حمدي عبد الرحمن

حمدي عبد الرحمن

خبير في الشؤون الأفريقية


ملامح الإمارة الأفريقية
محور بوكو حرام
محور حركة الشباب المجاهدين

لا تزال وسائل الإعلام منشغلة بتغطية عمليات قطع الرؤوس والتفجيرات العنيفة التي تقوم بها جماعات بوكو حرام والشباب المجاهدين وأنصار بيت المقدس وغيرها من جماعات العنف ذات الإسناد الديني. بيد أن الأسئلة الصعبة والحقيقية حول ورطة أفريقيا الراهنة، لا تزال في حاجة إلى إجابات واضحة.

واللافت للانتباه أن أعضاء هذه التنظيمات المتطرفة لا يرتدون أبدا عباءة النخب المثقفة ولا يتبنون لغة التحليل الإستراتيجي السائدة. ونادرا ما يكشف هؤلاء عن أهدافهم الإستراتيجية بعيدة المدى، وهو ما يدفع في كثير من الأحيان إلى عدم التوقف عند تصريحاتهم المعلنة وأخذها بمحمل الجد.

لقد حدث تطور فارق في تفكير "داعش" والتنظيمات الأخرى التي تسير في فلكها بشأن إقامة دولة الخلافة الكبرى. وربما يفسر ذلك دلالة تغيير الاسم ليصبح "تنظيم الدولة الإسلامية" ونشر خريطة جامعة توضح ولايات وأقاليم الخلافة الكبرى والتي من المتوقع استكمالها في غضون السنوات المقبلة.

إذا كانت جبهات أوروبا وبلاد الأندلس عصية على الغزو في الوقت الراهن، فإن الجبهة الأفريقية تبدو الحلقة الأسهل بسبب ضعف الدولة الوطنية وهشاشة نظم المراقبة عبر الحدود الإقليمية

وإذا كانت جبهات أوروبا وبلاد الأندلس عصية على الغزو في الوقت الراهن، فإن الجبهة الأفريقية تبدو الحلقة الأسهل بسبب ضعف الدولة الوطنية وهشاشة نظم المراقبة عبر الحدود الإقليمية.

ويحاول هذا المقال تحليل خطط تنظيم الدولة الإسلامية في امتداده الأفريقي، وطبيعة اقترابات ومناهج الاستجابة الأفريقية لهذا الغزو "الجهادي" الجديد.

ملامح الإمارة الأفريقية
تظهر الرؤية الجهادية لإعادة غزو أفريقيا التمييز بين ثلاثة أقاليم كبرى يسهل اختراقها لإقامة الإمارة الأفريقية التابعة للدولة الإسلامية. وطبقا للأدبيات المعلنة فإن هذه الأقاليم هي: أرض الكنانة (تشمل مصر)، وبلاد المغرب (وتشمل شمال وغرب أفريقيا) وبلاد الحبشة (وتشمل القرن الأفريقي وبعض مناطق وسط أفريقيا). ويعني ذلك أن الجبهة الأفريقية لدولة الخلافة تشمل الكتل الإسلامية الكبرى في النصف الشمالي للقارة، وتضم نيجيريا وغانا وغينيا وبوركينافاسو ومالي والنيجر وتشاد وموريتانيا والمغرب والجزائر وتونس ومصر ودولتي السودان وإثيوبيا وأوغندا وكينيا والصومال وجيبوتي وإريتريا.

لقد أفضت أوضاع الفوضى وعدم الاستقرار السياسي بليبيا في أعقاب انهيار نظام العقيد معمر القذافي عام 2011، إلى سيطرة المليشيات والجماعات المسلحة على أنحاء كثيرة من البلاد.
وتخوض جماعة "أنصار الشريعة" التي صنفتها الأمم المتحدة جماعة إرهابية، حربا ضد قوات اللواء المتقاعد خليفة حفتر والجيش الليبي للسيطرة على شرق ليبيا. على أن التطور اللافت هو قيام "مجلس شورى شباب الإسلام" بالسيطرة على مدينة درنة قرب الحدود المصرية وإعلانها ولاية تابعة لتنظيم الدولة بقيادة أبو بكر البغدادي.

ولا شك أن الوضع في ليبيا مرتبك وبالغ التعقيد، وهو ما يمثل تحديا كبيرا لدول الجوار التي تعاني من تبعات مرحلة ما بعد القذافي. ولعل أبلغ ما يعبر عن هذا التحدي اعتراف الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في خطاب له أمام جمع من كبار قادة الجيش في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، بأن ثقة المؤسسة الأمنية بنفسها اهتزت، وذلك في تعقيبه على تفجيرات سيناء.

وإذا كانت جماعات بوكو حرام في نيجيريا والشباب المجاهدين في الصومال وأنصار بيت المقدس في مصر قد أعلنت ولاءها لتنظيم الدولة، فإن ذلك يعني من الناحية الإستراتيجية حدوث اختراقات مهمة في الجبهة الأفريقية لدولة الخلافة. ولعل ذلك ما يبرر -كما قلنا- تغيير اسم "داعش" وإعلان الإمامة الكبرى للمسلمين باعتبارها فرضا كفائيا يأثم المسلمون بتركه.

وتعكس أيدولوجية "داعش" والحركات المنضوية تحت لوائها في أفريقيا نفس توجهات الرؤية الجهادية العالمية التي ترى بوجوب إقامة دولة الخلافة وتحكيم الشريعة الإسلامية، كما أنها تأثرت كثيرا بأفكار سيد قطب المنظر الرئيسي لحركة الإخوان المسلمين، وبكتابات الإمام أبو الأعلى المودودي مؤسس الجماعة الإسلامية في الهند وباكستان.

محور بوكو حرام
تعد جماعة بوكو حرام أخطر جماعات التطرف الديني في الغرب الأفريقي على الإطلاق. ولا تزال الحكومة النيجيرية عاجزة عن التصدي لها. وخلال الأشهر الأخيرة استطاعت الجماعة أن تستولي على نحو 20% من الأراضي النيجيرية، وهو نفس التكتيك الذي اتبعته "داعش" في العراق وسوريا. وفي أغسطس/آب 2014 حينما أعلن زعيم الجماعة أبو بكر شيكاو تأسيس عاصمة إمارته في "جوزا" بالشمال النيجيري، قدّم الشكر والثناء لثلاثة من أبرز قادة الحركة الجهادية العالمية وهم أبو بكر البغدادي وأيمن الظواهري والملا محمد عمر.

ترتبط خطورة بوكو حرام في كونها تهدد أمن أكبر دولة أفريقية من حيث عدد السكان (177 مليون نسمة) وأكبر مصدر للنفط في المنطقة، فضلا عن أن الجماعة تمثل خطرا على منظومة الأمن الإقليمي لدول كثيرة في المنطقة

ولا شك أن النظرة الفاحصة لأنماط محاولات دولة الخلافة التي أعلنها تنظيم الدولة من أجل غزو أقاليم جديدة تظهر أن الغزوات الأفريقية هي الأيسر والأقل تكلفة، مقارنة بما هو عليه الحال في العراق وبلاد الشام، فالجبهة الأفريقية تتسم بوجود دول هشة وحكومات وطنية ضعيفة، بالإضافة إلى السهولة النسبية في اختراق الحدود الوطنية.

وترتبط خطورة بوكو حرام في كونها تهدد أمن أكبر دولة أفريقية من حيث عدد السكان (177 مليون نسمة) وأكبر مصدر للنفط في المنطقة، فضلا عن أن الجماعة تمثل خطرا على منظومة الأمن الإقليمي، ولا سيما بقدرتها على استغلال أوضاع عدم الاستقرار وضعف القدرات الأمنية في دول كثيرة مثل بوركينافاسو ومالي وليبيا والنيجر وتشاد وشمال الكاميرون.

وخلافا لتجربة "داعش" في العراق وسوريا والتي تجد نفسها محاصرة من قبل جيران أقوياء مثل الأتراك والأكراد والإيرانيين، فإن جيران "داعش" الأفريقية في نيجيريا أكثر ضعفا وهشاشة إلى حد كبير. ولعل ذلك يجعل من توسع بوكو حرام في ما وراء حدود نيجيريا أمرا ممكنا ومتوقعا، مقارنة بما عليه الحال في الدولة الإسلامية من ناحية جبهتها الآسيوية.

ومن الواضح في خطاب بوكو حرام الجديد التأكيد على مفهوم الأممية الإسلامية وارتباطه بدولة الخلافة الداعشية في العراق وبلاد الشام. وإذا كان التأكيد على شرعنة وتبرير قتل المخالفين ليس جديدا في خطاب هذه الجماعة، فإن الجديد هو الإعلان عن الاسم المفضل لأعضائها وهو "جماعة أهل السنة للدعوة والجهاد". وربما يساعدنا ذلك على فهم القواسم المشتركة التي أضحت تميز عولمة حركات السلفية الجهادية في كل مكان.

محور حركة الشباب المجاهدين
كانت حركة الشباب المجاهدين تسيطر على غالبية الأراضي الصومالية إلى أن تمكنت بعثة الاتحاد الأفريقي من تقليص دائرة توسعهم بشكل تدريجي ابتداء من نهاية العام 2007. ومن الواضح أن الصومال لا يستطيع وحده مواجهة هذا الخطر الداهم لهذه الحركة الراديكالية. على أنه مع وجود قوات أفريقية من أوغندا وبوروندي وكينيا وجيبوتي على الأراضي الصومالية، فإن حركة الشباب لم تُهزم بعد، ولا تزال قادرة على القيام بعمليات عنيفة ضد الدولة الوطنية وجوارها الإقليمي.

ويمكن الإشارة إلى ملاحظتين أساستيين فيما يتعلق بمحور بلاد الحبشة ودور حركة الشباب المجاهدين في إنجازه. الملاحظة الأولى تتعلق بالبوابة الكينية حيث تعد كينيا دولة ساحلية وقوة اقتصادية كبرى في منطقة شرق أفريقيا، وعليه فإن الفوز بكينيا يجعل تنظيم الدولة على مقربة من الحدود الجنوبية لإثيوبيا. وقد أفضت سلسلة الهجمات المروعة من قبل حركة الشباب على أهداف كينية إلى زعزعة ثقة الكينيين في قدرة حكومتهم على توفير الحماية اللازمة لهم، وهو ما يعني وجود أزمة أمنية ملحة.

أما الملاحظة الثانية فتتعلق بإثيوبيا التي تعد أكبر عقبة في طريق تمدد دولة الخلافة في تلك المنطقة الأفريقية. فإثيوبيا ذات التقاليد المسيحية الراسخة تمثل ثاني أكبر دولة أفريقية من حيث عدد السكان (90 مليون نسمة أو ما يعادل عدد سكان مصر تقريبا)، ونظرا للعداء التقليدي بينها وبين الصومال فإنه يمكن استخدام الدعاية والحماس الديني للضغط على إثيوبيا، وربما إسقاط بعض أقاليمها في قبضة دولة الخلافة.

لا شك أن الحلول الأمنية والعسكرية تعد حاسمة ولازمة لمواجهة مظاهر العنف المسلح، ومع ذلك فإن مقاربة المواجهة الناعمة تعد الأنسب لتجفيف منابع التطرف والتعصب على المدى الطويل

ما العمل إذن لمواجهة هذه المعضلة الأفريقية التي تؤثر يقينا على مسيرتها التنموية في القرن الواحد والعشرين؟ نستطيع أن نرصد مقاربتين رئيسيتين تحكمان الاستجابة الأفريقية والدولية للتغلب على خطر "داعش" وأخواتها الأفريقيات. المقاربة الأولى ذات طبيعة أمنية وعسكرية، ويبدو أنها الأكثر تفضيلا حيث يتغلب الأمني على السياسي وتسود عقلية المباراة الصفرية.

لقد ذهبت معظم الدول الأفريقية لمواجهة خطر الإرهاب وتمدد الحركات الجهادية عبر زيادة ميزانيات الدفاع. وطبقا لتقديرات معهد ستوكهولم الدولي لدراسات السلام، فإن أفريقيا رفعت إنفاقها العسكري بنسبة 65% في العام الماضي بعد فترة جمود وثبات نسبي استمرت نحو 15 عاما.

لقد قررت الحكومة النيجيرية مواجهة خطر بوكو حرام بإنفاق نحو مليار دولار على التدريب العسكري وشراء طائرات جديدة. وتثور الشكوك حول إمكانية سرقة هذه الأموال ودخولها جيوب كبار الجنرالات الفاسدين.

ولا شك أن الحلول الأمنية والعسكرية تعد حاسمة ولازمة لمواجهة مظاهر العنف المسلح، ومع ذلك فإن المقاربة الثانية التي نطلق عليها "المقاربة الناعمة" تعد الأنسب لتجفيف منابع التطرف والتعصب على المدى الطويل.

وهنا تبرز أهمية فهم مسارات العنف والتطرف المعقدة، حيث يتم العمل على معالجة قضايا الفقر والفساد والتهميش وسوء توزيع الثروة. على أن إصلاح التعليم وإعادة النظر في الخطاب الديني السائد يمثل أولوية قصوى عند صياغة أي إستراتيجية متكاملة لمحاربة العنف والتطرف.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك