يحيى اليحياوي

يحيى اليحياوي

كاتب وأكاديمي مغربي


قد يبدو الحديث عن انتفاضات الربيع العربي -من زاوية ما تحقق أو ما لم يتحقق- حديثا سابقا لأوانه في الزمن، أو غير ذي موضوع ثابت وقار يمكن الخوض فيه بهدوء، أو من ضمن تلك الموضوعات التي لا يتعرض لها البعض إلا من باب الترف الفكري الخالص، الذي لا يسمن إشكالا ولا يغني قضية.

فالظاهرة، ظاهرة الانتفاضات، لا تزال أطوارها جارية، وإن خفت حدتها، ولا يزال لهيبها مستعرا ومشتعلا حتى إن تراجع منسوبه، ولا تزال رمالها متموجة ومتحركة، حتى إن استقرت عواصفها الكبرى التي لازمتها منذ البدء، أي ببداية العشرية الثانية من الألفية الثالثة.

كلها عناصر قد تحول دون المقاربة الموضوعية للظاهرة، ودون التقييم السليم لتبعاتها وتداعياتها، لا سيما من جانب ما تم تحقيقه، وما تعذر إنجازه أو إدراكه لهذا السبب أو ذاك.

لكن، وعلى الرغم من هذا التحفظ المنهجي الوجيه في بعض عناصره، فإن الذي جرى طيلة السنوات الأربع للانتفاضات العربية كاف -في جزء كبير منه- للإمساك بأطراف المشهد العام، على الأقل لملامسة السمات المشتركة الكبرى لحصيلة هذه الانتفاضات:

كانت الفوضى المعممة هي السمة الأساس للتجارب مجتمعة، حيث طالت بلدان الانتفاضات، وحولت معظمها إلى حقول مفتوحة للاقتتال والتناحر، للظفر بغنيمة دولة تمت التضحية بالقائم على رأسها، أو بهدف التمكن من مفاصل الإدارة والجيش والاقتصاد والمجتمع

1- ولعل السمة المميزة الأساس للتجارب مجتمعة، إنما هي واقع الفوضى المعممة التي طالت "بلدان الانتفاضات"، وحولت معظمها إلى حقول مفتوحة للاقتتال والتناحر، من أجل الظفر بغنيمة دولة تمت التضحية بالقائم على رأس هرمها، أو بغاية التمكن من مفاصل الإدارة والجيش والاقتصاد والمجتمع، في أفق الاتكاء عليها جميعا لإقامة منظومة جديدة على أنقاض نظام ذهب رأسه، وبقيت منظومة موالية له، منعدمة الحيلة في مظهرها -بحكم "تغييب" قلبها النابض- لكنها غير معدومة القوة، إذا لم يكن للتعامل مع النظام الجديد، فعلى الأقل للانحناء والتخفي لحين مرور العاصفة.

ونزعم، هنا، أن انتكاسة الانتفاضة بمصر وباليمن تحديدا، إنما مردها القوة المضادة المضمرة والجلية، التي أبدتها منظومة الدولة العميقة، سواء عندما تصدت لحكم الرئيس مرسي، وناهضته بقوة القضاء والإدارة والإعلام ومؤسسات الدين، أو عندما منحت الرئيس علي عبد الله صالح حصانة معتبرة ضد المتابعة، وفسحت له السبل للفعل والتأثير، بعدما سلمت السلطة لنائب له، لم ينجح قيد أنملة في ضبط واقع الفوضى الذي بدأ منذ ثلاث سنوات، ولا يبدو لنهايته من أفق.

صحيح أنه كانت ثمة عوامل خارجية (بمصر وباليمن، بليبيا وبسوريا وبالبحرين) تنفخ في النار لتؤجج لهيبها. وصحيح أنه كانت بالتجارب مجتمعة، حسابات إقليمية ودولية لا يمكن للعين أن تغفلها، مفادها أنه من غير المسموح به أن تمتد نيران الفوضى خارج نطاق ما هو محدد ومرسوم.

كل هذا صحيح. لكن الثابت في المقابل، أن الذين أججوا الانتفاضات لم يكونوا هم أنفسهم يحتكمون إلى قيادات كاريزمية، وإلى برامج عمل واضحة، بقدر ما كانوا مندفعين عاطفيا، خلف شعارات براقة، وضمنها تحديدا شعار "ارحل"، الذي سرعان ما انقلب عليهم نارا وشنارا، بمجرد تحقق مغزاه ومضمونه في هذا البلد أو ذاك.

ولذلك، فلو كان لنا أن نضع حصيلة السنوات الأربع من الانتفاضات العربية، بميزان ما تحقق سياسيا، لقلنا بالمختصر المباشر بأن المحصول كان ضئيلا، ودون مستوى الغلة المراهن عليها ببداية الموسم، موسم تجمهر الناس بالميادين وبالساحات العامة.

2- أما السمة المميزة الثانية التي طبعت حصيلة هذه السنوات الأربع، التي تؤرخ لعمر انتفاضات الربيع العربي، فهي سمة الاحتقان العام الذي طال الجماهير العربية بعد طول انتظار وأمل المراهنة على القادم.

لا يروم التلميح هنا إلى استعجال الجماهير لتحقيق مطالب اقتصادية واجتماعية لا يمكن ترجمتها موضوعيا وعمليا إلا بالتدريج وعلى الأمدين المتوسط والبعيد، ولا إلى إلحاحها على تحقيق مطلب "الديمقراطية الآن" طويل المدى، بل يروم التلميح إياه إلى وضعية القديم الذي لا يريد التواري للخلف، والجديد الذي لا يستطيع الخروج من الرحم.

إن الذي يذكي الاحتقان من بين ظهراني الجماهير (باليمن كما بمصر كما بالبحرين كما بسوريا، كما بدول "الانتفاضات الناعمة" التي طالت المغرب والأردن)، إنما هو استمرار الوجوه التي رُفعت الشعارات ضدها ومن أجل إسقاطها، استمرارها في تأثيث المشهد العام بهذا الشكل أو ذاك، ولكأن شيئا لم يقع، أو لكأن الذي وقع هو مجرد سحابة صيف مظلمة أتت وانصرفت لوحدها:

السمة المميزة الثانية التي طبعت حصيلة هذه السنوات الأربع التي تؤرخ لعمر انتفاضات الربيع العربي، هي سمة الاحتقان العام الذي طال الجماهير العربية بعد طول انتظار وأمل المراهنة على القادم
- فتونس أعادت إنتاج وجوه النظام القديم، بعد انتخابات برلمانية حصل فيها حزب "نداء تونس" على الرتبة الأولى، متقدما على حزب النهضة الإسلامي الذي حملته انتفاضة البوعزيزي للسلطة، فبات مقدرا على تونس أن تتعايش مستقبلا مع رموز عهد لفظته، لكنه أتاها -وللمفارقة الغريبة- من حيث أرادت هي، أي بصناديق الاقتراع.. في استعادة لعقدة الرجل الذي يتعرض للتعذيب، لكنه يتعاطف ويصفح عن معذبه بمجرد تقديم هذا الأخير للمحاكمة.

- ومصر أعادت هي الأخرى إنتاج منظومة العسكر بالسلطة، بعد إزاحة الرئيس المنتخب ودفع وزير الدفاع لرئاسة الدولة، والتأشير للقضاء بتبرئة رأس أركان النظام "السابق" الذي انفجرت انتفاضة 25 يناير من أجل مناهضته ثم إسقاطه.

لم يأت الاحتقان الجماهيري بحالة مصر، من تبرئة مبارك وأبنائه وأركان نظامه فحسب، (بعدما أدينوا جميعا قبل حكم العسكر)، بل أيضا من التساؤل عن الجهة التي أعطت الأوامر في عهده لقتل ما يناهز ألف مصري، ذنبهم أنهم نزلوا بالميادين رافعين شعار "الخبز والحرية والكرامة"، مغلفا بعبارة "ارحل". هذا أصل الاحتقان بمصر ولربما هو سره فيما نسمع ونرى.

- أما بليبيا وسوريا، فإن القول بالاحتقان هو قول مجانب لعين الصواب، لأنه لا يوجد بالبلدين معا جهة بالإمكان التظلم من سلوكها أو ممارساتها، إذ بات الكل، بالبلدين معا، مع الكل ضد الكل، في غياب شبه تام لمؤسسات الدولة.

بالتالي، فلو كان ثمة من أثر للاحتقان بالبلدين، فسيكون مرده حسرة الشعبين، أو ما تبقى منهما، على ما فعلته بهما "نخب" ما بعد الانتفاضتين، وما أقدمت -ولا تزال تقدم- عليه الأحزاب أو المليشيات أو التنظيمات المتطرفة، التي لا يدري المرء حقا وبالتدقيق من صنعها ولأية غاية ولأية مشروع.

- أما ببلدان "الانتفاضات الناعمة" بباقي دول المغرب والمشرق العربي، فإن الاحتقان على أشده، إما بسبب احتواء الانتفاضات بإصلاحات دستورية شكلية لم تحقق الحد الأدنى من مطالب الجماهير، أو بفضل ريع من باطن الأرض يخفي في مخرجاته فظاعات الظلم الاجتماعي والإقصاء الاقتصادي واحتكار المجال السياسي، أو عن طريق إعمال البطش وخشونة القوة المباشرة وتسليط سوط القضاء على المنتفضين، سواء عبروا عن ذلك بالكلمة والصوت والصورة، أم نزلوا للميادين بصدور عارية.

إننا، بهذه السمة الثانية، إنما أمام شعوب تخلصت، أو في طريقها إلى ذلك، من نظم مستبدة، ظالمة وفاسدة، لكنها لم تحصل بالمقابل على الحد الأدنى من مطالبها، لا سيما مطالب الحرية والعدالة الاجتماعية والاقتصادية، وتوزيع مصادر الثروة والسلطة بإنصاف.

3- أما السمة الثالثة، المترتبة على انتفاضات الربيع العربي، فتتمثل في انفجار الهويات الفردية والجماعية، وانبعاث الخصوصيات التي لطالما غيبتها أو غبنتها أيديولوجيا الدولة الوطنية، أو تم الدوس عليها تحت مسوغ "الحفاظ على اللحمة الوطنية"، أو بمبرر "بناء الهوية الجامعة" التي لا يراد للباطل أن يأتيها لا من أمامها ولا من خلفها.

إن بروز النعرات العرقية والإثنية، وإعادة إحياء الحزازات المذهبية (ذات الخلفية الدينية الصرفة) و"الخروج" على منطق "دولة اللحمة الوطنية"؛ لم تفرز الاحترابات العنيفة والتطاحنات الخشنة فحسب، بل حولت "الأقليات" الساكنة والمتساكنة إلى حين عهد قريب -بموجب هذه النعرات- إلى مشروع دويلات داخل الدولة الواحدة، لها نفوذها الجغرافي، وحدودها الفاصلة، ولها رعاتها وأتباعها ومسلحوها وإعلامها العابر للقارات.

تتمثل السمة الثالثة المترتبة على انتفاضات الربيع في انفجار الهويات الفردية والجماعية، وانبعاث الخصوصيات التي طالما غيبتها أو غبنتها أيديولوجيا الدولة الوطنية، أو تم الدوس عليها تحت مسوغ "الحفاظ على اللحمة الوطنية"

لم يقف الأمر عند هذا الحد، بل تعداه من لدن بعض الجماعات، لحد الاحتماء بالعنصر القبلي البدائي، والاعتداد به بوجه دولة مركزية تتجاذبها التطاحنات السياسية، ويتم التناحر من بين ظهرانيها على أساس الطائفية والعشائرية، ويتم القتل من بين أضلعها على الهوية والمذهب وجهة الانتماء والولاء.

الملاحظ أن منظومة الدولة العميقة بالحالات مجتمعة، لم تقف مكتوفة الأيدي، بل عمدت إلى تأجيج هذا العنصر والنفخ فيه، في سياق خلطها المتعمد للأوراق، قد لا يدري المرء معه من يدافع عن المصلحة العامة، ومن يريد تعميم الفتنة على خلفية من القول: "ألم نقل لكم بأن ثمن الانتفاضة سيكون مكلفا وغاليا".

يبدو لنا، بهذه السمات الثلاث، أن الذي تحقق فعلا هو الذي لم يكن متوقعا، بتعبير الأديب أندريه مالرو، بل إن اعتمال انتفاضات الربيع العربي طيلة السنوات الأربع الأخيرة، لم يفرز لا خبزا ولا كرامة ولا حرية، بل عاد "ببلدان الانتفاضة" إلى المربع الصفر، حيث عادت منظومة بن علي في صورة حزب "نداء تونس"، وعادت منظومة مبارك من جديد بعد تبرئته في أعقاب الانقلاب على الرئيس مرسي، وبقيت منظومة عبد الله صالح هي القائمة باليمن.

أما بسوريا، فلا يزال نظام الرئيس الأسد ومنظومته قائمين، ولم يتغير من الأمر الشيء الكثير، اللهم إلا عشرات الآلاف من الضحايا والنازحين، وخراب البلد ووصول التنظيمات المتطرفة -التي باتت تقتتل فيما بينها- للذود عن ما تحصلت عليه من جغرافيا على الأرض أو نفوذ بالإقليم.. وهكذا.

ويبدو من الحصيلة الأولية لهذه الانتفاضات، أن النتيجة كانت ولا تزال غير ذات قيمة كبرى تذكر، بل لا تستحق كل تلك التضحيات التي قدمت بالميادين أو دمرت البلدان بجريرتها. فـ"شعوب الانتفاضات" قد طالها اليأس، وباتت قاب قوسين أو أدنى من الإحباط الشامل وباتت، والحالة هاته، غير مستعدة -إن تسنى لها أن تقوم بانتفاضة جديدة- للتضحية بأبنائها أو بأمنها واستقرارها (على علاتهما)، أو بوحدة بلدانها مقابل مطالب أثبتت التجربة أنها كانت مجرد سراب عابر.

نقول بأنها كانت مجرد سراب عابر، لأن هذه الانتفاضات لم تتحول إلى ثورة يودي مدها ومداها بالنظام والمنظومة في الآن معا، بل بقيت حراكا عاطفيا، استطاع ذات النظام وذات المنظومة التحايل عليه بدهاء، وقتله وهو في المهد.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك