقام الثوار والفلاحون والعمال بتدبير عمليات تدمير الممتلكات، واغتيال المسؤولين من مستشارين وزعماء قبليين وكل المتواطئين مع الحكومة في تنفيذ مخططاتها، وتم بعدها تشكيل منظمة عسكرية مستقلة أُطلق عليها "رمح الأمة" عام 1961 إلا أنها تعرضت لانتكاسة بعد هجوم الشرطة على مقراتها في يوليو/تموز 1963 واعتقال 17 من أعضائها.

وكان هناك تنظيم آخر معروف باسم "بوكو" كان بمثابة الجناح العسكري لمؤتمر الوحدة الأفريقية، وكانت مهمته اغتيال الزعماء القبليين الموالين للحكومة وغيرهم من المسؤولين الحكوميين، إلا أنه انتهى بالإخفاق مثل سابقه، وفي العام نفسه أيضا 1963.

وفي أواخر الستينيات وأوائل السبعينيات بدا وكأن حركة التحرير الوطني في جنوب أفريقيا قد تراجعت، غير أن هذا لم يكن إلا الهدوء الذي يسبق العاصفة، ففي تلك الفترة نشأ فراغ سياسي، وكانت القيادات القديمة إما في السجن أو في المنفى، وكان الجيل الأصغر يعيد اكتشاف الأمور ويبحث عن طريق جديد للنضال، فكان أول إضراب تم تنفيذه في ديربان عام 1973 من قبل العمال السود، وهو ما أصاب السلطات بالإرباك، كما لم تستطع الشرطة التوصل إلى قيادات هذا الإضراب.

وفي 16 يوليو/تموز 1976 حدثت انتفاضة الطلاب التي أُطلق عليها انتفاضة "سويتو" في مدينتي "جوهانسبرغ والكيب"، وسار نحو 15 ألف طالب في مسيرة احتجاجية واعترضتهم الشرطة، وتجاوزت المظاهرات "سويتو"، فأطلقت الشرطة عليهم النار، وبلغت حصيلة القتلى 84 والجرحى ألفي طالب.

"التجديد" كان عنوان المقاومة في جنوب أفريقيا، ومن خلال التجربة والخطأ استطاعت الحركات التحررية والقوى الثورية أن تطور وسائلها للأفضل، حتى تم لها ما أرادت، من إسقاط لنظام التمييز والعنصرية

وفي أغسطس/آب 1976 حدثت ثورة تلاميذ المدارس في مدن أخرى لمدة ثلاثة أسابيع، مما نتج عنه قتل 92 طفلا، ثم اتسع النطاق الاجتماعي للانتفاضة بانضمام العمال لها، وتم تنفيذ إضراب من 23 - 25 أغسطس/آب ونجح نجاحا مطلقا، بشكل أوقف العمل بالكلية.

وفي سبتمبر/أيلول من العام نفسه تم تنفيذ إضراب بشكل أوسع شارك فيه نحو مليون عامل في الريف، وكانت نجاحاته غير مسبوقة، كما شارك نحو مائتي ألف طالب في حملة مقاطعة تعليم البانتو، واستقال آلاف المدرسين، وبزغت قوة جيل الشباب التي كانت أقل استعدادا للحلول الوسط، وأكثر جرأة في النضال.

وفي الثمانينيات تطور العصيان المدني بصورة كبيرة، وهو ما جعل جنوب أفريقيا خارجة عن نطاق السيطرة والتحكم، وتزايد الإنفاق العسكري بما يقترب من مائة مثل، فقد كان نحو 44 مليون راند عام 1960، ووصل إلى أربعة آلاف مليون راند عام 1986، وانعدم الاستقرار السياسي، وقامت الشركات الأجنبية بتصفية أعمالها ما تسبب في خسارة بنحو ملياري دولار عام 1987، غير الخسائر الداخلية المتمثلة في الإضرابات، وهو ما أدى إلى مزيد من الاقتراض من الخارج، وسقطت معه في النهاية قيمة الراند بشكل لم يسبق له مثيل، حتى تم إلغاء نظام الفصل العنصري تماما بين الأعوام 1990 - 1993.

إن "التجديد" كان عنوان المقاومة في جنوب أفريقيا، ومن خلال التجربة والخطأ استطاعت الحركات التحررية والقوى الثورية أن تطور وسائلها للأفضل، حتى تم لها ما أرادت. كان هناك ابتكار في الأساليب من مؤتمرات، وإضرابات، إلى اغتيالات للخونة والعملاء، وحملات عصيان مدني مليونية.

شملت الحركة الثورية في جنوب أفريقيا كافة القطاعات من فلاحين، وعمال، وطلاب، وتلاميذ، وموظفين، وشباب.

كانت هناك نجاحات وإخفاقات، وصعود وهبوط، ونشاط وركود، كما كان هناك ضحايا بالآلاف، ولكن كان الهدف التكتيكي -والمتمثل في إضعاف السلطة الاستعمارية الحاكمة أمنيا واقتصاديا بحيث يجعلها تفكر جديا في التفاوض- واضحا للجميع، وهو ما جعل خسائر المقاومة تكون أقل، وضمن لها الاستمرار وعدم الانهيار، حتى تم تحقيق هدفها الإستراتيجي، بانتصار المقاومة، وزوال الأنظمة القمعية أو العنصرية.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك